الجمعة 21 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 24 يناير 2003 يعتبر يقيننا بمعرفتنا بطبيعة الأرض غير المتغيرة قويا جدا بحيث اصبح مضرب الأمثال. ولكنه يعتبر وهما في الوقت نفسه، مثلما يكتشف الملايين كل عام على نحو يثير الرعب فيهم عندما تهتز الأرض تحت اقدامهم في النوبات السابقة للزلزال. ويتحدث الناجون عادة عن الخوف الأساسي الذي شعروا به لدى ادراكهم ان الأرض تتحرك. وعلى الرغم من كل التطور الذي وصلنا اليه، الا ان الحاجة الى التصديق بأننا نعيش على كوكب مستقر لاتزال قوية. وربما يفسر هذا السبب الذي دفع بالعديدين ممن عثروا على أدلة تشير الى حركة القارات عبر العالم الى الامتناع عن أخذ الأمر بصورة جدية. وفي عام 1912، قرر محاضر في جامعة ألمانيا يدعى الفريد وغنر بأنه لم يعد بالامكان تجاهل الأدلة اكثر من ذلك، وتقدم بأدلة تشير الى أن القارات تتحرك عبر كوكبنا مثل اطواف ضخمة من الصخور. وبحسب وغنر، فقد كانت القارات في يوم من الأيام جزءا من قارة كبرى تفككت قبل مئات الملايين من السنين، وهي تتحرك منذ ذلك الحين بصورة دائمة، ويؤدي اصطدامها الى بروز سلاسل جبال ممتدة. وببساطة، فان ادعاءات وغنر تبدو وكأنها شطحات خيال لشخص مهووس. ومع ذلك، فان الدلائل التي كانت لديهم لدعم أفكاره كانت مؤثرة وعملت على حل العديد من الألغاز المعلقة منذ فترة طويلة. واليوم تعتبر أفكاره الأساس لما يسمى «الصفائح التكتونية»، وهي جوهرة العلم الحديث التي تستوعب كل شيء من تشكل البراكين وأسباب الزلازل الى أصل الجبال. غير ان ادعاءات وغنر رفضت في حينه على الفور. انه لمن المغري القاء اللوم في نضالات وغنر على المواقف العمياء للأكاديميين الذين أبدوا امتعاضهم في أي تحد لسلطتهم. ولكن الأسباب الحقيقية اكثر تعقيدا وأكثر اثارة، لانها تبرز الحقيقة المرة في العلم وهي ان كونك على حق لا يكون كافيا دائما. لم تكن ادعاءات وغنر جديدة، فمنذ العام 1596، اشار صانع الخرائط البلجيكي ابراهام اورتيليوس الى مدى تطابق اميركا الجنوبية مع افريقيا مثل قطع في احجية الصور المقطوعة، ورأى أن الاميركتين قد «انفصلتا عن أوروبا وأفريقيا بفعل الزلازل والفيضانات». وقد لاحظ ذلك باحثون اخرون من بينهم الباحث الشهير فرانسيس بيكون، ولكن لو كانت لديهم افكار حول مصدرها، فقد احتفظوا بها لأنفسهم، ولم يجرؤ احد على أخذ المسألة على محمل الجد الا في منتصف القرن التاسع عشر. ففي عام 1858 اشار العالم الجغرافي الفرنسي انطونيو شنايدر بيلغريني الى مصادفة اخرى، وهي ظهور مستحاثات من النباتات نفسها على جانبي الاطلسي، وهكذا كانت الحال مع العديد من التشكيلات الجيولوجية، مثل التراكمات الطبيعية للفحم الحجري. وكان انطونيو شنايدر قد خلص الى نتيجة مفادها ان أميركا وافريقيا وأوروبا كانت متصلة في يوم من الأيام في قارة كبرى وأن انفصالها كان سببا في حدوث الطوفان الذي تحدثت عنه الكتب السماوية. وفي وقت كان ينقلب علماء الجيولوجيا على هذه الروايات الكارثية في تاريخ الارض، كان هذا ادعاء جريئا لدرجة تضمن الاستهجان على الفور. ومع ذلك، فان فكرة القارات المتحركة رفضت ان تتلاشى. ففي عام 1908، اشار العالم الجيولوجي الاميركي فرانك تيلور الى ان الاصطدام بين كتل اليابسة يمكنه ان يفسر اصل السلاسل الجبلية مثل جبال الهيمالايا والألب. غير انه بالنسبة لمعظم علماء الجيولوجيا، فان هذا كان بمثابة جواب على مشكلة كانت قد حلت بالاعتقاد السائد في حينه والذي يقول ان الارض تتعرض للانكماش. وبحسب هذا الاعتقاد، فان الارض التي كانت منصهرة في يوم من الايام لاتزال تبرد وتتقلص في الحجم. ونتيجة لذلك، فان سطح الكوكب يتم اعتصاره الى مساحة اصغر، مما يتسبب في حدوث تجعدات، او كما نسميها، سلاسل جبلية. وعلى خلفية هذه النظرية، جاء وغنر وفي نفسه احياء هذه الفكرة الخاصة بتحرك القارات. وكان قد لاحظ في البداية تطابق القارات في عام 1903 عندما كان لا يزال طالبا، ولكنه اعتبر الأمر مجرد مصادفة. ولكن ذلك تغير في عام 1911، عندما قرأ عن المستحاثات المتشابهة على جانبي الاطلسي، واكتشف ايضا ان بعض المستحاثات وجدت في الهند واستراليا في الوقت نفسه، وهو ما عزز من فكرته عن انفصال القارات عن بعضها البعض. ولكي يفسر وغنر القوة المحركة لانجراف القارات، اعتمد على معرفته في مجال الارصاد الجوية لكي يقترح ان انجراف القارات يحدث بسبب دوران الارض، القوة المحركة الاساسية لأنظمة الطقس. ولكن الدراسات اللاحقة اظهرت ان هذه القوة غير كافية لاحداث الانجراف في القارات. واضطر وغنر في عام 1929 وبعد الانتهاء من اطلاق الطبعة الرابعة من كتابه الذي يحمل عنوان «اصل القارات والمحيطات» الى الاقرار بأنه لم يتوصل بعد الى دليل قوي يدعم نظريته. وفي العام التالي انطلق في رحلة استكشافية الى جرينلاند ولم يعد منها. وبعد سنوات من وفاته، اعيد الاعتبار لألفريد وغنر باثبات تحرك القارات. وكان احدث الدلائل على تحركها هو ما التقطته الاقمار الصناعية وأنظمة تحديد الموقع العالمية لحركة القارات التي تبين انها تتم بمعدل 15 سنتيمترا في السنة. ضرار عمير