الاربعاء 19 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 22 يناير 2003 كل صباح سبت يفعل المواطن الاسرائيلي نتان شيرانسكي ما يفعله كثيرون: يذهب الى الكنيس. المسافة من بيته الى الكنيس تبلغ، بتقدير حذر، 300 متر. وشيرانسكي مثله مثل مواطنين آخرين، يفضل تقصير طريقه وقطع ساحة وقوف السيارات الخاصة التابعة للمبنى السكني. ولكن خلافا للمواطنين الاخرين يرافق شيرانسكي الى الكنيست حارسان مسلحان. وهما ينظران الى داخل السيارات في ساحة الوقوف ليفحصا اذا كان أحد من السكان لم ينسَ بالصدفة قنبلة في المقعد الخلفي. يلقيان نظرات حادة على السكان ممن خرجوا ليلعبوا مع اطفالهم في الساحة: ماذا يفعلون في الخارج صباح السبت. كل هذا يحصل في منطقة خاصة، ليست ملكا عاما: المواطن شيرانسكي يخطو نحو الكنيس، والفخامة، غير المتفهمة، الوقحة والمتسيلة، ترافقه من امامه ومن خلفه. أحد ما يمكنه ان يتساءل كم هو مؤمن الشخص الذي كي يصلي يوم السبت مع الجماعة يلحق تدنيسا للسبت للاخرين. احد ما يمكنه ايضا ان يتساءل لماذا يحتاج المواطن شيرانسكي لحراسة مرافقة في ساعات الفراغ، او لماذا يحتاج الى الحراسة على الاطلاق. فاسرائيل ليست الاتحاد السوفييتي حيث كان الوزراء يسيرون في مسار خاص بهم في الطرقات. ولكننا لن نحقق في الامر العجيب: فخفية هي سبل الاعتقاد، وكل يعيش حسب معتقده. اما بالنسبة للحراسة، فان شيرانسكي ليس وحده في هذه القصة. معظم وزراء الحكومة يحرصون على تكريم أنفسهم بحراسج المرافقين. والا كيف سنعرف انهم وزراء. 17 سنة مرت منذ ان هبط نتان شيرانسكي شرق المتوسط، الرجل القصير والشجاع الذي تحدى نظام القمع السوفييتي وبقي على قيد الحياة. لم يكن الوحيد الذي افرج عنه من السجن وسمح له بالخروج، ولكنه كان الوحيد الذي دمج في داخله الحركتين الحديثتين، حركة حقوق الانسان والحركة الصهيونية. وفي البلاد اعتبر بطلا قوميا. ومنذئذ بات بطلا أقل فأقل، وقوميا أكثر فأكثر. مثل الكثيرين من المهاجرين الذين وصلوا في الموجة الجماهيرية الاولى، في التسعينيات، دارت حياته في دائرة. الجهد الاول كان الانخراط في الحاضر الاسرائيلي واعادة الخلق الذاتي. وقد غير ليس فقط اسمه الخاص من اناتولي الى نتان بل ايضا اسم عائلته من شيرانسكي الى شارون. وحاول خوض الانتخابات للكنيست على رأس حزب وسط عموم اسرائيلي، مثابة شينوي ـ للفقراء. وفي المرحلة الثانية اقام حزب مهاجرين، طائفي وقطاعي. سحره المتمرد، والقدرة على التفكير بشكل آخر، على المفاجأة اختفى. فقد بات احد الوزراء الاقل أثرا في الحكومة. والاكثر أسفا من ذلك فقد بات شبيه السوفييت: يؤمن بالحلول القائمة على اساس القوة والفرض والصدامات طويلة الامد بين الشعوب، ويستخف بالدقائق الصغيرة التي تصد طغيان السلطة تجاه الداخل. شيرانسكي يريد ان يفرض الديمقراطية على جيراننا العرب. والحقيقة هي ان كل الاسرائيليين، باستثناء بعض غريبي الاطوار، من شأنهم ان يكونوا سعداء لو ان الانظمة العربية كانت ديمقراطية. ولكن السعادة شيء والاكراه شيء آخر. معظم الاسرائيليين يدركون ان الديمقراطية لا يمكن فرضها. وعلى اية حال لا يمكن لاسرائيل ان تفرضها. فلسنا قوة عظمى مثل الاتحاد السوفييتي التي سمت لنفسها، فور الحرب العالمية الثانية، ان تفرض الديمقراطية على الدول التي احتلتها. وقد كانت هذه، بالطبع ديمقراطية شعبية. ان الدعاية للديمقراطية لدى الاخرين هي أمر سهل وبسيط. اما في الاختبار الحقيقي لمحبي الديمقراطية فهو في الساحة الداخلية. فمنذ العام 1996، كان شيرانسكي نائبا في الكنيست. وفي سياق السنين دارت في هذه البلاد جدالات مريرة حول حقوق الانسان والفرد، حول حقوق الاقليات والاجانب، حول حرية التعبير، حول تعسف السلطة وانغلاقها الحسي. وفي معظم هذه الجدالات كان شيرانسكي مع الفخامة او الابهة، أو لم يكن على الاطلاق. الاسبوع الماضي بعث شيرانسكي برسالة الى رئيس المحكمة العليا احتج فيها على «النشاط الزائد» لرئيس لجنة الانتخابات المركزية، القاضي ميشال حيشن. وهذه الرسالة هي وثيقة مخجلة. اولا بسبب الجهل: فشيرانسكي لا يعرف ان رئيس لجنة الانتخابات لا يتلقى تعليمات من أحد. وهو لا يعرف أيضا ان القاضي، اذ يجلس على كرسي المحكمة، لا يتلقى تعليمات من أحد. وقد تصرف شيرانسكي مثلما كانوا يتصرفون في الاتحاد السوفييتي: بدلا الاستيضاح، يوشون. ولا تنتهي المشكلة عند انعدام المعلومات. فالعداء لاستقلالية المحاكم والقيم التي تعمل بموجبها هو خبز السياسيين الذين يدعون التحدث باسم مهاجري روسيا. وهذه أيضا هي النبرة في وسائل الاعلام بالروسية. انهم يعرفون، على ما يبدو، نفسية جمهورهم. ولم يتوقف شيرانسكي كثيرا كي يفهم معنى فعلته. ففي نهاية الاسبوع طار الى روسيا ليمثل اسرائيل في الاستعدادات (؟) للاحتفالات التي ستعقد في سانت بترسبورغ في شهر ايار، بمناسبة 300 عام على تأسيس المدينة. وهو سيبث لناخبيه من سانت بترسبورغ وموسكو: رئيس حزب روسيا بعليا، اسرائيل بعليا سابقا، يتحدث الى الناخبين من البيت. بقلم: ناحوم برنياع _ عن «يديعوت أحرونوت»