الاربعاء 19 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 22 يناير 2003 في 5 يونيو 1967 اشعلت اسرائيل نيران الحرب للمرة الثالثة، وفي هذه الحرب استهدف الاسرائيليون اولا القوة الجوية لمصر وسوريا والاردن كي تضمن تفوقها الجوي، وكانت نتائج هذه الحرب احتلال سيناء وهضبة الجولان والضفة الغربية والقدس الشرقية، وبعد أيام فقط من نهاية الحرب صرح موشي ديان الذي كان آنذاك وزيرا لدفاع اسرائيل بقوله: «كل ما استطيع قوله هو ان دور الاستخبارات كان يعادل في الاهمية دور الطيران والمدرعات على الاقل». لعل مثل هذا القول هو اقل من الحقيقة، اذ ان مختلف اجهزة الاستخبارات الاسرائيلية كانت على علاقة وثيقة بالخطط الهجومية لمختلف الاسلحة هكذا لم يكن صدفة ان يتم اختيار الساعة الثامنة والدقيقة الخامسة والاربعين صباحاً لتوجيه الضربات الجوية الاولى للمطارات العسكرية المصرية، لقد كان استراتيجيو الطيران الاسرائيلي يعرفون بواسطة استخباراتهم ان الطيارين المصريين يكونون قد عادوا بعد طلعتهم الاولى وان طائراتهم تكون بصدد التزود بالوقود، كما ان عددا آخر من الطيارين يواجهون ازدحام السير وهم في طريقهم الى قواعدهم، وبالاضافة الى هذا كله، وعشية الهجوم، كان هناك عميل سري اسرائيلي استطاع التغلغل في الاوساط الاجتماعية «الراقية» في القاهرة، هو «انور افراييم» الذي قام بتنظيم امسية ساهرة دعا إليها «اصدقاءه» من طياري قاعدة القاهرة التي كان يفترض ان تنطلق منها طائرات «الميغ 21» المصرية لقد انتهت تلك السهرة في ساعة متأخرة من الليل، وفي ساعات الفجر الاولى غادر «انور افراييم» القاهرة على اول رحلة تجارية، بعد دقائق فقط من رحيله بدأ الهجوم الجوي الاسرائيلي، وكان يمكن للاسرائيليين ان يعتمدوا على عملاء آخرين في القاهرة من بينهم «علي العفتي» الذي كان يقوم بعمليات التدليك للرئيس جمال عبدالناصر، وايضا «سليمان» الذي اخبر تل ابيب منذ ان ان تحركت المدرعات المصرية لاجتياز قناة السويس باتجاه الحدود يوم 17 مايو اي قبل ما يزيد على 15 يوماً من بداية الحرب لكن «سليمان» هذا لقي مصرعه في اليوم الثالث للقصف الجوي الاسرائيلي لكن اجهزة الاستخبارات الاسرائيلية قامت بالعديد من العمليات السرية انطلاقا من تل أبيب. حكاية ليبرتي الغريبة في 8 يونيو 1967 اي في اليوم الرابع للحرب التي بدأت يوم الخامس من ذلك الشهر كانت السفينة الاميركية «ليبرتي» تبحر في عرض البحر قبالة العريش، وقبل الساعة التاسعة بقليل حلقت طائرات اسرائيلية فوقها عدة مرات وكانت السفينة «ليبرتي» مكلفة في الواقع من قبل وكالة الأمن القومي الاميركية بمهمة مراقبة تطور المعارك بفضل الاجهزة المتقدمة التي كانت مزودة بها، بعد عدة ساعات من مرور الطائرات الاسرائيلية للمرة الاولى ثم الهجوم على السفينة الاميركية من قبل اربع طائرات اسرائيلية من طراز «ميراج» واستمرت عمليات القصف نصف ساعة ثم استأنفت الطرادات البحرية الاسرائيلية العمليات وعند الساعة الثالثة بعد الظهر انضمت «ليبرتي» الى الاسطول السادس الاميركي المبحر في البحر المتوسط، وقد وصلت اليه تحت حماية سفينتين حربيتين روسيتين، ونتيجة القصف الاسرائيلي تم تدميرالتجهيزات الالكترونية للسفينة ليبرتي، والسفينة نفسها تم تصنيفها فيما بعد كخردة، كما قتل في الهجوم 34 اميركيا وجرح 171 غيرهم من طاقم السفينة. رسميا اعتبر الاسرائيليون والاميركيون ان قصف السفينة «ليبرتي» جاء نتيجة «الخلط» بينها وبين سفينة مصرية، وكان مثل هذا التفسير غير مقنع، فالاعلام الاميركية التي رفعتها السفينة كانت ظاهرة ومرئية تماما، كما ان عمليات الاتصال التي كانت تقوم بها تم التشويش عليها منذ اندلاع الحرب، ويرى بعض الخبراء ان الاسرائيليين ارادوا ان يقطعوا عن الاميركيين مصادر المعلومات المباشرة لا سيما وان واشنطن كانت قد بدأت تمارس الضغوط على تل ابيب من اجل وقف العمليات التي بدت وكأنها تهدد امن المنطقة، لكن الاسرائيليين كانوا يحضرون لعملية الاستيلاء على هضبة الجولان السورية التي كانت بمثابة احد الاهداف الكبرى لاسرائيل. في 5 سبتمبر 1972 وعند الساعة الرابعة والنصف صباحاً اقتربت مجموعة «كوماندوز» من حيث كان يقطن الوفد الاسرائيلي المشارك في الالعاب الاولمبية بميونيخ ودخلت تلك المجموعة المبنى واحتجزت الاسرائيليين كرهائن لمدة يوم كامل، انتهى بمقتل 11 رياضيا اسرائيليا عند تدخل الشرطة الالمانية، وقد شكل جهاز الموساد الاسرائيلي بعدها المجموعة المعروفة باسم «لجنة إكس» التي اعتمدت قائمة بأسماء المطلوب اغتيالهم من قبل مجموعات العمل الاسرائيلية ولم يكن رئيس الوزراء الاسرائيلي نفسه يملك سلطات رفع اي اسم من القائمة اياها، بل ان غولدامائير رئيسة وزراء اسرائيل آنذاك اعطت الضوء الاخضر لزافي زامير رئيس الموساد كي يقوم بتنفيذ عمليات الاغتيال.لقد بدأت في اوروبا عندئذ عمليات تنفيذ عدة مهمات، حيث انتشرت عناصر الموساد تحت امرة عميل لها لم يكن معروفا لفترة طويلة سوى باسم مايك وهو في الواقع «مايك حاراري» الذي اصبح بعد ان ترك الموساد بمثابة الذراع اليمني للجنرال نورييفا في بنما. وضمت قائمة الاغتيالات وائل زعيتر ومحمود الهمشري وباسل الكبيسي، الاول في روما والآخران في باريس، ثم اجريت عملية «بيروت» التي شارك فيها اربعون مظليا اسرائيليا بقيادة عناصر من الموساد واغتالوا كمال ناصر ومحمد يوسف النجار وكمال عدوان. كان على رأس المظليين ايهود باراك (رئيس وزراء اسرائيل فيما بعد) الذي ارتدى زي امرأة وشملت قائمة الاغتيالات ايضا المسرحي الجزائري محمد بوضياف وعلي حسن سلامة، وذلك بعد ان كانت عناصر الموساد قد قتلت قبل ذلك لاجئا سياسيا الى النرويج هو احمد بوشيكي اعتقادا منهم بأنهم استهدفوا علي حسن سلامة وعلى الرغم من ان اسرائيل قد دفعت مبلغا كبيرا لأسرته كتعويض الا انها لم تعترف رسميا بمسئوليتها. فضيحة اسمها بولارد في 21 نوفمبر 1985 حاول رجل يطفح الهلع على وجهه ان يخترق بسيارته شباك السفارة الاسرائيلية في واشنطن، وكان يصرخ وهو يلوح بجواز سفره: «انا عميل اسرائيلي .. وانني اطلب اللجوء السياسي» لقد طرده حراس السفارة ليعتقله فورا رجال مكتب التحقيقات الفيدرالي الاميركي عندها بدأت قضية بولارد. جوناثان بولارد من مواليد اغسطس 1954، وقد حلم دائما بأن يصبح جاسوسا، ومن الافضل جاسوسا اسرائيليا، وعندما كان طالبا وناشطا صهيونيا، كان يدعي علنا وبقوة انه عميل للموساد، وان اباه كان كذلك، من اجل أن يثير اهتمام زملائه، وعندما انهى دراساته حاول الالتحاق بوكالة الاستخبارات المركزية الاميركية، لكن طلبه قوبل بالرفض واستطاع بالمقابل ان يصبح موظفا كمحلل في مركز الانذار المضاد للارهاب والتابع لعدة مصالح استخباراتية، من بينها البحرية الاميركية لقد كان عملا «رائعا» بالنسبة لذلك الذي كان يتمنى خيانة بلاده لانه كان بحكم منصبه قادرا على الاطلاع على الملفات السرية للغاية، وكان في الوقت نفسه يريد دائما العمل لصالح الاجهزة الاستخباراتية الاسرائيلية. بعد استلامه وظيفته بفترة قصيرة التقى بنيويورك مع كولونيل الطيران الاسرائيلي «افييم سيللا» وقال له: انني يهودي ومناضل صهيوني، وعملي يسمح لي بالاطلاع على معلومات في غاية السرية، وانا مستعد لتقديمها لاسرائيل».وبناء على طلب «سيللا» قام بتسليم لمحة من الوثائق التي يمكنه تسليمها للاسرائيليين هكذا حقق جوناثان، بولارد ما حلم به دائما، واصبح وهو في الثلاثين من عمره «جاسوساً» وكان يردد امام المحيطين به، كي يبرر بذخه المادي انه قد ورث ثروة طائلة عن عمٍ غني له كان يعيش في اوروبا.واثناء احدى الاقامات العديدة للزوجين «بولارد» في اوروبا على حساب الاسرائيليين قام «سيللا» بتقديم جوناثان لـ «رافي ديثان» و «جوزيف ياغور» المستشار العلمي في سفارة اسرائيل بواشنطن، ان ذلك اللقاء الذي تم في باريس بدا وكأنه يثبت ان بولارد لا يعمل لحاسب الموساد، كما كان يعتقد، وانما لحساب مصلحة صغيرة منافسة، هي جهاز «ليكيم» اي قسم «الروابط العلمية التابع لوزارة الدفاع الاسرائيلية» والذي كان رافي ايثان قد اسسه ويعمل خارج اسرائيل ولا يعرف الشيء الكثير عن هذا الجهاز او عن اسباب تأسيسه، ولكن ربما هدفه الوحيد هو العمل في الاراضي الاميركية، حيث لا يستطيع الموساد ان يتدخل كثيرا، بسبب المخاطر التي قد تنشب عن نشاطاته، لا سيما وان آخر شيء تفكر به اسرائيل هو ان تعكر العلاقات مع الولايات المتحدة، اذ ان بقاءها يعود الى حد كبير لواشنطن. كان بولارد يتقاضى مع زوجته مبلغ الف و500 دولار اميركي يتم ايداعها باسمه في احد البنوك السويسرية هذا فضلا عن تزويده وزوجته بجوازات سفر اسرائيلية ولم يتردد بولارد في ان يشتري لزوجته خاتما مرصعا قبل عودتهما الى الولايات المتحدة ومنذئذ اصبح اهتمام جوناثان الرئيسي هو تسليم العديد من الوثائق السرية الخاصة بالعالم العربي ومن بينها خطة الدفاع عن المقر العام لمنظمة التحرير الفلسطينية في تونس والذي تم قصفه بعد فترة وجيزة من قبل الطيران الاسرائيلي وكان بولاند يعيد الوثائق السرية الى مكانها بعد تصويرها. وذات صباح من نوفمبر 1985، وعندما كان بولارد يتأهب لتسليم وثائق جديدة للاسرائيليين تم اعتقاله في مرآب مكتبه من قبل عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي الاميريكي ورجال امن المركز الذي كان يعمل فيه، كانوا يريدون في الواقع ان يطرحوا عليه بعض الاسئلة فقط، مثل معرفة السبب الذي يدعوه لاصطحاب وثائق سرية خارج مكتبه، ولمن يعطيها؟ لقد فقد بولارد هدوء اعصابه وطلب ان يتحدث هاتفيا الى زوجته ليخطرها بتأخره وخلال حديثه معها افهمها عبر بعض الرموز انه في وضع خطير وان عليها ان تتخلص من بعض الوثائق الموجودة في المنزل، لقد اتصلت آن بولارد بعدها مبشارة بالعقيد «سيللا» الذي التقى بها في احد المطاعم، كانت مقتنعة بأن الاسرائيليين سوف يخلصون زوجها من ورطته، لكن الدهشة عقدت لسانها عندما ادركت انه لم يتم وضع اية خطة من اجل تهريبها في حال حدوث مشكلات. فضل مكتب التحقيقات الفيدرالي الاميركي الذي استجوب جوناثان بولارد مدة يومين ان لا يتركه رهن السجن من اجل استكمال الادلة ضده، وبتاريخ 21 نوفمبر وعندما كان في طريقه الى السفارة الاسرائيلية برفقة زوجته كان رجال مكتب التحقيقات الفيدرالي وراءه حيث لم يكن يغيب عن انظارهم ابدا، ان اعتقاله قد اثار فضيحة حقيقية في واشنطن لكن الرئيس رونالد ريغان قرر ان يتصرف بحزم بحيث يتم تقديم بولارد للمحاكمة وحتى لو ادى ذلك الى تسميم العلاقات بين الولايات المتحدة واسرائيل، وانتهى الامر بالحكومة الاسرائيلية الى الاعتراف بخطئها، لكنها اكدت فيما بعد ان جهاز «ليكيم» قد تصرف بمبادرة ذاتية مع ذلك لم يسقط اي رأس، بل ان العقيد «سيللا» رقي بعد عامين الى منصب قائد قاعدة جوية. في 4 مارس 1978 صدر حكم بسجن جوناثان بولارد مدى الحياة بتهمة التجسس لصالح اسرائيل، بينما واجهت زوجته حكما بالسجن لمدة خمس سنوات وجرت محاولات عديدة من اجل اطلاق سراحه، مصدرها اسرائيل، وكانت مجلة «نيوزويك» قد اعلنت في فبراير 1988 عن امكانية ابرام «صفقة تبادل ثلاثية» بين جاسوس سوفييتي في اسرائيل وجاسوس اميركي في روسيا وبولارد في الولايات المتحدة، لكن هذه الصفقة لم تتم، كما فشلت محاولة بنيامين نتانياهو عندما فتح «ملف بولارد» في اكتوبر 1998 في «واي بلانتيشن». في 4 نوفمبر 1995 شاهد العالم بصورة مباشرة تقريبا عملية اغتيال رئيس الوزراء الاسرائيلي اسحق رابين. كان قاتله ايفال عمير هو احد اعضاء مجموعة متطرفة صغيرة اسمها «ايال» التي تعني بالعبرية «المنظمة اليهودية المقاتلة» وفي 27 مارس 1996 تم الحكم على القاتل بالسجن مدى الحياة. ومن المعروف اليوم ان رئيس منظمة «ايال» كان احد اعضاء جهاز الشين بيت، اي جهاز الأمن الاسرائيلي الداخلي. وكان افيشاي رافيف وهذا هو اسمه يقدم باستمرار تقارير لرؤسائه منذ فترة ويؤكد فيها بأن ايفال صرح علانية بأنه يريد اغتيال رئيس الوزراء لانه «باع ارض اسرائيل» فكيف لم تتم مراقبته يوم الاغتيال، مع ان عدة عناصر من الشين بيت كانت في المكان عينه؟ وكيف امكن للقاتل ذي النوايا المعروفة ان يصل الى حيث كانت سيارة رئيس الوزراء في مكان يعتبر بمثابة منطقة امنية؟ وكيف امكنه الاقتراب من رابين واخراج سلاحه واطلاق النار منه؟ اسئلة كثيرة لا تزال دون جواب. لقد وصلت اللجنة المكلفة بتقدير المسئوليات الى الاستنتاج بأنه كان هناك انهيار كامل في اجهزة الامن المكلفة بحراسة رابين، الى جانب سلسلة من الاخطاء في القيادة والتنفيذ، كانت تلك هي الرؤية الرسمية، اما الاطروحة الثانية فتقول بوجود مؤامرة مفادها ان عناصر من الشين بيت تميل بوضوح سياسياً نحو اليمين كانت على علم بمشروعات ايفال عمير وتركته يقوم بـ «فعلته» من اجل الانتهاء من «الخائن» رابين، واطروحة ثالثة عرضها في ربيع عام 1996 الصحفيان الاسرائيليان يوري دان ودونيس ايزبيرغ مفادها ان الشين بيت كان على علم كامل بمشروعات القاتل، وانه تركه يفعل ما خطط له ولكن ليس من اجل الخلاص من رابين وانما من اجل القبض على ايفال عمير بالجرم المشهود بحيث تتم بعدها حملة بوليسية ضد اوساط اليمين المعادية للسلام، لكن في ظل ظروف سيئة تضافرت فيما بينها فقد الشين بيت السيطرة على الوضع وجرت عملية الاغتيال. ولعل الاطروحة الاولى هي الاكثر احتمالا، اذ ان عملية الاغتيال جرت في وقت كان جهاز الشين بيت هشاً، ففي فبراير 1995 تم تعيين رئيس جديد له هو «ك.» (القانون الاسرائيلي يمنع الافصاح عن اسماء رؤساء الاجهزة الامنية عندما يكونون على رأس عملهم) وكان تيار اليمين المتطرف وقسم من اليمين يكنون له الكثير من الكره ويعتبرونه يساريا وفوضويا، وفي عام 1984 كان قد قام بتفكيك شبكة ارهابية يهودية في اسرائيل، ثم قام بعد ست سنوات من ذلك بتكريس اطروحته لنيل شهادة الدكتوراه عن اليمين الديني المتطرف في اسرائيل واخطاره والسيد «ك» هو كرمي غيلون. وقد جاء اغتيال رابين في مرحلة دقيقة من تاريخ الشين بيت اي جهاز الأمن الداخلي الاسرائيلي حيث كان اليمين يتهمه بالتراخي في «النضال ضد حماس» واليسار يتساءل عن اساليبه وممارساته، باختصار بدا هذا الجهاز عاجزا عن القيام بمهماته. بعد اربعة ايام من اغتيال رابين تم اعفاء اربعة مسئولين كبار في الشين بيت. وفي يناير 1996 تم تسريح «كرمي غيلون» ليحل محله الاميرال السابق «امير ايالون» الذي دعي صحافيون للمشاركة في احتفال توليه منصبه، وذلك للمرة الاولى في تاريخ اسرائيل. قانا .. مئة ضحية في 18 ابريل 1996 استهدفت حوالي 15 قنبلة اسرائيلية من عيار 100 ملليمتر احد معسكرات الأمم المتحدة في جنوب لبنان .. في منطقة «قانا» وبلغ عدد الضحايا مئة من المدنيين الذين كانوا قد لجأوا الى المعسكر.لقد قالت اسرائيل، رسمياً، ان خطأ قد وقع في قراءة خرائط قيادة الاركان، وذلك قبل ان يتهم شيمون بيريز رسمياً الأمم المتحدة بأنها لم تبلغ اسرائيل بأنه قد تم قبول لاجئين مدنيين في المعسكر. هذا لم يكن سوى تحريف للمشكلة، فإذا كان هناك لاجئون مدنيون أم لم يكن، لماذا قصف الجيش الاسرائيلي قاعدة تابعة للأمم المتحدة؟إن مقولة الخطأ لا تصمد طويلاً إذ دلّت عدة شهادات على انها وعلى الرغم من الاحوال الجوية السيئة فإن طائرتين عموديتين للمراقبة وطائرة تجسس بدون طيار من طراز «النحلة» كانت تحلق فوق المنطقة لحظة القصف. وبالتالي سيكون قبول مقولة الخطأ أكثر صعوبة، لاسيما وان العديد من عناصر القصف أو الكوماندوز قد قامت بمهمات سابقة تثبت ان الجيش الاسرائيلي كان حسن الاطلاع خلال السنوات الاخيرة من قبل عملائه وضباط الموساد وبواسطة الوسائل التقنية المتقدمة التي يستخدمها جهاز «أمان» أي جهاز الاستخبارات العسكرية. التسعينيات فترة صعبة في 25 سبتمبر 1997 تعرض أحد زعماء «حماس» في الاردن، وهو خالد مشعل لمحاولة اغتيال، إذ وعندما خرج من منزله هاجمه رجلان وطعناه بأداة حادة تحمل سماً تحت أذنه اليسرى. لقد تم القبض على الجناة في الحال، حيث اعترفا بسرعة أمام رجال الشرطة بأنهما من جهاز الموساد الاسرائيلي. كان غضب العاهل الاردني الملك حسين شديداً ووجدت اسرائيل نفسها مرغمة على الافراج عن الشيخ أحمد ياسين من أجل الافراج عن عميليها وتجنب قطع العلاقات بشكل كامل مع الاردن. كما ان تلك القضية عكّرت العلاقات الاسرائيلية ـ الكندية لأن الجانيين كانا يحملان جوازي سفر كنديين مزورين. بعد خمسة أشهر تم عزل داني ياتوم رئيس جهاز الموساد، حيث انه كان قد تصرف وحده من دون استشارة أجهزة الأمن الاسرائيلية الاخرى بشكل كاف بـ «تفاصيل» العملية. وكان قد تم الكشف ايضاً في ديسمبر من عام 1997 عن احد العاملين السابقين في جهاز الموساد المدعو يهودا جيل كان قد «فبرك» لمدة سنوات تقارير كاذبة وقدمها لرؤسائه. وكان قد أغرق الموساد بمعلومات تنذر بالخطر الشديد قال باستمرار انه قد جمعها بواسطة عميل له جنّده في دمشق. وكادت ان تكون سبباً في نشوب حرب جديدة مع سوريا التي كانت حسب معلومات «عميله» الموهوم تستعد للقيام بهجوم ضد اسرائيل، بل وهجوم جديد خلال صيف 1996. لكن جهاز الاستخبارات العسكرية الاسرائيلي قدم براهينه على ان الجنود السوريين هم في موقع دفاعي وليس هجومياً، وكان هذا هو السبب في تشكيل لجنة للتحقيق كشفت عن زيف معلومات يهودا جيل الذي كان قد حصل على مئتي ألف دولار بحجة انه يدفعها لـ «عميله». ومن المثير هو ان «يهودا جيل» هذا كان يدرّس للمجندين الجديدين في جهاز الموساد وجهاز الشين بيت أصول المهنة، وكان قد كرّس أحد دروسه لـ «فن الكذب». وقد أكد أولئك الذين استمعوا له عندها بأنه كان رائعاً. وفي فبراير 1998، وعندما أراد جهاز الموساد الوصول الى شقة أحد مسئولي حزب الله المقيمين في أوروبا اندهش جيرانه من وجود أشخاص غير معروفين بجانب رافعة للبناء يتم استخدامها من أجل ترميم الشقة. لقد أبلغ أولئك الجيران الشرطة وانكشف الأمر. وفي نهاية تلك السنة ايضاً تم الكشف عن عدة عناصر من جهاز الموساد في جزيرة قبرص، حيث كانت السلطات القبرصية قد اتهمتهم بـ «الاهتمام» كثيراً بمواقع بطاريات لاطلاق صواريخ أرض ـ جو من صنع روسي وشكت بأنهم «يحضرون» لعملية لحساب تركيا التي تقيم اسرائيل معها تعاوناً عسكرياً وثيقاً. وبعد عام، وخلال عملية سرقة عادية تحوّلت بسرعة الى قضية رسمية خطيرة، قام لص معروف بسرقة «فيللا» في أحد ضواحي تل أبيب، وكان من بين المسروقات جهاز كمبيوتر محمول، أما صاحبه المقيم في تلك «الفيللا» فلم يكن سوى الجنرال «اميرام لوفان» رئيس الموساد الجديد، وكان ذلك الحاسوب يتضمن معلومات في غاية السرية «غير محمية». بعد أسابيع تم القبض على السارق الذي اعترف بأنه باعه لأحد المهتمين. وفي الواقع وجده رجال الشرطة عنده، لكن الخبراء يشكّون بأنه قد تم «نسخ» جميع المعلومات التي كان يحتويها. في المحصلة عرف جهاز الموساد خلال السنوات الأخيرة سلسلة من الفشل مما هبط معنوياته، لكن ألا يعكس هذا في واقع الأمر صورة المجتمع الاسرائيلي الذي يطرح التساؤلات على نفسه وعلى قادته ويواجه منذ خريف عام 2000 «الانتفاضة الثانية»؟ إن بعض المتفائلين يقولون بامكانية ان يستعيد «فاعليته» حيث انه كان قد عرف في السابق فترات صعبة، وخاصة عندما عجز عن أن يكشف عن التحضيرات لحرب اكتوبر 1973، فماذا يخبيء المستقبل للموساد؟ تأليف: جينوفيفا أتيين وكلود مونيكيه _ عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف