الاثنين 17 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 20 يناير 2003 تشكل اليوم اعمال عديدة لليمين المتطرف واليسار المتطرف خارطة لحالة من عدم التسامح تضر بشكل عميق بجميع الذين يبحثون، انطلاقا من الدائرة الديمقراطية والشرعية، عن اجوبة عادلة في عالم مهدد بشكل خطير بقائمة طويلة من التحديات الملموسة، بدءا من الحرب من اجل النقط واحتقار القانون الدولي ومؤسساته ومرورا بالتسلح واحادية القطبية والجريمة المنظمة وليس انتهاء بالاحتياجات العالمية في مجالي التعليم والصحة علاوة على الجوع في عالم يشهد سنويا موت 40 مليون شخص جوعا كما ذكرنا الرئيس الاميركي السابق بيل كلينتون منذ مدة قصيرة. منذ ان انفجرت في الاول من شهر يناير عام 1992 حركة «زاباتيستا» في اقليم «شياباس» استدعت ونالت تعاطف اعداد كبيرة جدا من النساء والرجال، ليس فقط في المكسيك وانما في العالم بأكمله فنضال السكان الاصليين في «شياباس» ينظر اليه بانصاف كجزء من الاجندة التي انتهيت من الاشارة إليها للتو، فجميعها مشكلات محلية قبل تقديمها باعتبارها مشكلات عالمية، وهي مشكلات فقط بقدر قدرتنا السياسية على تحويلها الى فرص، وكان نضال حركة «زابايتستا» النموذج ذاته للصبر لكنه نضال راسخ من خلال امتلاك الحقوق الملازمة له لكنها انكرت بشكل منظم على مجتمعات السكان الاصليين في المكسيك. على الجانب النقيض تراجعت المنظمة الباسكية ـ اقليم الباسك في اسبانيا ـ الارهابية «ايتا» بشكل منظم عن الطرق المفتوحة من جانب القانون والديمقراطية لتطلق نفسها في درب الجريمة التي لا تميز، كما لو ان استقلال شعب الباسك يمكن تشييده على هرم من الاموات الابرياء، مع ان الوضع القانوني لاقليم الباسك يمكن مناقشته بل وتغييره فالاعلام حر والاحزاب قوية والهيئات التشريعية مستقلة والحكومات منتخبة بشكل قانوني والرأي ليس ملاحقا والسلطة القضائية تعمل وفقا للقانون، وهذا يعني ان جميع الطرق مفتوحة ماعدا طريق واحد: طريق الجريمة فاذا اختارت منظمة ما العنف، صادة جميع الاسلحة الشرعية التي في متناول يدها، فان تلك المنظمة تقع تحت المعايير العامة نفسها التي تعاقب التصرفات الاجرامية الاخرى. لهذا السبب من الملفت للانتباه ان يخرج ماركوس، زعيم حركة «زاباتيستا» الذي اظهر صبر ايوب في النضال من اجل حقوق السكان الاصليين، الآن للدفاع عن فيلق ارهابي يرفض جميع القيم ليس الديمقراطية منها وحسب، بل الانسانية ايضا، بدءا بحق الحياة، ألا يخرج ماركوس للدفاع عن عصابة مجرمين قتلت اكثر من 800 شخص بريئ وجرحت وقطعت اوصال اكثر من 4 آلاف آخرين وزرعت الحداد في مئات البيوت الاسبانية؟ لقد قال جوزيف ستالين، المعلم الكبير للوقاحة السياسية، ان ميتا واحدا يشكل مأساة لكن ألف ميت يشكلون رقما احصائيا ولن استدعي الآن سوى ميت واحد فقط هو ارتست لوتش، العالم والاستاذ والاكاديمي في جامعة سانتاندير رجل خير وصديق لي، لا اشير الا لهذا الاسم ولهذه الجريمة التي ارتكبت بحق انسان بريء انتزع من حضن عائلته ومجتمعه ومن ثقافتنا بسبب عمل غير عقلاني وغبي بشكل بهيمي قامت به منظمة «ايتا» وكي اضبط نفسي على ايقاع المنطق الستاليني الذي تعتمده «ايتا» على ما يبدو، اقول ان تلك الجريمة تكفيني لادانة هذه المنظمة. هذه هي المنظمة الاجرامية التي يخرج الآن للدفاع عنها القائد ماركوس بشكل زائد عن اللزوم وبشكل تناقضي طارحا الشكوك حول شرعية المسيرة النضالية الخاصة به وواضعا ضمن دائرة المحظور زعامته نفسها لحركة السكان الاصليين لكن أليس مفهوما ان يتضامن هندي احمر من «شياباس» مع «ايتا؟» لكن المجموعة الارهابية الباسكية لا تمثل ما يمثله الهنود الحمر في المكسيك الذين يرفضون انتهاك حرمة القانون وازدراء الديمقراطية والافلات من العقاب. وكما لو ان هذا ليس كافيا، يطلق ماركوس سهامه الشفهية ضد ابطال التحول الديمقراطي الاسباني الملك خوان كارلوس، المخلص لعملية انتقال نموذجية فيلبي جونزاليس وخوسيه ماريا ازنار، وهما وصلا الى سدة الحكم بشكل شرعي وعن طريق صناديق الاقتراع وبالتازارجارزون، الشخصية الاساسية في النضال من اجل عولمة حقوق الانسان، بما في ذلك السكان الاصليين في «شياباس» لذلك من المخجل حقا قراءة النعوت الرخيصة والنكات الباهته التي يوجهها ماركوس الى هؤلاء الرجال الذين ـ بعيدا عن التعاطف او الاختلاف السياسي ـ ساهموا جميعهم، بانشاء دولة حقيقية للقانون في اسبانيا على انقاض اربعين عاما من النظام الاستبدادي الفاشي، واذا اراد ماركوس التحدث عن «ثوريين» فليبدأ بمن ثوروا في اسبانيا البلاد والقانون في يدهم ان انشاء الديمقراطية وترسيخ بلد القانون ثوري بقدر رفع السلاح في جنوب المكسيك. بتوجيه الشتائم بهذه الطريقة الفظة لابطال السياسة الديمقراطية الاسبانية يحط كارلوس من قدر نفسه ومن قدر نضاله وهو يهين بذلك ايضا الهنود الحمر في المكسيك اكثر مما يشتم جارزون او ازنار. ان كلام ماركوس المتحول الى نوع من الكوارتز المشع في قلب الظلمات، يأتي ليضاف الى مثال كريه آخر على عدم التسامح من جانب اليسار حكومة الثورة البوليفارية في فنزويلا، المدعوة من قبل مواطنيها لاحترام الحياة والحرية قد ألقت بنفسها في احضان شمولية معلقة، والحركات الشفاهية المتصنعة لهوجو شافيز ما هي الا انعكاس لغرقه كحاكم، فمذبحة السادس من ديسمبر ما هي الا تجربة عملية، خارجية لذلك الاستفزاز السري الماكر الذي يقوم على الاشارة الى شخص كـ «عدو للشعب» هذا ما فعله فاشيو اليسار الفنزويليون في حملتهم ضد شخص آخر من اهل الخير هو المستثمر جوستافو سيسنيروس المتهم علنيا بأنه «عدو الانسانية» لقد بلغت حملة شافيز ضد سيسنيروس حدا جعل جيمي كارتر، الرئيس الاميركي الاسبق، يشعر بأنه مضطر للكتابة الى شافيز «من اجل عدم السماح بأفعال» او «كلمات نارية» تضع جوستافو سيسنيروس وعائلته واصدقاءه في دائرة الخطر. وفي السياق ذاته دافع عن سيسنيروس الامين العام للأمم المتحدة كوفي عنان وان تشير الحملة ضد سيسنيروس الى الوجهة الاستبدادية لحكومة شافيز فهو شيء يجب القلق بشأنه ليس على اصدقاء سيسنيروس وحسب، بل على المجتمع الفنزويلي بكامله. احيانا لا تكون التماثلات جميلة وانما رهيبة فذلك ما يحدث مع «التماثل المرعب» بين عدم التسامح اليساري لماركوس وشافيز وعدم التسامح اليميني للانجيليين الاميركيين بات روبرتسون وجيبري فالويل الداعين للحرب ضد الشعوب العربية والاسلامية والى ازالة هذه الشعوب علاوة عن جان ماري لوبان في فرنسا واومبرتو بوتشي في ايطاليا وجورج هسايدر في النمسا وفلامس بلوك في بلجيكا وقائمة بيم فورتين في هولندا واليمين المتطرف المتخرب في الولايات المتحدة وفي اوروبا الذين يتقاسمون بدرجات متفاوتة، العداء للاسلام ويجمعهم الحقد على المهاجر والعنصرية. وكما يشير جون لويد في صحيفة «فاينانشال تايمز» اللندنية تمتلك قوة الفاشية الجديدة في اوروبا علامة مشتركة تتمثل في انهم يمقتون المؤسسات الوسيطة ويريدون مناطحة الثيران جميعها بأحكامهم المسبقة حول العامل المهاجر والعربي واليهودي والاسود والمرأة المستقلة والفقير الذي هو كذلك بمزاجه والبائس الذي هو كذلك جراء كسله. يظهر اليسار غير المتعصب بقدر مقدرته على الرد على متطرفي اليمين واليسار نفسه، اليوم خيالا سياسيا هزيلا وميلا هزيلا للنضال مع امكانية استثناء الحزب الاشتراكي العمالي الاسباني الذي يبدو انه وجد في خوسيه لويس رودريجيس زاباتيرو زعيما شابا وقوي العزم وجديرا بخلافة فيليبي جونزاليس، اما الاحزاب اليسارية الاوروبية الاخرى فتبدو انها مهمشة او مقسمة او فاقدة لصوابها ولننظر في هذا السياق الى المشهد المبعثر الذي قدمه اليسار الفرنسي في الانتخابات السابقة والى تشظي اليسار الايطالي المتين سابقا والى الاحترام المتلاشي للحزب العمالي البريطاني والى تبعية حزب الخضر وشخصية يوشكا فيشر التي تظهرها الاشتراكية الديمقراطية الالمانية. كل ذلك يشير الى ان ثمة فراغا خطيرا في مركز السياسة الديمقراطية العالمية وذلك لاعتبارين الاول ان السياسة، كما الطبيعة، لا تحتمل الفراغ فاذا لم تملأه الديمقراطية فسيشغله متطرفو اليمين واليسار على السواء الاعتبار الثاني ان كل سياسة هي محلية حيث يقع على عاتقنا محليا نحن الذين نعتبر انفسنا من اليسار البحث عن التحالفات الاجتماعية وتثبيت البرامج الموضوعية وخصوصا الدفاع عن روح التسامح الخاصة بيسار حديث بالنسبة للمكسيك، طبعا لكن بالنسبة للعالم اجمع ايضا «ايتا» وشافيز لا يمثلان طريق اليسار وكذلك لوبان وهايدر وبوتشي بالنسبة لليمين. بقلم: كارلوس فونتيس _ ترجمة: باسل أبو حمدة _ خدمة «لوس انجلوس تايمز» خاص لـ «البيان»