الاحد 16 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 19 يناير 2003 لأيام طويلة ينتظر ياسر عرفات هاتف من زعيم عربي، ولكن الهاتف لا يرن. فأكبر مندوب عربي زاره مؤخرا كان مدير المخابرات المصري عمر سليمان، وحينها ايضا انتهى اللقاء بنبرات مريرة. فما تبقى من السلطة الفلسطينية صار ملعبا مفتوحا للجميع، بلا حارس: مصر تدعو قيادة المنظمات المتطرفة، وبريطانيا تدعو ممثلية رسمية، والى الاردن يصل بين الحين والاخر مندوب ما، ولكن باستثناء ذلك لم تنطلق اي صيحة من اتجاه مبنى «المقاطعة» في رام الله. عرفات، كما يبدو، آخذ في الاضمحلال بحيث انه حتى حماس أعلنت مؤخرا انها تعتزم طرح مرشح عنها للانتخابات التي ستجرى ذات مرة للسلطة الفلسطينية. والاحاديث عن مرشحين محتملين للحلول محل عرفات لم تعد أمرا محظورا. واسماء د. مصطفى البرغوثي، ابو العلاء، ابو مازن وغيرهم باتت تطرح من المحللين العرب في الصحافة العربية خارج السلطة. وللوهلة الاولى، هذا نجاح كبير لسياسة الغاء الصلة التي لعرفات، والتي كان اتبعها ارييل شارون. سياسة هي التي بالمناسبة حطمت كل اجهزة التحكم التي كانت للسلطة في مناطقها، وحولتها الى ما تبقى من المنظمات والمجموعات، بل وسلمت الى الجهاد الاسلامي وحماس امتياز تحديد جدول الاعمال الفلسطيني. اما الحرب المخطط لها ضد العراق فقد منحت الدول العربية دفعة جديدة للوحدة، حلت مؤقتا محل القضية، وهكذا من ناحية اسرائيل غدت هذه المشكلة أمنية ليس أكثر. ومع المشكلات الامنية فان اسرائيل تعرف كيف تتصدى. المزيد من الدبابات، المزيد من التصفيات وفقط المزيد من هدم المنازل - فاذا الهدوء يعود. وعلى افتراض انه على الرغم من أن شارون سيشكل حكومة يمينية تقود اسرائيل بعد الانتخابات، فان المشكلة الفلسطينية كمشكلة أمنية ستستمر في اشغال بال اسرائيل، وبالها فقط، لعدة سنوات. فالتوقع الموهوم للحرب في العراق كسحر يحل فورا المشكلة الفلسطينية ليس سوى ذر للرماد في العيون. فاقامة نظام جديد في العراق ليس أمرا لاسبوع ـ اسبوعين، وحتى لو لم تكن الحرب فسيستمر الانشغال في العراق في ان يكون البؤرة الوحيدة للاهتمام الدولي والعربي. اما العمليات ضد اسرائيل فلن تحظى الا بحقنة التنديد العادية، واسرائيل والفلسطينيون سيعتبرون بمثابة جبهة لنزاع محلي لا يثير التشوق، كف منذ زمن عن ان يكون تهديدا دوليا، حتى لو شكل ذريعة لهجمات القاعدة. فالانتصارات والخسائر في هذا النزاع ستقاس كما تقاس معارك عصابات الشوارع. وحسب هذا المفهوم، فان شل فعالية عرفات يمكنه ان يعتبر انتصارا شخصيا لشارون. فقد حقق لحكومته التي ترتعد فرائصها امام كل سيناريو سياسي أمنيتها: نزاع بمستوى مقبول من دون الزام بدفع ثمن سياسي. والحلو في شل الفعالية هذا، هو أنه يتيح احالة المسئولية عن كل شيء يجري في المناطق لعرفات. هناك عمليات للجهاد او للتنظيم؟ عرفات مذنب. لا يوجد حل سياسي؟ عرفات مذنب. الفلسطينيون يعانون؟ صحيح، في هذا أيضا عرفات مذنب. ولا يعتزم أحد ان يسلب من عرفات ذنبه الحقيقي، وتفويته للفرصة، ولكن لقاء ذلك سيحاسبه الفلسطينيون. بيد أنه في حين غرة تتكشف مفارقة تبعث على اليأس: انعدام الصلة، كما يتبين هو أمر ثنائي الجانب. فكلما اجتهد شارون كي يجعل من عرفات شخصا غير ذي صلة هكذا ينجح في شل فعاليته نفسه وفعالية اسرائيل من كل دور سياسي. والنتيجة هي ان الزعيمين مشغولان، ليست لهما صلة، يديران احد النزاعات العسيرة في العالم فيما يفغر الشعبان افواههما خلفهما انتظارا لقيادة ذات صلة. بقلم: تسفي بارئيل _ عن «هآرتس»