الاحد 16 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 19 يناير 2003 عائلة أبو خضير وثلاث عائلات اخرى من قرية شعفاط يملكون 400 دونم من في رأس شحادة، وهي منطقة جبلية جنوبي مخيم شعفاط للاجئين بجانب قرية عناتا. قبل عدة سنوات تبين ان أحد سكان المخيم قد وضع يده على قطعة ارض تعود لاحدى هذه العائلات وبدأ في البناء عليها. «مثل المستوطنين الذين يفرضون الحقائق على الارض» وصف ذلك أحد أبناء عائلة أبو خضير. وعندما جاء أصحاب الارض الحقيقيون نجحوا في سد فمهم «ببضعة قروش». والسر: العائلة ليست كبيرة أو قوية ولذلك ليس بامكانها ان تعترض. ولكنهم سرعان ما بدأوا في الحفر في ارض عائلة أبو خضير القوية والموحدة فيما بينها والكبيرة. عائلة أبو خضير اكتشفت ان أحدهم قام بتوزيع مناشير تقول ان «عائلة أبو خضير قد باعت اراضيها لليهود وان دينهم هو الدينار». «هؤلاء أبناء بيريز ونتانياهو» جاء في البيان. عائلة أبو خضير أدركت في واقع الامر ان بائعي الارض التي تعود لهم قد استندوا الى عملية تزييف قديمة قام بها أحد «العنزات السوداء» في العائلة حيث كان يعمل سمسارا للاراضي ويبيعها لليهود في السبعينيات. هذا الشخص قام في ذلك الحين بأخذ تواقيع بعض العجائز في العائلة على انها استمارات للحصول على مخصصات الشيخوخة من التأمين الوطني، الا ان هذه المستندات كانت في الواقع أوراق نقل ملكية الارض. والسمسار نجح في بيع ستة دونمات في رأس شحادة بهذه الطريقة. وهكذا عرضت عملية البناء في رأس شحادة عام 1998 على انها حماية لارض الوطن وامر عاجل وطنيا من اجل حماية الارض قبل ان يأتي اليهود ويبنوا عليها بسغات زئيف جديدة في الجنوب. هذه ايضا وطنية رخيصة الثمن: بدلا من مائة ألف دولار للدونم الواحد اقترح بيع الارض بأثمان سخيفة، مثل عشرة آلاف دولار. والمعنيون حصلوا على وثائق أصلية مزعومة حيث يشارك في هذه الصفقة محام ومقاول اراضي معروف. المزيفون الجدد صوروا وثيقة ملكية ارض رأس شحادة (التي يمكن الحصول عليها من مكتب تسجيل العقارات) وزيفوا التواقيع وعرضوا على المشترين الجدد أوراقا تثبت الملكية مع تواقيع من عام 1964، الا انهم لم يعرفوا ان أحد الاشخاص الموقعين كان قد توفي في عام 1960. في ظل هذا الوضع تمكنت عائلة أبو خضير من كشف الحيلة. العائلة فعلت ذلك من خلال اجتماع كبير للعائلة في شعفاط. ووجدت نفسها مضطرة لمواجهة الاشاعات حول بيع الاراضي لليهود من قبل ان تتوجه للمحامي والقضاء. وبعد عامين من الصراع تراجع المزيفون وأخذوا ينشطون في موقع آخر. وليس سرا ان مخالفات البناء في شرقي القدس قد تحولت الى روتين حياة، ففي اغلبية الأحياء الفلسطينية في المدينة توجد عمليات بناء وهي تترافق مع توتر دائم بسبب المصادمات المحتملة مع السلطات. ولكن في موازاة مخالفات البناء التي تتم في الاغلب بدون ترخيص ظهرت في السنوات الاخيرة صناعة الإثراء السريع التي تقوم بها بعض العائلات والمجموعات المتخصصة في سرقة الاراضي وتزييف الوثائق وبيع الشقق. وعلى خلاف ما حدث في رأس شحادة، تشير التجربة التي حصلت في اماكن اخرى ان تزييف أوراق الملكية أسهل بكثير: ففي بيت حنينا مثلا هاجر أصحاب الاراضي منذ زمن بعيد الى الولايات المتحدة أو أميركا الجنوبية والكثير منهم أو من أقاربهم يبدون طاعنين في السن ومعزولين ووحيدين من دون ظهر عائلي يسندهم مثل عائلة أبو خضير. وعندما يكتشف أبناء العائلة ان على اراضيهم فيلا أو عمارة يكون الوقت قد فاتهم. محامي ممثل للمتضررين من التزييف في القدس يقول إن الطريقة الشائعة هي «بيع» القطعة المجاورة لكل قطعة يملكها البائع. البعض الآخر يقومون باقناع أصحاب الاراضي بالاقدام على بيع اراضي أقاربهم الموجودين في الخارج. وهناك من يستخدمون الزعرنة للدفاع عن الاراضي التي وضعوا أيديهم عليها ودفع أصحابها الشرعيين الى الفرار. والبعض الآخر يقوم ببيع القطعة ذاتها عدة مرات. أحد المتدربين النبهاء عند ذلك المحامي اكتشف ذات مرة وفي اللحظة الاخيرة ان رقم هوية اسرائيلي قد دون على وثيقة بيع يزعم انها قد تمت قبل عام 1967 في عهد الاردن. الخبراء في تزييف الوثائق كثيرون، وهذا اختصاص بالنسبة لمن عملوا في خدمة بائعي الاراضي اليهود والسلطات الاسرائيلية حيث «باعوهم» اراض ليست لهم بعد عام 1967 فورا. والفلسطينيون يعتقدون ان سهولة التزييف للبيع التي تنفذها عصابات نهب الاراضي في منطقة نفوذ اسرائيلية تعود الى ان هذه العصابات غير نقية، فهي إما تكون اجرامية صرفة أو ذات علاقة بجهاز الشباك الاسرائيلي.من المعروف ان هناك ست الى سبع عصابات متخصصة في السيطرة على الاراضي خصوصا في بيت حنينا وشعفاط، ومن المشكوك فيه ان يكون هناك موضوع آخر يعكس الفراغ السلطوي في شرقي القدس مثل فوضى التزييف المنفلتة من عقالها. أحد النشطاء السياسيين الفلسطينيين وغيره من الاشخاص يعتقد ان ايقاف الظاهرة كان سيكون سهلا لو رغبت السلطات بذلك، الا انهم يعتقدون ان اسرائيل معنية بالفوضى في داخل المجتمع الفلسطيني، فالنزاعات والقلاقل الداخلية ستغطي على الصراع السياسي مع الحكم الاسرائيلي. في بلدية القدس يعتقدون ان بعض المزيفين يرتبطون بعلاقة مع السلطة الفلسطينية أو أطراف منها وانهم يعملون ويتحركون بايحاء منها. شالوم غولدشتاين، مستشار البلدية لشئون العرب، يعتقد ان الحواجز قد اخترقت في فترة كامب ديفيد عندما جرى الحديث عن تسليم أحياء مثل بيت حنينا وشعفاط للسلطة. والشعور العام كان ان كل شيء مسموح وان الفترة هي فترة غموض انتقالية قبل العبور للحكم الفلسطيني، ولذلك يمكن لذوي السطوة والقوة ان يستغلوها للإثراء السريع. غولدشتاين ايضا يتذمر من عجز الشرطة الاسرائيلية. والشرطة من ناحيتها قالت ان هناك تحقيقا الآن في عدة ملفات معقدة جدا من النصب والاحتيال في مجال العقارات في شرقي القدس. وفي الوقت الحالي لا يوجد شخص يستطيع أو يرغب في ذكر حجم الاراضي التي بيعت بالغش والخداع، وما هي نسبتها بالنسبة للاراضي الشاغرة وما هو عدد المتضررين. موظفو بيت الشرق سابقا يدعون ان تجار الاراضي يجدون سهولة في التحرك بعد ان أغلقت اسرائيل بيت الشرق في أغسطس 2001، فقد كان قسم محدد في بيت الشرق يطالب بتسجيل كل صفقة عنده لمنع عمليات التزييف. كما ان أفراد الامن الوقائي برئاسة جبريل الرجوب في شرقي القدس كانوا يتدخلون ويحبطون الصفقات المريبة، الا انهم هم ايضا لم يعودوا يستطيعون العمل في القدس، ولذلك يشعر بائعو الاراضي انهم في أمان. وهناك من يقول ان ظاهرة سرقة الاراضي قد ازدهرت في عام 1996 بالتحديد مع انشاء السلطة. الجناة اعتبروا ان السلطات الاسرائيلية لن تدقق في الامر وقام بعضهم بالتعاون مع جهات خاصة جبروتية في السلطة واجهزتها الامنية على أمل الإثراء السريع. احدى العائلات التي تذكر مرارا وتكرارا كعائلة متخصصة في بيع الاراضي بصورة غير شرعية هي عائلة علقم من مخيم شعفاط، واذا كانت هذه العائلة ثرية الى هذا الحد فالامر غير ملموس في منزل عبد الله علقم المشيد على الشارع الخارجي من المخيم، هذا الشارع الموحل والمحفور والقذر. وفي المنزل يحرصون على عيش حياة بسيطة لاجئة ـ فلاحية. عبد الله علقم غضب خصوصا من التهم التي تربطه بالسلطات الاسرائيلية. ودليله على ذلك ان منازله قد هدمت ثلاث مرات. عبد الله يتولى رئاسة لجنة الاصلاح في المخيم، وهو يلتقي مرارا مع محافظ القدس جميل عثمان «أبو ناصر». كما كانت له علاقات مع بيت الشرق، وكل هذا دليل على نقائه، حسب رأيه. غولدشتاين يقول ان كل هذه الامور هي دلائل كافية على علاقات علقم مع السلطة الفلسطينية. أحد نشطاء اليسار الفلسطينيين يؤكد ان عبد الله كانت له علاقات مع بيت الشرق وان فيصل الحسيني كان قد أوضح له انه لا يستطيع التنصل من الاشخاص ذوي المكانة الاجتماعية. ومن هنا جاءت العلاقة الاولى بينهما. ولكن هذا الناشط أضاف أن علقم في صراع مع باقي اعضاء لجنة الاصلاح وان أفراد الأمن الوقائي قد أحبطوا عدة صفقات قام بها. أفراد بيت الشرق يقولون ان الحسيني حظر على أبناء عائلة علقم دخول البناية المذكورة بعد ان علم ان الصفقة غير قانونية. ويضيفون ان علقم كان قد اعتقل من قبل الاسرائيليين ومن قبل الاستخبارات العسكرية الفلسطينية.علقم من جانبه يؤكد انه كان في السجن الاسرائيلي عدة مرات كناشط وقيادي في فتح. الا انه حسب رأيه لم يدخل سجون السلطة ولو لليلة واحدة ولم يتعرض لاعتداءات شخصية ولم يستدع للمحاكم أبدا. وهو يقول انه اذا كانت البلدية تعرف من الذي يزيف فلماذا تبقى صامتة ولماذا لا تتخذ اجراءاتها ضدهم «أوليست اسرائيل هي دولة قانون؟». علقم يقول ايضا ان النقص في المباني في شرقي القدس هو السبب وراء الظاهرة حيث شيدت السلطات الاسرائيلية المباني الفاخرة لليهود فقط بعد ان صادرت الاراضي من الفلسطينيين، مثلما يحدث مع بسغات زئيف المقابلة لمنازل المخيم المكتظة والبائسة. مخططون اسرائيليون من جمعية «بدلا» من اجل المساواة في التخطيط مثلا يتفقون مع ما يقوله موظفو بيت الشرق في ان الخطيئة القديمة تتمثل في مصادرة أكثر من ثلث الاراضي في شرقي القدس في عام 1967 وضمها لاسرائيل مع سكانها العرب. هذه الاراضي خصصت للبناء من اجل اليهود مهملة حاجة العرب الفلسطينيين للاسكان. وحسب معطيات جمعية «مدينة كاملة» (التي أسستها حركة «السلام الآن» لمساواة الفلسطينيين في القدس في الحقوق) فقد أضيفت بين أعوام 1967 ـ 1996 وحدة سكنية واحدة لكل 79 مواطن مقدسي فلسطيني أضيفوا للسكان في المدينة في تلك الفترة. وفي المقابل أضيفت وحدة سكنية لكل ثلاثة سكان يهود جدد في المدينة. الخطط الهيكلية المعدة للقدس في الثمانينيات وما بعدها شملت أكثر من نصف المناطق الفلسطينية المتبقية بعد المصادرات (45 ألف دونم)، 40 في المائة من هذه المساحة الفلسطينية اعتبرت مناطق مفتوحة وخضراء يحظر استخدامها للتطوير. السلطات الاسرائيلية زعمت انها تريد الحفاظ على الطابع....عند الفلسطينيين، ولذلك حظرت البناء العمودي والمتجاور، كما تدعي السلطات ان احدى مشاكل الاكتظاظ في شرقي المدينة هي رفض الفلسطينيين السكن في أبنية سكنية واصرارهم على المنازل المتجاورة أفقيا بجانب الحمولة. ولكن ما يحدث في مدن اخرى مثل رام الله وبيت لحم يدحض هذه الحجة. من هنا تأتي ظاهرة البناء غير المرخص. أما التزييف فقد ازدهر ايضا لاسباب اخرى غير الفراغ السلطوي مثل حاجة الفلسطينيين لعدم كشف غياب أصحاب العقار حتى لا تضع اسرائيل يدها عليه حسب قانون حارس أملاك الغائبين، حيث ينتقل بعدها لليهود. وهذه كانت الثغرة التي ينفد من خلالها مزيفو وثائق الاراضي والسماسرة. بقلم : عميره هاس _ عن « هآرتس »