الاحد 16 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 19 يناير 2003 لم يكن ايغور غوزنكو يبلغ من العمر سوى ست وعشرين سنة عندما وصل الى كندا عام 1943 برفقة زوجته سفيتلانا وابنهما الرضيع، لقد كان ضابطا في جهاز الاستخبارات العسكرية السوفييتية واختصاصياً في مجال فك رموز الشيفرة، لكنه كان يعمل في السفارة السوفييتية باوتاوا تحت غطاء وبلون سييء بصفة سكرتير مترجم. وكانت تمر عبره الرسائل التي تعدها المحطة الكندية للاستخبارات الروسية العسكرية وكذلك التوجيهات او المطالب من موسكو. لقد كان غوزنكو سعيدا جيدا بحياته في كندا، التي وجدها مغايرة لما كانت تبثه اجهزة الدعاية في بلاده فقد اكتشف في كندا كيف يعيش الناس سعداء بجو من الحرية، كما تشهد على ذلك الصحافة التي يلتهمها الشاب كل صباح، وكان حماسه كبيرا حتى انه تم استدعاؤه للعودة الى موسكو، لكن رؤساءه تدخلوا لابقائه لانهم لم يكونوا يريدون خسارته في الوقت الذي كان قد حقق الاتحاد السوفييتي نجاحا مهما في مجال الاستخبارات الذرية وحيث كانت السفارة السوفييتية في اوتاوا تتلقى الكثير من الرسائل والتقارير المطلوب ارسالها الى موسكو. لكن غوزنكو كان قد اتخذ قراره اذ ادرك انه قد يتلقى طلبا جديدا للعودة الى موسكو، لذلك قرر تحضير هربه الى الغرب. في عالم الاستخبارات يكتسي عمل من يقوم بفك الرموز او ارسال اخبار وتقارير مشفرة اهمية كبيرة على الرغم من الطبيعة التقنية لهذا العمل، ذلك انه يطلع على كل المراسلات، وباستثناء معرفته لهوية الجواسيس، الذين قد لا يعرفهم فانه يكون على المام بكل اسرار الجهاز وبالعمليات الجارية، وكان هذا مصدر قلق كبير بالنسبة لغوزنكو، لانه كان يعلم ان النظام الستاليني تعود ان يستدعي العاملين بفك الشيفرة في الخارج الى موسكو، حيث يقوم بإعدامهم، لانهم يعرفون الكثير من الاسرار، وبالتالي يمثلون خطرا على النظام. الهارب المحظوظ في مطلع صيف 1945 قام غوزنكو بنقل تقارير مشفرة الى موسكو اعدها جاسوس لم يكن يعرف عنه سوى ان اسمه هو «اليكس» وادرك بأن هذا الجاسوس يمتلك معلومات دقيقة جدا عن البرنامج النووي الاميركي كان ذلك الشاب يريد الهرب لكنه كان في الوقت نفسه حذرا جدا اذ ان الحرب العالمية الثانية لم تكن قد انتهت بعد، والاتحاد السوفييتي وكندا لايزالان حليفين ولذلك الم يكن تسليم اوراقه للسلطات الكندية يتضمن احتمال تسليمه للسوفييت؟ لكن بالمقابل اذا استطاع تقديم البراهين على ازدواجية موقف الروس فإنه قد يمتلك هامش حركة اكبر بالنسبة لمستقبله، ويوما بعد الآخر اصبح يقوم بنقل الرسائل التي يعتبرها الاكثر اهمية بين ما يمر تحت يده، وفي مساء 5 سبتمبر 1945 اخفى تحت سترته حوالي مئة وثيقة وغادر مكتبه بنية عدم العودة. ومن المثير في قصة هربه انه توجه الى كبرى الصحف الكندية وروى قصته لكن لم يأخذ رئيس اي صحيفة اقواله مأخذ الجد، بل ان رئيس تحرير صحيفة «اوتاوا جورنال» طرده، هكذا جرّب خطته من جديد لدى وزارتي الخارجية والعدل حيث لقي رد الفعل نفسه، اذ لم يكن هناك من يريد ان يصدق مغامرته ونصحوه بالعودة الى سفارته، كانت خيبة امله كبيرة فما كان منه سوى ان لجأ الى منزله مع ادراكه بأنه اذا كان هربه لا يهم الكنديين فلا شك ان السوفييت يهمهم استرداد الوثائق التي يمتلكها بأي وسيلة، فما كان منه سوى ان اختبأ مع زوجته وطفلهما عند احد الجيران، حيث استطاع من «موقع المراقبة» هذا ان يرى عمليات التفتيش التي قام بها رجال أمن السفارة، ان هذا العمل العنيف دفع السلطات الكندية للتحرك وحوالي منتصف تلك الليلة تولت الشرطة الكندية حماية غوزنكو. ومن حسن حظ «الهارب» ان تصادف مرور وليام ستفنسون احد مسئولي الاستخبارات البريطانية في العاصمة الكندية اوتاوا، حيث قدر القيمة الكبيرة للمعلومات التي بحوزة غوزنكو وقد ثارت مباشرة ازمة بين كندا والاتحاد السوفييتي وصرح رئيس الوزراء الكندي بقوله: في الوقت الذي املي هذا الكلمات افكر بالسفارة الروسية التي لا تبعد سوى خطوات من هنا وبما حصلت عليه من معلومات وما قامت به من اتصالات مع شخصيات اساسية في الحكومة وبميدان الصناعة، لقد كشفت انها مركز للدسائس. وبالفعل كانت المعلومات التي نقلها غوزنكو شديدة الاهمية، اذ كشفت عن شبكة كاملة للاجهزة السرية السوفييتية، وعن المناورات التي تقوم بها موسكو من اجل قرصنة برامج البحث العلمي التي تتشارك فيها بريطانيا والولايات المتحدة الاميركية وكندا بهدف تزويد الحلفاء بالسلاح الذري، كما كشف عن وجود عميلين للاجهزة السرية السوفييتية تسللا الى داخل الاجهزة البريطانية، ويعملان كلاهما تحت الاسم السري «ايللي»، واذا كان من السهولة بمكان التعرف على الاول، وهو «كاتليف ويلشر»، الموظف في المحكمة البريطانية العليا، فان البحث عن الثاني الذي وصفه غوزنكو بأنه في مركز كبير بالاجهزة السرية البريطانية احتاج لسنوات من قبل جهات مكافحة التجسس البريطاني، وقد تم توجيه الانظار نحو شخصيات عديدة، ليس أقلها السير روجيه هيلس الذي اتهمه «وليام ستيفنسون» بأنه جاسوس سوفييتي وكان لابد من انتظار عام 1981 حيث كشف المؤرخ ورجل الاستخبارات السوفييتي السباق «اوليغ غورد ييتسكي» هوية «ايللي»، الثاني الذي كان اسمه «ليو لونغ» والذي كانت تقاريره من الاهمية بمكان حتى ان سيدة كانت مكلفة بنقلها مباشرة الى ستالين عند وصولها الى مقر الاستخبارات السوفييتية بموسكو، وقد كان لونغ يشغل اثناء الحرب منصبا حساسا منحه امكانية الوصول الى اسرار «ادق الاعتدة» وحيث اصبح مديرا مساعدا في اللجنة البريطانية لمراقبة المانيا، ومديرا مساعداً لجهاز الاستخبارات فيها. لكن معلومات غوزنكو سمحت بصفة خاصة باعتقال العميل «اليكس» الذي كان في واقع الامر هو العالم البريطاني بشئون الذرة «الان فون ماي» وبعد هرب غوزنكو وافق الكونغرس الاميركي في الاول من عام 1946 على قانون «مكماهان» الذي فرض السرية المطلقة على جميع عمليات التصنيع العسكرية ذات العلاقة بالطاقة النووية، حيث اصبحت عقوبة الاعدام هي جزاء من يفشي اي سر يتعلق بهذا الميدان. وكان من آثار هذا القانون منع بريطانيا من معرفة اي معلومات جديدة لها علاقة بالمشروع النووي، وهكذا قررت الحكومة البريطانية بعد ابعادها عن الابحاث الاميركية ان تقوم بتصنيع قنبلتها النووية، وكان ذلك القرار في يناير من عام 1947، وبالاجمال سمح غوزنكو بالكشف عن حوالي عشرين عميلا كانت الاستخبارات الخارجية السوفييتية قد جندتهم منذ عام 1942. وفي اطار جهاز الاستخبارات السوفييتية كان هناك رجلان يتحملان في ظل رقابة صارمة من قبل بيريا مسئولية جمع «المعلومات الذرية»، الرجل الاول هو «بافيل فيتين» مسئول الادارة الخارجية ورئيسها للاستخبارات العلمية والتقنية «ليونير كاسينكوف» وكان «فيتين» قد جرى تجنيده على يدي بيريا عندما كان عمره 31 سنة ودرب في مدرسة المخابرات من اجل تولي رئاسة الادارة الخارجية اما «كاسينكوف» المعروف باسم «انطوان» فهو كيميائي اصلا، وكان اول من ادرك في مركز الاستخبارات القدرات العسكرية الهائلة للذرة، وكان قد تم ارساله للعمل في نيويورك من اجل تنسيق نشاطات العملاء الروس، وقد كان هناك ضباط آخرون يعملون في اطار التجسس الذري السوفييتي منذ مطلع عقد الاربعينيات الماضي لكن اكثرهم شهرة وفعالية كان فيزيائيا شاباً من اصل الماني هو «كلاوز فوتشس». عميل فوق الشبهات يرى عدد من الخبراء من بينهم خبراء روس ان «كلاوز فوتشس» قد سمح للاتحاد السوفييتي باختصار ثلاث سنوات حاسمة من الجهد في سبيل انتاج القنبلة الذرية، كان قد هرب من المانيا وعمره 22 سنة ليقيم في بريطانيا ويتابع دراساته في ميدان الفيزياء بجامعة بريستول، بالطبع، لم تكن السلطات الانجليزية تجهل ان ذلك الشاب ابن القس البروتستانتي، هو عضو الحزب الشيوعي الالماني، لكن لم تشك ابدا بأن له اي علاقة بنشاطات تخريبية مشبوهة، كان طالبا مجدا وحيدا وقليل الكلام ومنكبا فقط كما يبدو ظاهرياً، على ابحاثه ولقد ابدى ذكاء كبيراً ، اذ بعد اربع سنوات من وصوله الى بريطانيا، حيث لم يكن يعرف كلمة انجليزية واحدة، اصبح قادراً على مناقشة ادق الموضوعات العلمية بلغة شكسبير. وبعد ان انهى بنجاح باهر دراساته بدأ العمل كفيزيائي في احد مختبرات جامعة ادنبرة، وطلب بعد ثلاث سنوات من العمل الجنسية الانجليزية كان ذلك في عام 1939، ومع اندلاع الحرب اضطر الى الانتظار حتى عام 1942 للحصول عليها، كانت انجلترا بحاجة الى باحثين من امثال «فوتشس» لا سيما وانها كانت قد دخلت السباق من اجل انتاج القنبلة الذرية، ولم يكن احد يشك بولائه، كما كان احد افضل الاختصاصيين في مجال الابحاث النووية، مع ذلك ومنذ نهاية عام 1941 كان ذلك الفيزيائي الذي قدم الكثير من الخدمات للبلد الذي تبناه قد بدأ بنقل المعلومات التي يحصل عليها حول المشروعات النووية الى الروس، ويبدو ان ماضيه الشيوعي جعله يقترب من الاتحاد السوفييتي بل انه حافظ على ميوله الستالينية في وقت كان فيه العديد من مناضلي الحركة الشيوعية المعروفين قد بدأوا بالابتعاد عن الاتحاد السوفييتي. وفي عام 1943 جرى اتفاق بين الرئيس الاميركي فرانكلين روزفلت ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل من اجل تبادل المعلومات بين الحليفين حول الطاقة النووية، هكذا ذهب «فوتشس» مع عدد من العلماء البريطانيين الى الولايات المتحدة خلال شهر ديسمبر من تلك السنة للمشاركة في اعمال مشروع مانهاتن الرامي الى اختراع القنبلة النووية، والذي كان يمارس نشاطاته بمنتهى السرية في لوس الاموس وحيث كان يعمل تحت اشراف روبرت اوبنهايمر أفضل علماء الذرة آنذاك، وانطلاقا من لوس الاموس تلك المدينة التي انبثقت من رمال الصحراء قدم فوتشس اجل الخدمات لرؤسائه السوفييت حيث نقل لهم كل التفاصيل التي توصلوا لها، لكن هناك مؤشرات كثيرة الى ان فوتشس لم يكن العميل السوفييتي الوحيد في لوس الاموس. وفي كتاب يحمل عنوان «مهمات خاصة» يؤكد بافيل سودويلاتوف ان روبرت اوبنهايمر الذي يتم اعتباره عامة الاب الحقيقي للقنبلة الذرية هو نفسه الذي ساهم في اعلام موسكو بمدى تقدم الابحاث الرامية لصنع القنبلة الذرية، ومن الملفت للانتباه ان الاستخبارات الروسية «وريثة الكي. جي. بي» قد اكدت في تصريح للناطقة باسم رئيسها عام 1994 بانه لا اساس من الصحة» لمثل هذه المعلومة لكن بالمقابل هناك كتاب آخر تم نشره عام 1996 للعقيد فلاديمير تيشكوف اكد فيه وجود عملاء آخرين في لوس الاموس وان واحدا منهم كان يطلق عليه لقب «الفتى» والذي حددته صحيفة «واشنطن بوست» في عددها الصادر بتاريخ 25 فبراير 1996 بأنه الفيزيائي الاميركي تيودور الفن هال الذي كان يبلغ من العمر آنذاك 70 سنة فهو من مواليد نيويورك عام 1925، وكان بمثابة ظاهرة عبقرية اذ تم قبوله في جامعة كولومبيا عندما كان عمره 14 سنة فقط، ثم في جامعة هارفارد عندما بلغ السادسة عشرة فباحثاً في لوس الاموس بعد الثامنة عشرة بقليل. وكان هو نفسه الذي سعى للقاء أحد المسئولين في القنصلية السوفييتية بنيويورك ليبدأ نقل المعلومات الى موسكو، التي زودها بمعلومات حاسمة متعلقة بتقنيات الانفجارات النووية. وقد صرح عندما أصبح طاعناً في السن ومصاباً بمرض باركنسون وبسرطان لا شفاء منه بقوله انه عندما كان في سن التاسعة عشرة تصرف بشكل غير ناضج. وعندما سئل عمّا إذا كان يرى ان عمله قد غير مجرى التاريخ، أجاب بما يشبه نصف اعتراف قائلاً: «ربما انه لو لم يتم تغيير مجرى التاريخ فلربما انه كان قد أدى الى حرب ذرية خلال الخمسين سنة الأخيرة، فمثلاً ربما كان جرى القاء قنبلة ذرية على الصين عام 1949 أو في مطلع عام 1950، فإذا كنت قد ساعدت على منع هذا العمل، فإنني أتحمل وزر ذلك. وتؤكد زوجته وابنته بأنه لم يبد أبداً أسفه لما فعل. لقد توفي تيودر الفن هال في الأول من نوفمبر 1999 وأخذ معه الكثير من الأسرار الى القبر. وهناك رجل ثالث في لوس الاموس كان يعمل ايضاً لحساب السوفييت، وهو سافيل سافوا ساكس الذي كان هو الآخر عبقرياً ويزيد عمره سنة واحدة عن زميله تيودور الفن هال، ولهذا أطلقت عليه تسمية «العجوز» قياساً بـ «الفتى» زميله. وقد كان ساكس يعمل في فريق البحث الاميركي الذي توصل الى اختراع القنبلة النووية. ويبدو انه كان الوسيط الذي ينقل المعلومات التي يوفرها هال الى موسكو. هكذا في المحصلة يمكن القول ان السوفييت وبواسطة رجالهم الثلاثة كانوا يعرفون أدق التفاصيل التي كانت تجري في «قدس اقداس» مركز البحث النووي الأميركي في لوس الاموس. كان العشرات من الجواسيس السوفييت يعملون في البلدان الغربية الرئيسية وقد عمد بافيل فيتين رئيس الاستخبارات السوفييتية الى تشكيل مركز للتنسيق والاتصال في الأراضي الاميركية بحيث يؤمن الصلات مع العملاء ويقوم بتشفير المعلومات وارسالها لموسكو. وكان المطلوب ايجاد شخص يتولى ادارة هذا المركز، بحيث يكون الشخص المطلوب أميركياً ومخلصاً تماماً للاتحاد السوفييتي دون ان يكون مرصوداً من قبل اجهزة أمن واشنطن. وفي تلك اللحظة وصلت الى موسكو رسالة من نيويورك تطلب تجنيد شخص اسمه «التمان» وهو ابن مهاجرين روس يهود، وكان قد انتسب مبكراً الى الحزب الشيوعي، وأصبح أحد المتطوعين في الألوية الاممية، حيث اتصل به ضابط الاستخبارات الروسية السوفييتية، وكان اللقاء في اسبانيا التي كانت تعيش آنذاك حرباً أهلية. كان الاسم الحقيقي لـ «التمان» هو موريس كوهين، أما أورلوف فلم يكن سوى أحد الاسماء المستعارة الكثيرة ومنها نيكولسكي ونيكولاييف وبيرغ وبراون، أما اسمه المشفر فهو شيفيد أي «السويدي». كان هو الآخر يهودياً واسمه الحقيقي هو ليبا لازاروفتش فيلدين. وكان تجنيده لـ «التمان» هو آخر عمل قام به كضابط في الاستخبارات السوفييتية قبل هربه لاحقاً، ولم يخف عن «التمان» نواياه الحقيقية إذ قال له: «ستالين هو مأساة حقيقية بالنسبة لبلادنا، ومن المرجح جداً انني لن أعود الى روسيا، لكنني سأبقى مخلصاً لها حتى نهاية عمري، اننا سنخدمها معاً في الخارج، أنت وأنا». لقد اقترح «التمان» ان تعمل زوجته ليونتين الشيوعية ايضاً، في اطار كتائب ابراهام لنكولن والتي كانت تضم مجموع الاميركيين الذين كانوا قد شاركوا في الحرب الأهلية الاسبانية الى جانب الجمهوريين ضد فرانكو. هكذا أصبح الزوجان جاسوسين لحساب الاستخبارات السوفييتية، وكانت الزوجة التي أصبحت تدعى لسلي لدى جهاز الاستخبارات السوفييتي هي التي تتصل بالعالم الفيزيائي تيودور الفن هال ورفاقه لجلب المعلومات الذرية. وهي التي كانت تحمل الى نيويورك مئات الصفحات والمذكرات والمخططات التي ستؤدي الى صناعة القنبلة الذرية السوفييتية في أواخر عقد الاربعينيات الماضي. وبالاعتماد على المعلومات المتوفرة وبشكل فوري تقريباً من عدة مصادر عن تقدم فرق البحث الأميركية ـ الانجليزية في مجال صناعة السلاح النووي، استطاع السوفييت تحديد يوم 10 يوليو 1945 كموعد لتجريب أول سلاح نووي، تم تصنيعه في لوس الاموس، وفي الواقع ولأسباب مناخية لم تتم تلك التجربة إلا في 16 يوليو من الشهر نفسه، يومها صرخ روبرت أوبنهايمر قائلا: «لقد أصبحت موت عوالم كاملة وابادتها». وعندما تم ابلاغ ستالين رسمياً بنجاح تلك التجربة من قبل رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل والرئيس الاميركي هاري ترومان ـ كان قد خلف الرئيس روزفلت الذي توفي 12 ابريل 1945 ـ أثناء لقاء قادة الحلفاء في مدينة بوستدام كان رأي ستالين يعرف في الواقع أكثر من الرئيس الاميركي الجديد حقيقة الابحاث الجارية في لوس الاموس ان ترومان عندا كان نائباً للرئيس، لم يكن على اطلاع حول ما يجري بينما كان ستالين على علم بجميع «الاسرار». بعد أربع سنوات، وتحديداً في صيف 1949، قام الاتحاد السوفييتي بأول تجربة نووية له، ذلك ان «الجواسيس الذريين» قاموا بمهمتهم على أحسن وجه. وبعد عدة أيام فقط صرّح نيكيتا خروشوف لرئيس الاستخبارات بقوله: «انني قادر على أن أعلن رسمياً بأن رجال الاستخبارات قد ساهموا بدور لا يقاس ببناء القنبلة الذرية السوفييتية، ويمكنني ان أقدّر مساهمتهم بنسبة 60%. لكن إذا كانت نهاية الاربعينيات من القرن العشرين هي مرحلة ظافرة بالنسبة لأولئك الذين قدموا المعلومات لانتاج القنبلة الذرية في موسكو فإن الغيوم كانت تحوم فوق رؤوس عملائهم في الغرب.إن الزوجين «التمان» أوقفا نشاطهما عدة أشهر، وتم الكشف عن كلاوس فوتشس ومحاكمته في بريطانيا، ويقول عنه الضابط السوفييتي أثناء لقاء معه في شهر نوفمبر 2000، وحيث كان آخر المكلفين بالاتصال به مايلي بصدد اللقاء الاول: «كان فوتشس عبقرياً حقيقياً. ففي اليوم الأول للقائنا سلمني دفتراً كتب فيه 50 صفحة بخط يده، وكانت ذات أهمية بالغة بالنسبة لمعالجة مادة اليورانيوم. وكانت هناك لقاءات أخرى، والى جانب المعلومات التي قدمها فوتشس والتي سمحت بانتاج القنبلة الذرية، زودنا ايضاً بما سمح لنا بتطوير القنبلة الهيدروجينية. وبتاريخ 18 مارس 1948 سلّمني في لندن الوثائق الحاسمة في هذا الميدان».وكان من سخرية القدر ان ضابط الاستخبارات الانجليزي الأول الذي أخطره الاميركيون بوجود شكوك حول كلاوس فوتشس، كان هو الآخر عميلاً سوفييتياً، فهو كيم فيلبي الذي كان يعمل كضابط اتصال بين الاجهزة البريطانية والاميركية.لكن لم يكن باستطاعة فيلبي ان ينقذ فوتشس من دون ان يعرض نفسه لخطر كبير. وهكذا تم اعتقال العالم الفيزيائي خلال شهر ديسمبر من عام 1949 واعترف بأفعاله في 27 يناير 1988 من دون ان يصدر بتلك المناسبة أي تعليق رسمي أو أي خبر في الصحافة. مأساة أميركية إذا كان موريس كوهين وزوجته أو لويس ولسلي، حسب تسميتهما الاستخبارية، قد نجحا بمغادرة أميركا في صيف 1950 بجوازات سفر مزورة والوصول الي موسكو ليمضيا بقية حياتهما في روسيا، فإن ذلك لم يكن الحظ السعيد نفسه الذي عرفه يوليوس روزنبرغ وزوجته ايثيل. ففي مايو 1950 اعتقلت عناصر مكتب التحقيقات الأميركي المدعو هاري تمولد أحد مراسلي كلاوس فوتشس وتمّ الحكم عليه بـ 14 سنة سجناً. وبناء على اعترافاته تم اعتقال شخص آخر هو ديفيد فريكلاس الذي اعترف بدوره بسهولة بأنه لم يكن شيوعياً فحسب، وإنما أيضاً قام بسرقة أسرار نووية لحساب الاتحاد السوفييتي، لكنه أكد انه ما كان له ان يفعل ذلك لو لم يتلق «نصائح» صهره «يوليوس روزنبرغ». كان يوليوس روزنبرغ يعيش مع زوجته «ايثيل» وولديهما في شقتهما الصغيرة بجنوب جزيرة مانهاتن، وكانا يهوديين، مثل الزوجين كوهين. أنكر يوليوس روزنبرغ الاتهامات الموجهة له عند اعتقاله، ولكن زوجة فريكلاس أصرّت على الاتهامات التي اطلقها زوجها، وأضافت أن المتهمين تلقيا أموالاً طائلة من السوفييت. وفي تلك الاثناء هبّت الصحافة والاذاعات تطالب بتعقب الخونة، وأعلن الرئيس ترومان للأميركيين الذين كانوا يعتقدون انهم سادة العالم ان الاتحاد السوفييتي قد امتلك أيضاً القنبلة الذرية. ضمن هذا السياق وجد يوليوس روزنبرغ نفسه يواجه تهمة انه رئيس الشبكة الرئيسية للجاسوسية السوفييتية في الولايات المتحدة. وضمن هذا السياق ايضاً كانت النتيجة هي تنفيذ حكم الاعدام بتاريخ 19 يونيو 1953 بواسطة الكرسي الكهربائي واحداً بعد الآخر، وقد قالت ايثيل روزنبرغ في آخر كلماتها لمحاميها: «نحن أول ضحايا الفاشية الأميركية».