السبت 15 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 18 يناير 2003 يتأمل الروائي والشاعر والباحث والفنان وصاحب جائزة نوبل للآداب عام 2001 الالماني غونز غراس حول حدث يبدو وشيكا هو الحرب الاميركية الوشيكة على العراق. ويرى غراس في هذا التحدي بادرة لاتخرج عن دائرة مصالح عائلة اميريكية جبارة مرتبطة بتجارة النفط ـ آل بوش ـ مصلحة بسيطة لزرع موت هائل، كما يخشى من تحول هذه الحرب الى الاولى ضمن سلسلة من الحروب تقضي على السلم في الكرة الارضية قاطبة. ويتواصل الحوار معه: ـ ما هو رأيك في الرئيس جورج بوش؟ ـ يبدو لي خطراً وتهديداً للسلم العالمي، ويجعلني اتذكر احدى تلك الشخصيات من اعمال تاريخية لشكسبير، مبتغاها الوحيد كان الوقوف وجهاً لوجه امام والدها، الملك العجوز المتأهب والقول له: انظر انني اكمل المهمة التي تركتها غير مكتملة، حيث حسم بوش الابن امره لوضع حد لحرب الخليج الاولى مطلقاً حرباً جديدة، وهو يستوحي ذلك من دوافع خاصة وعائلية، معللاً باكراهات وراثية ذلك ان المصالح الاقتصادية لعائلة بوش تسقط ايضا، والعائلة وثيقة الارتباط بتجارة النفط وبالتالي فإن المصالح السياسية والتطلعات الاقتصادية متأصلة بشكل عميق في صرختها الداعية لحرب ضد العراق.السبب أو الدافع الثالث يتمثل طبعاً في واقع ان الولايات المتحدة هي القوة العظمى الوحيدة المقتدرة في العالم حيث تريد واشنطن السيطرة وقيادة باقي الكرة الارضية، لكن معرفتها ببقية العالم ضئيلة جدا، فعملياً هي لا تعرف شيئاً. هذا التداخل الخطير للمصالح العائلية والاقتصادية والسياسية في قائد واحد حوله الى خطر حقيقي. ـ هل بوسعنا القول ان هذا التحالف المرئي لمصالح اقتصادية وسياسية يصوب الى صلة وثيقة بين نيوليبرالية السوق الحرة وما يسمى بالنضال ضد الارهاب؟ ـ الامر بالضبط هكذا، فلقد شددت بعد مجزرة 11 سبتمبر الرهيبة مباشرة على ان اصل هذا الهجوم يكمن في سخط وحقد ما يسمى «العالم الثالث» ضد «العالم الاول» الثري، وما لم نستأصل اسباب هذا الغضب المبرر والمنتشر بشكل عميق، فإن الارهاب سيتواصل واذا عدنا الى سنوات السبعينات نجد ان ويلي برانت الاحصائي الالماني قد نبهنا مراراً وتكراراً الى ظاهرة عدم المساواة الرهيبة التي تؤثر بالارض الى هذا التقسيم العميق بين من يملكون ومن لا يملكون اذ تنبأ بأنه اذا لم تتمكن من تثبيت نظام اقتصادي عادل وجديد، فإن العنف سينفجر.. وذلك العنف المجسد بالارهاب هو ما يؤثر علينا الآن، طبعاً ثمة دوافع اخرى عديدة ثقافية واقليمية وتاريخية.. الخ، لكن علينا ألا ننتقص من السبب الرئيسي المتمثل في التفاوت المرعب الموجود. انني احلم بنظام عالمي تتقاسم فيه البلدان النامية والمتطورة الطاولة نفسها والموارد والتكنولوجيا ورأس المال العالمي ايضا بطريقة اكثر تساوياً، وطالما ظل ذلك حلماً سيكون مستحيلا بلوغ السلام العالمي. ـ أو تكون الطبيعة الراهنة للرأسمالية هي المذنب الرئيسي؟ ـ هذا من نافل القول، فبعد سقوط الاشتراكية بقيت الرأسمالية بدون مزاحم، وظهر في هذا الوضع غير العادي قوة بخيلة وانتحارية في المقام الاول ميالة الى التدمير الذاتي، وتعتقد انها قادرة على فعل اي شيء على هواها دون رادع. وما يجري الآن في سوق البورصة ليس اكثر ولا اقل من تدمير لرأس المال ومعه تدمير فرص العمل ومكان العمل والموارد الانسانية، عندما تعلن احدى الشركات انها ستقتطع 200 وظيفة، فإن قيمة اسهمها تنهار، انه الجنون حيث ولدت الرأسمالية الحالية اقتصادها الخاص وفرانكشتاين خاص بها ايضا. يمكن لهذا النظام ان ينهار في يوم ما لكننا اليوم لا نملك خياراً ولا ندري اذا كنا سنملكه في المستقبل القريب ففي وضع مثل هذا يسود فيه فراغ كبير مثبط للعزيمة، ربما يتوجب علينا تجريب شكلاً فاشياً جديداً لا نستطيع ان نتخيل وجهه اليوم، لكن بوسعنا ان نشاهد في المقابل بعض العناصر. اني لا اعتقد بالافكار الطوباية اللامتناهية والبراقة بالنسبة للطموحات ولهذا السبب لن اقترح اي فكرة وهمية نقيضة وما استطيع قوله هو انه علينا المحاولة لتغيير النظام الحالي للاشياء. فصخرة سيسيفو يجب ان تكون مدفوعة حتى قمة الجبل مرة تلو الاخرى. ـ يروق للكثيرين في اوروبا ان يعتبروك الكاتب الذي يمثل وعي المانيا ما بعد الحرب لاسيما بعد موت هنريش بول. ـ سيكون خطأ جسيماً ان ينظروا اليّ بتلك الطريقة، وبالتساوي مع بول، رفضت دائما الصورة الواعية لشعبي، اي وعي ذلك القادر على تشجيعي على التوضيح او تسكين الألم؟ كمواطن واع من المانيا وككاتب، انا اساهم في جهود ومعاناة مجتمعي، في حالات تقدمه وتراجعه، وعلى قاعدة تجربتي ومبادئي السياسية اما ادعم احداث وعمليات معينة وإما اعرب عن معارضتي لها. وعندما يكون هناك نقاش سياسي مهم، آخذ موقفا، وانا مارست هذا الالتزام، او النشاط ان شئت، دائما. وسأمارسه في المستقبل، وبهذا المعنى انا لا افضل ولا اتحمس لموقف اولئك الكتاب الخلاقين الذين يبتعدون عمداً عن ظروفهم الاجتماعية، لكن ذلك لا يعني ان تجسد وعي الآخر، فأنا ارفض اي دور تمثيلي بتلك الطبيعة. ترجمة : باسل أبو حمدة _ عن «كلارين» ـ الارجنتين