السبت 15 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 18 يناير 2003 لو كان القياصرة قد استمعوا في لحظة محددة الى نصائح بعض قادة شرطتهم السرية، فلربما ان روسيا ما كانت قد عرفت ثورة اكتوبر 1917، اي الثورة البلشفية التي ولدت نظاما شيوعيا استمر عدة عقود من الزمن، لكنهم لم يستمعوا لتلك النصائح، وكان القيصران الاخيران اي الاسكندر الثالث ونيقولا الثاني قد رفضا القيام بأي اصلاحات، وكان الفشل الذريع الذي عرفه الجيش الروسي خلال الحرب العالمية الاولى قد ترك ضباطه وجنوده في حالة معنوية منهارة وفي هذا السياق قامت ثورة اكتوبر 1917. حاولت الاستخبارات الغربية خاصة الانجليزية القيام بعدة عمليات ضد النظام الشيوعي في السنوات الاولى من حياته لكنها منيت كلها بالفشل. وبالمقابل قامت الاجهزة السرية السوفييتية بنشاطات واسعة في البلدان العربية، وفي الواقع كانت اجهزة الاستخبارات الفرنسية والالمانية قد اهتمت، قبل نهاية الحرب العالمية الاولى، بالوضع الداخلي في روسيا . وفهم الجميع في باريس كما في برلين ان امبراطورية القياصرة تشكل الحلقة الضعيفة في التحالف الذي يحارب «القوى المركزية» وبأن مصير الجيوش قد يتم حسمه في السهوب الروسية، لقد كانت تكفي ضربة صغيرة في اللحظة المناسبة من اجل نسف تلك الحلقة الضعيفة وكسر الطوق الذي كان يحاصر المانيا والنمسا، هذه الضربة الصغيرة قام بها لينين فهل كان ينبغي مساعدته؟ لينين وبرلين اذا لم يكن لينين في اي يوم من الايام عميلا المانيا بالمعنى المباشر لهذه الكلمة، فإن برلين كانت مهتمة بمصيره، ذلك لانها كانت تعتقد بامكانية استخدام مواهب هذا الثوري المحترف ورئيس البلاشفة من اجل اخضاع روسيا وبالتالي سحب قواتها من الجبهة الشرقية وزجها ضد فرنسا وانجلترا، لقد كان حسابا ذكيا، اثبت التاريخ صحته، حتى لو كانت قد انتهت الى خسارة الحرب، وكان المؤرخ والجنرال الروسي ديمتري فولكوغونوف قد كتب في عمل له عن مسيرة حياة لينين نشره عام 1991 يقول: «من الصعب ان نجد في التاريخ حزبا سياسيا عمل على هزيمة بلاده بالحماسة والتصميم اللذين ابداهما البلاشفة. لكن كان ذلك بمثابة حلقة اساسية في السلسلة، اذ ان انهيار الدولة بعد الهزيمة العسكرية سيتبعه الاستيلاء على السلطة». لكن تمكن لينين من لعب الدور الذي كان الالمان ينتظرونه منه كان يتطلب عودته الى روسيا وتزويده بامكانية تحقيق طموحاته، وضمن هذا الاطار ينبغي الاهتمام بشخصيتين اساسيتين، هما الكسندرهالفاند المعروف باسم «بارفوس» وايكاكوف فورستنبرغ الملقب، بين عشرة القاب اخرى ، بـ «غانتسكي» لقد كانت مهمة هذين الرجلين تقديم المال الذي يحتاجه لينين ورفاقه. «بارفوس» هو من اسرة يهودية ثوري وكاتب ومدير ادبي لمسكيم غوركي .. لكنه كان ايضا رجل اعمال ناجحاً جمع ثروة طائلة، وقد قام بمساعدات كبيرة للبلاشفة، يكتب الجنرال «ديمتري فولكوغونوف» ايضا: «ان العدد الكبير للمطبوعات البلشفية بعد ثورة فبراير 1917 لم يكن ثمرة للصدفة، وفي شهر يوليو 1917 كان الحزب يصدر 41 صحيفة تصدر 320 الف عدد يوميا منها 27 مطبوعة باللغة الروسية والباقي باللغات الجيورجية والارمنية واللتوانية والتتارية والبولندية واللغات الاخرى وكانت صحيفة «البرافدا» وحدها تطبع يوميا 90 الف نسخة. وما كانت للاشتراكات وحدها ان تسمح بنشر مثل هذه الكميات، وبعد شهر فبراير اشترى الحزب صحفا قيمتها 260 الف روبل، وكان قادته يتقاضون مرتبا، وبين فترة واخرى على الاقل، ان خزائن البلاشفة لم تكن فارغة». اما «غانتسكي» فقد كان هو الآخر ثوريا ورجل اعمال ويبدو انه كان صلة الوصل الرئيسية بين «بارفوس» و «لينين» كما كان يقدم مساعدات مالية كبيرة للينين ورفاقه. وكان لينين قد عاد الى «بتروغراد» بقطار مدرع وضعه الالمان تحت تصرفه، ولا تزال الظروف الدقيقة للوصول الى مثل هذا الاتفاق الذي سمح للينين بلعب دور رئيسي غير واضحة تماما، لكن تقارير مصدرها الارشيفات المركزية الخاصة لدولة روسيا تشير في احدها الى لقاء تم بين لينين وممثل عن السفارة الالمانية في مطعم «سيوبا» بمدينة برن بهدف تحديد صيغ سفر لينين الى روسيا، وهذا يعني ان ابا البلشفية قد تفاوض، اثناء الحرب، مع ممثلين للعدو، فماذا كانت حقيقة علاقة لينين بالالمان؟ سيبقى هذا السؤال مطروحا لفترة طويلة، لا سيما وان الشهود قد «صمتوا» بسرعة، فـ «بارفوس» مات قبل ان ينهى كتابة مذكراته و «وغانتسكي» اي «الرجل الذي كان يعرف اكثر مما ينبغي» قد اعدمه ستالين مع زوجته عام 1937 بعد محاكمة استمرت قرابة الربع ساعة. بدايات المخابرات السوفييتية في مطلع ديسمبر 1917، بعد اسابيع قليلة من الاستيلاء على السلطة كانت القيادة السوفييتية الممثلة في «مجلس مفوضي الشعب» قلقة جدا، كان انقلاب البلاشفة قد انهى الحكومة المؤقتة «الديمقراطية البرجوازية» التي كانت قد انهت الحكم القيصري.وتحت شعار «كل السلطة للسوفييت» ومن اجل حماية مكتسبات «الثورة البروليتارية الكبرى» تم تأسيس «لجنة مكافحة الثورة المضادة» التي تحولت سريعا الى «لجنة عموم روسيا الاستثنائية لمكافحة الثورة المضادة والتخريب» والتي تمت الدلالة عليها بالاحرف الاولى اي ما اعطى تسمية «تشيكا» برئاسة «فيلكس جيرجنسكي» وقد كانت اول جهاز استخبارات سوفييتي رفع رئيسه شعار «القمع الثوري لعملاء الثورة المضادة». وكان هذا الجهاز قد اصبح دولة داخل الدول، وقد اصبح اسمه اعتبارا من عام 1922 هو «غيبيو» اي ما يعني «القيادة السياسية للدولة الموحدة» وقد استخدم لينين هذا الجهاز لقمع المعارضة وجميع اشكال التمردات مثل ذلك الذي قاده «الكسندر انطونوف» في تامبوف. وفي ديسمبر 1920 كان فيلكس جيرجنسكي او «فيلكس الحديدي» قد اسس «الدائرة الخارجية» ضمن اطار جهاز الـ «تشيكا» وكانت مهمة تلك الدائرة هي جمع المعلومات في الخارج ومتابعة نشاط الاوساط الروسية المهاجرة خاصة في فرنسا وبريطانيا، لكن جهاز الاستخبارات السوفييتي كان اكثر تعقيدا اذ بالتوازي مع اجهزة الدولة السرية اقامت الامانة التنفيذية للاممية الشيوعية ادارة باسم «مصلحة العلاقات الدولية» تقوم بمهمة تنظيم وتسهيل عمل المبعوثين الشيوعيين في العالم. وكان التعاون وثيقا بين «الدائرة الخارجية» التابعة لجهاز «تشيكا» وبين «مصلحة العلاقات الدولية»، في ميادين التجسس وتنسيق النشاطات. على الصعيد العسكري حصل ليون تروتسكي، من لينين بعد معركة سياسية حامية، على قرار انشاء مصلحة للاستخبارات العسكرية، وانشئت في 21 اكتوبر 1918 واتخذت تسمية «الادارة الرئيسية لاستخبارات القيادة العامة للجيوش» وهذه الادارة مستقلة نظريا عن الـ «تشيكا»، ولكن نظريا فقط، ذلك لان الشيوعيين يحذرون جدا من الجيش، ولذلك كانت المصالح السرية «المدنية» تقوم بكل شيء من اجل تجنيد عملاء لها داخل آلة الاستخبارات العسكرية. زمن التآمر كان روبرت بروس لوكارت قنصلا عاما لبريطانيا في موسكو قبل الثورة، وفي عام 1918 وبعد استدعاء السفير البريطاني الى لندن، تم ارسال لوكارت الى روسيا وهو يحمل رسالة من السفير شبه الرسمي للسوفييت في لندن يقدم فيها الدبلوماسي البريطاني لليون تروتسكي على انه «رجل شريف تماما يفهم وضعنا ويتعاطف معنا».كانت مهمة المبعوث البريطاني هي اقناع موسكو بأن لندن تريد المحافظة على علاقات شبه رسمية مع النظام الجديد ومحاولة حثها كي تتابع الحرب ضد المانيا، لكن الحكومة السوفييتية المهتمة بالشئون الداخلية، وربما بدافع عدم اغضاب برلين التي قد تكشف عن الدعم الذي قدمته للثورة قررت عدم متابعة الحرب ضد المانيا، امام مثل هذا الوضع بدأ لوكارت على الرغم من انه لم يكن مكلفاً رسميا من قبل الاجهزة السرية، بتنظيم نشاط تآمري كبير وكان اتصاله الاول مع الارهابي الاشتراكي ـ الثوري السابق بوريس سافينكوف المعارض الشرس للنظام السوفييتي والذي دفعه لوكارت للانتقال الى العمل.الشخصية الثانية في الملهاة المأساوية التي كانت تحاك خيوطها هو سيدني رايلي اليهودي البولندي الذي كان منفيا في لندن، حيث جذب اليه انتباه السير مانسفيلد كومينغ رئيس الاجهزة السرية البريطانية وونستون تشرشل وزير الحربية آنذاك في حكومة لويد جورج، وفي 7 مايو 1918 تلقى لوكارت مخابرة من صديق له في الكرملين أبلغه فيها بأن شخصاً بريطانيا قد حضر الى الكرملين، وزعم انه ضابط مبعوث بمهمة سرية من قبل لويد جورج، وانه قد طلب مقابلة لينين، وعندما فشل في ذلك، قرر ان «يذوب» في المشهد الثوري الروسي وان يقدم نفسه على انه يوناني كان طموحه بسيطا وهو «قلب نظام لينين».في مثل هذه ا لاجواء تم نسج عدة مؤامرات اذ قام «بروس لوكارت» بمساعدة القنصل العام الفرنسي ورئيس مكتب الاستخبارات الفرنسية في موسكو بتمويل مجموعة ثورية مضادة ذات علاقة مع «سافينكوف» وفي الوقت نفسه اصبح ضابط الماني هو «جورج هيل» مستشاراً تقنيا لدى ليون تروتسكي كما كان اميركي من اصل روسي ـ يوناني بتقديم المعلومات لحكومته تحت غطاء القيام بعمليات تجارية مع «الحمر» اي الشيوعيين، هؤلاء العملاء جميعا كانوا على علاقات فيما بينهم لكنهم كانوا يجهلون ان «فيلكس الحديدي» يراقبهم من دون انقطاع منذ اسابيع عديدة، بل وكان بعض الذين يعملون معهم هم من عملاء جهاز «التشيكا» اي جهاز الاستخبارات السوفييتي الذي يترأسه «فيلكس». لكن في 30 اغسطس 1918 تم اغتيال رئيس جهاز الـ «تشكيا» في «بتروثمراو» واطلقت الاشتراكية الثورية «فاني كابلان» النار على لينين واصابته بجرح بليغ، بالمقابل قامت اجهزة الشرطة باعتقال عدد من المتآمرين من بينهم بروس لوكارت، وهرب رايلي وعدد غيره، واعلن جهاز «التشيكا» عن احباطه مؤامرة نسجتها القوى الرأسمالية. عملية « سندكات» كان الثلج يتساقط في موسكو يوم الاول من شهر ديسمبر 1920، عندما خرج «فيلكس جيرجنسكي» رئيس الاجهزة الامنية السوفييتية من الكرملين، وتوجه الى مكتبه لينفذ امرا كان قد اصدره له لينين وينص على وضع حد نهائي «لنشاطات المعارضين الروس»، وقد تم لهذا الغرض تشكيل مجموعات تعمل في الخارج، وضمن هذا الاطار تم التخطيط لعملية «سندكات» التي استهدفت «بوريس سافينكوف» الذي كان يقوم بنشاطاته في بولندا في اوساط المهاجرين الروس، وهكذا تم ارسال احد عملاء الاستخبارات لاستقدام المعارض الشهير الى روسيا، وكان ذلك العميل «بافيل سيليا نينوف» قد قدم نفسه على أنه مسئول كبير في قيادة اركان القوات الداخلية، واستطاع بعد ان نال ثقة «سافينكوف» التعرف على جميع انصاره الذين تسللوا الى روسيا ليتم اعتقال العشرات منهم في صيف عام 1921 ثم جرى في العام التالي اعتقال مبعوثيه الى روسيا، وكان ذلك مصيره هو نفسه عندما اقنعوه بضرورة العودة كي يكون الى جانب المعارضة.امام المحكمة قال سافينكوف: «انني اعرف الحكم الذي ستصدره محكمتكم، وانا محاط بجنودكم الذين لا اخشاهم .. لكنني اعترف بحقكم في حكم روسيا، إنني لا اطلب عفوكم بل انني ببساطة اطلب منكم ان تتركوا ضميركم الثوري وحده يحاكم رجلا لم يكن له ابدا أية مطامع شخصية، وانما كان مخلصا دائما لقضية الشعب الروسي، واضيف بأنني قبل ان اقول هنا بأنني اعترف لكم اعلن بأنني عرفت من الآلام اقسى مما يمكنكم ان تسببوه لي». هل كان سافينكوف صادقاً؟ وهل كان يريد فقط انقاذ حياته؟ لا احد يعرف، ولكن تم تخفيف حكم الموت الصادر بحقه الى السجن لمدة عشر سنوات ليموت في السجن، في 7 مايو 1925 وقد قالت الرواية الرسمية انه القى بنفسه من نافذة السجن، اما المؤرخ «غورديفسكي» فيؤكد اعتمادا على اقوال اعضاء سابقين في الاستخبارات الروسية انه قد مات مقتولا. أدوات الرعب الستاليني توفي فيلكس جيرجنسكي، في 20 يوليو 1926 وكان ستالين عندها على رأس الاتحاد السوفييتي، كان الرجلان يكنان الكره حيال ليون تروتسكي، وهذا ما كان يقربهما .. لكن يبدو ان الكثير كان يفصل بينهما. ومن المحتمل بأنه ما كان لـ «فيلكس» ان يقبل وضع جهاز الاستخبارات «التشيكا» الذي اصبح اسمه اعتبارا من شهر يوليو 1923 هو «الادارة السياسية الموحدة لأمن الدولة» في خدمة المرامي الشخصية لسيد الكرملين الجديد. بعد وفاة «فيلكس الحديدي» تم تعيين فياتشسليف مينجينسكي خلفا له وهو الرجل والشخصية الضعيفة الذي وصفه تروتسكي بأنه «خيال رجل» واضاف: «ان الانطباع الذي تركه لدي يمكن ترجمته بالقول بأنه لم يترك لدي اي انطباع، انه يبدو بالاحرى بمثابة هيكل غير ناجح لصورة لم تكتمل» وبشكل عام لم تسمح له صحته العليلة بأن يمارس فعلا مهام وظيفته التي قام بها في واقع الامر معاونه «هنريك اياغودا» الفظ القاسي. كان خصوم ستالين الاشداء يتمثلون في المعارضة اليسارية، مثل ليون تروتسكي وغريغوري زينوفييف وقد تحدث جهاز الاستخبارات في شهر سبتمبر من عام 1927 عن اكتشاف «مطبعة سرية» لنشر افكار تلك المعارضة اليسارية ووثائق هدامة اخرى الامر الذي ترتب عليه اقصاء المئات من التروتسكيين الذين كانوا يشغلون مناصب مهمة، وبعد ستة اشهر فقط تم اكتشاف «مؤامرة المهندسين» الذين كانوا يريدون تخريب المناجم التي يعملون بها مما سمح باقامة محاكمة «استعراضية» كبيرة وعزل قيادات اخرى على اثرها.بعد ان انهى ستالين المعارضة اليسارية، اهتم بالمعارضة اليمينية التي كان من ابرز رموزها نيقولا بوخارين، اي القيام بتصفيات جديدة. ومنذ مطلع عقد الثلاثينيات تم العمل بنظام معسكرات الاعتقال حيث كانت تمارس الاشغال القسرية، وجرى في هذا الاطار انهاء الكولاك كطبقة، و «الكولاك» تعني «الفلاحين الاغنياء» الذين كان يرى بهم ستالين وبطانته عائقا كبيرا امام النظام التعاوني الزراعي. لقد هاجمت اجهزة الاستخبارات بالاعتماد على عشرات الالوف من الشبيبة الشيوعية الفلاحين مما دفعهم للهرب نحو سيبيريا، هكذا شهد عام 1932 احدى اكثر المجاعات خطورة في القرن العشرين بأوروبا كلها، ودفع حوالي سبعة ملايين روسي حياتهم ثمنا لجنون ستالين. «لكن الحزب لا يمكن ان يخطيء»، لذلك كانت هناك اعتقالات جديدة ومحاكمات جديدة واعدامات جديدة، امام مثل هذا الوضع ارتفعت عدة اصوات، وعلى رأسها صوت سيرغوي كيروف مسئول المنظمة الحزبية في لينينغراد، هكذا وفي عام 1934 وجد الاتحاد السوفييتي نفسه في مواجهة ازمة اقتصادية حادة الى جانب توترات عنيفة داخل قيادة الحزب الواحد، امام مثل هذا الوضع كان على ستالين ان يتحرك من اجل انقاذ سلطته، اي كان عليه ان يضرب. نحو التصفيات الكبرى في عام 1934 حل اياغودا رسميا بدلا من مينجينسكي على رأس جهاز الاستخبارات السوفييتي، الذي اصبح يعرف بـ «مفوضية الشعب في الداخل» وفي الاول من شهر سبتمبر من السنة نفسها تم اغتيال «كيروف» في لينينغراد، عند خروجه من مكتبه من قبل رجل «مختل عقليا» وبدا انه ليس لـ «اياغودا» أية علاقة بذلك، وانما ربما ان ستالين هو الذي نسق العملية حيث كان يتعامل مباشرة مع رئيس فرع الاستخبارات في لينينغراد المدعو «فيليب ميديفيديف»، الذي كان قد عزل «رسمياً» من منصبه مع معاونه بسبب «اهمالهما». لكن الرجلين تابعا عملهما في منصب آخر في منطقة الشرق الاقصى السوفييتية قبل ان يتم اعدامهما عام 1937 وكذلك قتل الحارس الشخصي لكيروف «بحادث سير» وكان ستالين قد اصدر في مطلع شهر سبتمبر 1934 مرسوما استثنائيا سمح فيه لاجهزة الامن بجميع الممارسات هكذا بدأت اكثر السنوات قتامة في حياة الاتحاد السوفييتي. ان حصيلة الرعب والتصفيات الستالينية تختلف حسب المصادر التي يتحدث بعضها عن خمسة الى سبعة ملايين قتيل وما بين 12 و 14 مليون مهجر، لكن فتح الارشيف السوفييتي بعد عام 1991 سمح بتصحيح هذه الارقام الى ما بين مليون ومليوني قتيل جرى اعدامهم وما لا يزيد على ثلاثة ملايين من «الكولاك» من الثابت ايضا بأن اجهزة الاستخبارات الستالينية قد مارست مختلف اشكال التعذيب من اجل «انتزاع» الاعترافات التي تبحث عنها وقد وصف هذا خروشوف نفسه في تقريره الشهير امام المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي، حيث قال: «ما هي البراهين التي يتم تقديمها؟ انها اعترافات الموقوفين .. والقضاة المحققون كانوا يأخذون بهذه الاعترافات لكن كيف يمكن لإنسان ان يعترف بجرائم لم يقترفها؟ بطريقة واحدة بعد تعريضه لطرق من التعذيب الجسدي مما يؤدي به الى حالة من عدم الوعي والقدرة على الحكم والتخلي عن كرامته الانسانية هكذا كان يتم الحصول على الاعترافات». وفي 25 سبتمبر 1936 عزل ستالين «اياغودا» من منصبه، لانه لم يكن يثق به تماما، وعين بدلا عنه «نيكولاي ابيجوف» ليعرف العامان التاليان الرعب الاكبر في التاريخ حيث «اختفى» كتاب ومثقفون وكوادر حزبية من دون محاكمات. كما تم توجيه ضربات قاسية للتروتسكيين اي الخصوم التاريخيين لستالين، وفي عام 1939 تلفظ ستالين بضع كلمات امام «لافرينتي بيريا» الذي كان آنذاك معاونا لرئيس جهاز الاستخبارات وقال فيها: «باستثناء تروتسكي شخصيا ليس هناك اي شخصية مهمة في الحركة التروتسكية، فاذا انهينا تروتسكي فان الخطر كله ينتهي، لذلك ينبغي الخلاص منه خلال السنة الجارية، وهذا ما حصل بالفعل يوم العشرين من شهر اغسطس من السنة نفسها في المكسيك حيث كان تروتسكي قد لجأ. وبعد سنوات الحرب العالمية الثانية وعودة «السلام» استأنفت اجهزة الاستخبارات السوفييتية عملياتها وبدأت حملة تصفيات جديدة، وعلى مختلف المستويات، وذلك حتى موت ستالين الذي اعقبه «مئة يوم» كان فيها «بيريا» هو السيد الاول والذي تتضارب حول نواياه الاشاعات حيث يقول بعضها بأنه كان يريد الاستئثار بالسلطة كي ينقذ حياته ويحافظ على الدكتاتورية، وتقول اخرى بأنه حاول منذ الايام الاولى التالية لموت ستالين في 4 مارس 1953 الابتعاد عن القمع ووضع حد للتعذيب، بل انه كان وراء قرار بعفو عام شمل 11784222 سجيناً. هذه الحجج هي التي اكد عليها «سيرغو بيريا» ابن الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات السوفييتية في كتاب اصدره عن ابيه في عام 2000 وطالب فيه باعادة الاعتبار له. بكل الاحوال يبقى «بيريا» بمثابة احد «ألغاز» المرحلة السوفييتية وربما يظل كذلك للأبد. تأليف: جينوفيفا أتيين وكلود مونيكيه _ عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف