الجمعة 14 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 17 يناير 2003 التحليل الجديد للتاريخ الوراثي البشري يسدد ضربة قاسية للنظرية القائلة بأن البشر انتقلوا في الاصل من داخل افريقيا وحلوا محل السكان المحليين في اماكن اخرى في العالم. وتفيد نتائج التحليل الجديد انه كان هناك على الاقل تزاوج محدود بين الاسلاف الافارقة «القادمين من افريقيا» وسكان المناطق التي استقروا فيها فيما بعد. يقول هنري هاربندنج استاذ علم الاجناس والاصول البشرية بجامعة يوتاه المشارك في التحليل الجديد ان المعلومات الجديدة تفيد بأن اوائل البشر الذين خرجوا من افريقيا من نحو 80 الف عام لم يحلوا محل السكان الاخرين في انحاء العالم بالكامل، ويقول انه اذا تأكدت صحة هذه النتائج فإن نظرية «الاحلال» في التطور البشري لا تكون صحيحة، برغم ان هاربندنج قد ايد هذه النظرية لاكثر من عقد من الزمان. ويضيف ان فرضيات نظرية الاحلال تتعرض للخطر يوما بعد يوم بسبب الاكتشافات والمعلومات الجديدة، شارك في البحث الجديد 20 باحثا من جامعة يوتاه، على رأسهم هاربندنج والآن روجرز استاذ علم الاجناس وستيفن وودنج الباحث في الموروثات البشرية وتحت اشراف ستيفن شيري استاذ علم الاجناس وجبور مارث خبير الرياضيات بالمركز الوطني للمعلومات للتكنولوجيا الحيوية. ويتفق غالبية علماء الاجناس على ان اسلاف البشر الاوائل انتشروا في افريقيا اولا منذ نحو 18 مليون سنة وهم مصدر سكان اوروبا وآسيا وبقية العالم. وتقول نظرية تعدد المناطق ان الانسان الحديث تطور من عدة جماعات سكانية غير ان نظرية الاحلال المنافسة او المقابلة لها تقول ان السكان المحليين بما فيهم انسان نياندرتال في اوروبا اندثر عندما حل محله موجات هجرة من افريقيا بين 80 و 30 الف عام مضت. ويستطيع العلماء تحليل التغيرات الوراثية في الانسان الحديث لمعرفة كيفية تطوره وحجم البشر على مدى الزمن فإذا كان حجم البشر كبيرا في فترة معينة، سوف تحدث مزيد من التحولات الوراثية، مما ينتج عنه قدر اكبر من التنوع خلال العصور قبل التاريخية تتمثل الان في الانسان الحديث، واذا كان حجم البشر صغيرا، فسوف تكون التحولات الوراثية اقل، وبالتالي قليل من التنوع الوراثي في الانسان الحديث. وهكذا فإن المادة الوراثية للشخص تحتوي على تاريخ الجماعة الاسكانية التي انحدر منها. وايدت دراسات سابقة عن الحامض النووي والتوابع الدقيقة له فكرة ان مجموعة صغيرة تتراوح بين 5 و 20 الف شخص هاجروا من شرق افريقيا وانتشروا في انحاء العالم وكونوا جماعات بشرية سريعة الانتشار حلت محل الجماعات السكانية الاخرى في اماكن افريقية من 80 الف عام وفي آسيا من 50 الف عام وفي اوروبا من 35 الف عام. غير ان الدراسة الجديدة قامت على تحليل مادة وراثية تسمى SNP «النواة الوحيدة» داخل الحامض النووي المأخوذ من خلايا بشرية من اجل مشروع الخريطة الوراثية البشرية بالكامل، وتشير التحليلات الى وجود عنق زجاجة في حجم البشر، اي ما يشبه الانخفاض الشديد في عدد الناس عندما استوطن اسلاف الانسان الحديث اوروبا من نحو 40 الف عام تقريبا. والباحثون غير متأكدين من معنى ذلك لانه يتناقض مع دراسات لانواع اخرى من المواد الوراثية البشرية تؤيد فكرة الانتشار السريع لسكان افريقيا في انحاء العالم واحلالها محل السكان الاصليين في تلك المناطق. ويقول روجرز اذا كان الافارقة هاجروا خارج افريقيا وكونوا سكان العالم اجمع، كان لابد ان نلاحظ توسعا في الادلة الوراثية للسكان، لكن الدراسة تفيد بانكماش في حجم السكان بدلا من هذا التوسع. وافاد الدليل الذي كشفت عنه الدراسات من خمس سنوات الى ان الافارقة لم يتزاوجوا مع السكان المحليين في اماكن اخرى، لكن الدراسة الحديثة تفيد بأنهم تزاوجوا معهم واختلطوا بهم، وان التناقض في الادلة الوراثية يعني ان القضية لاتزال مفتوحة ويقول هاربندنج ان احد التفسيرات المحتملة للادلة الجديدة هي ان عددا كبيرا من السكان هاجر من افريقيا لكنهم تزاوجوا مع الجماعات الاخرى في حدود ضيقة جدا في اوروبا واماكن اخرى، ولان التزاوج لم يكن شائعا فإن قليلا من الموروثات الاوروبية في فترات ما قبل التاريخ هو الذي ظهر في الخريطة الوراثية للبشر، مما يعطي انطباعا خاطئا بأن السكان ما قبل التاريخ تضاءلوا حجما. وهناك احتمال آخر بأن سكان افريقيا ما قبل التاريخ منذ مئة الف عام كان حجمهم كبيراً، غير ان عددا ضئيلا منهم هاجر الى اماكن اخرى من 80 الف عام ليحلوا محل السكان المحليين الاخرين، وقد يفسر ذلك سبب الاشارات الخاطئة المفهومة من الخريطة الوراثية البشرية بأن انهيارا حدث في حجم السكان، حتى لو لم يحدث لكن هاربندنج يعتقد انه من غير المحتمل ان يكون عددا قليلا هكذا قد هاجر من افريقيا وانتشر في انحاء العالم وحل محل كل السكان الاصليين في تلك المناطق.