الخميس 13 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 16 يناير 2003 كانت السفينة «ماري بي» قد اتخذت موقعها في نهر كولومبيا على بعد 140 ميلاً عن المحيط الهادي. وكان الوقت مساء احد ايام الربيع الرومانسية، حيث لا تتجاوز درجة الحرارة 70 درجة فهرنهايت والرطوبة منخفضة والسماء صافية لا يتخللها سوى بضع سحب عالية. وعلى ضفتي النهر، كانت تمتد النتوءات الصخرية البازلتية المغطاة بالاشجار، والتي بدت بوضع شبيه لما كانت عليه عندما مر بها لويس وكلارك في طريقهما الى المحيط الهادي قبل قرابة 200 عام. وفي ذلك الوقت، كان ما يتراوح بين 10 ملايين و16 مليون سمكة من اسماك السلمون تسبح بعكس التيار كل سنة لكي تصل الى المناطق التي تضع فيها بيضها في واحدة من اكبر هجرات الاسماك في أميركا الشمالية. ولو قيض للويس وكلارك ان يشاهدا نهر كولومبيا اليوم لما تعرفا عليه. فقد قام المهندسون ببناء 14 سدا على مجراه الرئيسي وحوالي 250 سداً آخر على روافده، مما حوّل النهر المنساب بحرية الى سلسلة من الخزانات. وكان هذا المصير هو القوة الدافعة من وراء التطور الذي شهدته منطقة شمال غرب الباسيفيك، بتوفير طاقة كهربائية زهيدة التكلفة للمنطقة وتحويل الصحراء الجرداء في مناطق شرق واشنطن وأوريغون الى بساتين زراعية.غير انه وفي خضم هذه العملية، احدثت السدود دماراً بأسماك السلمون، وهي المخلوقات التي ترمز الى المناطق الشمالية الغربية، والتي تعتبر رحلتها الملحمية من الجداول الى المحيط ومنه مجدداً الى الجداول احدى عجائب عالم الطبيعة. واليوم لم يتبق سوى ما بين 200 الى 300 ألف سمكة في نهر كولومبيا، أي اقل من 3% من وفرتها التاريخية. وهذا التراجع المتدهور في اعدادها هو ما دفع «ماري بي» وحمولتها الى القدوم الى الجزء القريب من مصب نهر كولومبيا، الذي يشكل الحدود بين أوريغون وواشنطن. وفي عنابر السفينة، كان هناك ما يقارب 77 ألف سمكة يافعة أو فرخ تم جمعها من السدود على طول نهر سنيك (الأفعى)، وهو الرافد الرئيسي لنهر كولومبيا. وبعد شفطها بالأنابيب الى السفينة، فإن فراخ السلمون تحظى بنقلة الى مصب النهر بسبب بسيط وهو ان الرحلة في الماء عبر ثمانية سدود ومئات الأميال من خزانات المياه بطيئة الجريان غالباً ما تكون مميتة للأسماك. تقول فيالق المهندسين في الجيش الأميركي ان برنامجها قد ساعد في انقاذ ما تبقى من اسماك السلمون في نهر سنيك من الانقراض. وبحسب معلوماتهم، فإن 98% من فراخ السلمون التي تنقل بالسفينة تنجو من الرحلة بعد سد بونيفيل. ولكن هناك مشكلة وحيدة، وهي ان الاسماك تذهب ولكنها لا تعود. فمن بين ما مجموعه 15 الى 20 مليون فرخ يتم شحنها سنوياً في السنوات الاخيرة، لم يرجع لوضع البيض سوى اقل من 1%، اي ادنى من الـ 2 ـ 6% المطلوبة للحفاظ على هجرات السلمون في نهر سنيك. وكان فشل هذا البرنامج وغيره من البرامج الاخرى، التي كلفت ملياري دولار، بهدف اعادة هجرات السلمون الى سابق عهدها قد ادى الى فتح صفحة جديدة في تاريخ نهر كولومبيا. ففي الماضي، كانت قلة من الناس فقط تشكك في ان تطوير النهر امر مفيد وجيد. اما اليوم، فإن ما كان لا يخطر على البال هو الذي يهيمن على النقاش حول نهر كولومبيا ونهر سنيك. ويقول علماء الاحياء وعلماء البيئة والقبائل الهندية والصيادون التجاريون والهواة ان الوقت قد حان لتفكيك جزء من نظام السدود الذي تم تصميمه بصورة رائعة. وهدفهم هو السدود الاربعة المقامة على الجزء السفلي من نهر سنيك، وهو الرافد الذي كان في يوم من الأيام موطناً لثلث ثروة حوض نهر كولومبيا من اسماك السلمون. ويريدون ان يتم هدم جزء من السدود الاربعة لإعادة 140 ميلاً من نهر سنيك الى حالتها من الجريان الحر الملائم للسلمون. يقول ميشيل ديهارت، مدير مركز مرور السمك الذي يراقب اسماك السلمون في النهر: «لقد احدثنا خللاً في توازن نظام نهر كولومبيا. والسؤال المطروح الآن هو: هل تهدم جزء من هذا المشروع؟ ففي النهاية سنواجه القرار اما بإحداث ثغرات في السدود أو بترك اسماك السلموم تنقرض من نهر سنيك». ولكن الحديث عن التخلي عن اربعة سدود في منطقة شمال غرب الباسيفيك، حيث ترمز الطاقة الكهربائية المولدة من السدود الى القوة الاقتصادية، قد اثار معارضة من قبل شركات الطاقة والمزارعين المستفيدين من المياه التي تحتجزها السدود. ولرؤية نهر كولومبيا على طبيعته كما كان في السابق، يتعين على المرء ان يذهب الى كندا، حيث يتكون النهر وسط مناظر طبيعية خلابة. فمن قمم جبال بورسيل في الغرب التي يبلغ ارتفاعها 10 آلاف قدم والمغطاة بالثلوج ومن سلسلة جبال كوتني التابعة لجبال روكي في الشرق، تصب مياه الينابيع وذوبان الثلوج في بحيرة كولومبيا التي يبلغ طولها 10 أميال، والتي تعتبر منبع نهر كولومبيا. ويعتبر الجزء من النهر الذي لا يزال يجري بحرية على امتداد 110 أميال شبكة من القنوات والبرك والأراضي السبخة التي تعتبر موطناً لثعالب الماء والذئاب والأيائل. ويعتبر هذا الجزء أيضاً معبراً رئيسياً للطيور المهاجرة التي بلغ عدد الأصناف المسجلة منها 264 صنفاً. والآن كل شيء مما ذكر موجود باستثناء اسماك السلمون، فقبل 61 عاماً فقط، كانت اعداد السلمون الذي يهاجر الى شمالي واشنطن وكولومبيا البريطانية تبلغ 25 ألفاً، وكانت الألوف منها تصل الى منابع النهر. ولكن سد «جراند كولي» الذي اكتمل بناؤه في عام 1941 وضع حداً لهجرة السلمون فكان بمثابة اعجوبة هندسية وقاتل للسلمون. ضرار عمير