الثلاثاء 11 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 14 يناير 2003 الوضع الاقتصادي المتدهور، الحرب ضد الانتحاريين، البناء الكسول للجدار الامني والحملة الانتخابية أنستنا جميعها حقيقة ان السلطة الفلسطينية باتت في العام الاخير تشبه ديكورات أفلام رعاة البقر في هوليوود: شارع رئيس في بلدة من بلدات الغرب المتوحش تستند الجدران الكرتونية لمنازله الى الدعامات التي ليس خلفها أي شيء آخر، وكل تلك الصورة هي خيال ووهم مجردان. عندما كانت السلطة الاسرائيلية في المناطق مباشرة، كان هناك على الأقل مجرد مظهر الحرص على السكان من خلال الحكم العسكري وبعده الادارة المدنية. أما اليوم، ففيما تبقى من المناطق التي لم تصادر أو يتم الاستيلاء عليها لأغراض الاستيطان أو الأمن، يعيش اليوم أكثر من ثلاثة ملايين فلسطيني في جيوب ضخمة مكتظة بالسكان تذكرنا ببلدات السود قرب المدن الكبرى لنظام التفرقة العنصرية في جنوب افريقيا. وبارادتنا ندخل هناك بالدبابات أو بالسيارات الدورية وكذا سيرا على الأقدام، لأغراض الاعتقال والعقاب. ولكنهم يعيشون هناك أغلب الوقت محشورين ومحبوسين ويفترض بهم ان يحرصوا على توفير احتياجاتهم بأنفسهم. اصدقاء فلسطينيون يروون لي انه لولا المساعدات من الدول العربية، ولا سيما العربية السعودية، لكان الجوع ينتشر في الضفة والقطاع. قلب معظم الاسرائيليين مع هذا الموضوع ايضا. فالنهج المميز هو: «هل يفترض بنا نحن ان نهتم بأولئك الناس الذين يبعثون الينا بالانتحاريين ويقتلوننا مرة كل عدة ايام؟ فليهتم بهم اخوانهم العرب». وللوهلة الاولى نشأ فراغ سلطوي ولكن عمليا اسرائيل هي التي تسيطر فيه وجنودها هم الذين يرابطون على الحدود مع الاردن ومصر. فلسطينيون كثيرون ربما كانوا يفضلون سلطة اسرائيلية مباشرة على الوضع الحالي الذي يكون فيه كل أزعر رجل، وفي بعض الاماكن في شمال الضفة وفي قطاع غزة بدأت تعمل عصابات عنيفة تتعامل مع السكان بقسوة. في الوضع الاقتصادي الحالي، فان حكومة اسرائيل التي تسعى الى الحفاظ على كل المستوطنات، تمتنع عن صرف مالي ضخم على السكان الفقراء ولهذا فانها تترك العناية المدنية بالسكان لما تبقى من السلطة الفلسطينية «بلديات ومجالس محلية» وبالمقابل، فان الحكومة الاسرائيلية تنفق أموالا طائلة على تسييج المستوطنات وشق الطرق الامنية وتحصين الباصات التي تتحرك على طرق المناطق، وتستثمر في المستوطنات في البناء وفي المناطق الصناعية والتعليم والرفاه الاجتماعي والسياحة والتسفير.لا يمكننا ان نتجاهل هذا الوضع الغريب لفترة طويلة من الزمن: جيتوات هزيلة ومكتظة بالسكان يعيش فيها السكان على شفا المجاعة قبالة مناطق مزدهرة تستثمر فيها عشرات ملايين الشواقل كل شهر. وعلى الرغم من العداء الشديد ومنظمات الارهاب التي تواصل قتل المدنيين والجنود الاسرائيليين حتى في ضوء «الاحباطات المركزة» واعتقال آلاف رفاقهم على مدى العامين الاخيرين، فان المسئولية المدنية عن السكان هناك هي في نهاية المطاف على عاتقنا. ان تدمير البنى التحتية المدنية السابقة يستوجب اقامة بنى تحتية جديدة تحت السلطة الاسرائيلية المباشرة. أو السلطة الفلسطينية الجديدة بنمط آخر. في الماضي، عندما تجاهلنا اوضاعا مشابهة نشأت في المناطق وصلنا الى الهاوية. هكذا كان الحال قبل الانتفاضة الاولى والثانية. وحتى لو واصلنا تجاهل هذه المشكلة الحادة وركزنا على الاقتصاد والانتخابات وفساد المسئولين - فان موضوع السكان الفلسطينيين سيرتد الينا كالسهم المرتد. فهم موجودون قربنا تماما، في داخلنا، ليس في جبال ظلام بعيدة. والآن. في الوضع الناشيء، بذنبهم أم بغير ذنبهم، هم متعلقون بنا شرا كان أم خيرا. فالحديث بات يدور عن مسئولية ثقيلة. وكل من يؤمن بأنه يمكن «السير مع الشيء والشعور بانعدام وجوده» على مدى الزمن فانه يحلم. بقلم: يهودا ليطاني _ عن «يديعوت أحرونوت»