الاثنين 10 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 13 يناير 2003 انتحار الحيتان على الشواطئ هي ظاهرة لا تفسير لها ولكنها منتشرة. فلماذا يصر عمرام ميتسناع على ان يخسر؟ فهذا ليس منغرسا في دمه مثلما هي الحال لدى الحيتان. فليس الامر انه لا يرتفع، بل لا يعرف الى أين يرتفع. انه يتصرف مثل من يغرق في البحر ويصر على الصراخ النجدة، ولا يعرف أحد ما الذي يريده، اذ انهم قالوا له انه هكذا ينبغي له ان يقول. بعد مقتل رابين، تنافس شيمون بيريز أمام بنيامين نتانياهو. وقد عرض على بيريز ان يتمسك بالاغتيال. ان يتمسك بالأجواء المسمومة التي سبقت الاغتيال، وان يذكر ميدان صهيون، والتحريض وحاخامي المستوطنين مع فتواهم، وصورة رابين في بزة الضابط النازي. والى جانب ذلك فقد طرح عليه ان يعين ايهود باراك، الذي كان في ذروة مجده، وزيرا للدفاع. ولكن بيريز أراد ان ينتصر بفضل ذاته. أراد للناس ان يحبوه. طلب المحبة، ولكنهم لم يعطوه إياها. واليوم، قبل أقل من شهر من الانتخابات، فان من الصعب ان نرى بعض الاشخاص في حزب العمل ممن لن يأسفوا حين سيمنى ميتسناع بالهزيمة. وحتى لمؤيديه فان ميتسناع هو خطة سياسية ممتازة. دونما شخص فيها، فهو يرفض استخدام مجموعة الاستراتيجيين الذين ساعدوا اسحق رابين في تحقيق انتصاره. وهو أسير مستشارين لا يفهمون كيف ينبغي استغلال ما يجري في الليكود، والاقتصاد الفاسد لسلفان شالوم، والوضع السياسي عديم الجدوى، والحرب المقتربة دون غاية. وهم لا ينسقون استراتيجية قتالية قبالة فشل شارون في كل الجبهات. فالواقع لا يمنعهم من ان يروه. والرؤية السياسية الصحيحة والمحقة لميتسناع لا يعملون على ايضاحها، فالصرخة لا تعطي الصدى دون ان يكون هناك شخص يصرخها. خائبو الرجاء من الليكود يتوجهون الى شينوي أو يعودون الى شاس. أما ميتسناع فعنيد: أنا سأقود الدفة!. ريغان وكلينتون وبيغن ورابين تعاونوا مع استراتيجيين ذوي صيت لمساعدتهم. أما ميتسناع فيفضل الاستماع الى من يمكنه ان يمنحه الاقتراحات التي يعتقد انه يريد ان يسمعها. وهكذا فانه لا يقود نفسه فقط بل وحزبه المتدهور ايضا نحو انتصار اليمين. صديقي ديفيد جارث بنى حملات انتخابية لرؤساء وحكام ورؤساء مدن، وطلب اليه في حينه مناحيم بيغن مساعدته في توجيه دربه. لقد ساعد ديفيد بيغن في تحقيق الانتصار. وشارون، الذي يسنده جباران استراتيجيان اسرائيليان مثل رؤوبين أدلر وايال أراد، واضافة اليهما ارثور فنكلشتاين، سينتصر وان كانت مكانته ومكانة حزبه تهتزان وتنهاران أمام ناظرينا. وان كانت العاصفة السياسية تمس شفا بيته. وذلك ليس فقط لان لديه مستشارين جيدين، بل لانه يعرف كيف ينصت ويتصرف وفقا لاقتراحاتهم. بسبب الفساد الذي تبحث فيه وسائل الاعلام اليوم كان يمكن لميتسناع ان ينقل الى معسكره أناسا يائسين، وثمة اليوم الكثيرون منهم، حتى لو كانت خطته السياسية لا تروق لهم. ففي غمرة المرارة التي تغلف اليوم الجميع كان بوسعه ان ينقل اليه الناس الوسط ايضا. الارض تشتعل تحت أقدامنا جميعا، من يمين ويسار، دون تمييز. ولكن هرتزل لا يريد. ومعسكره ـ مرضوض ومضروب، وبعضه شامت ـ ينتظر. وحتى الآن، اذ ان من الواضح ان ميتسناع لم يعد بوسعه ان ينتصر، ويمكن فقط تقليص الفجوة. ولكن ميتسناع ليس هو الشخص الذي يستسلم للواقع. روى موشيه ديان ان شخصا يدعى بدرو كان يجلس في مقهى فدخل عليه اجنبي. فسأله بدرو من هو. فلم يجب، فكرر السؤال عدة مرات. ولكن الاجنبي لم يرد. فسحب بدرو مسدسه وأطلق عليه النار فقتله. وعندما خرج قال: غدا أقرأ الصحيفة فأعرف ما اسمه. ان على القائد السياسي ان يطلق النار مثل الضابط في المعركة. الخسارة بشرف لا تتناسب مع السياسة. فلا يجوز لزعيم سياسي ان يستسلم لنزعته الانتحارية. ونحن لسنا قطيعا من الحيتان نسير خلفه. حياتنا جميعا متعلقة بما سيفعل أو لا يفعل الرجل غير المتعطش للنجاح. بقلم: يورام كنيوك _ عن «معاريف»