الاثنين 10 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 13 يناير 2003 لا يتيح العديد من المشكلات الدولية الا فرصة كئيبة قوامها الاختيار بين الحل السييء والاقل سوءاً والجدل الراهن حول العراق يطرح هذا المأزق بطريقة غير عادية ومعقدة وشديدة التأثير. فالامر ليس مسألة كيفية التعامل مع سياسي ربما كان او لم يكن قد اوشك على امتلاك اسلحة نووية. وانما هناك مسائل اخرى مهمة يتعين النظر فيها. ومنها المخاطر التي يتعرض لها اهم مصادر البترول في العالم وبالتالي التي يتعرض لها الاقتصاد العالمي، والوضع السياسي غير المستقر بالفعل في الشرق الاوسط، الذي تأثر على وجه الخصوص بالصراع العنيف والحافل بالانفعالات بين اسرائيل والفلسطينيين، وباحتمال ان يجلب الغزو الاميركي للعراق. نوعاً من الحكومات الاقل قدرة على المحافظة على الاستقرار في المنطقة، والعداء الناشيء بين اجزاء في العالم الاسلامي والغرب، وتأثير الاجتياح الاميركي المحتمل للعراق على تضامن المجتمع الدولي فيما يتعلق «بالحرب على الارهاب»، والقلق الذي ينتاب العالم باكمله ازاء الهيمنة الاميركية العدوانية أحادية الطرف على نحو ما ظهرت تباشيرها في مبدأ الضربة الوقائية الاميركية والوثائق الصادرة مؤخراً ومنها «استراتيجية الامن القومي للولايات المتحدة الاميركية».الواقع انه لا يوجد بالفعل خلاف على ان العالم سيكون مكاناً افضل بكثير لو ان شخصية مثل الرئيس العراقي لم تكن موجودة فيه. غير ان هناك خلافاً عميقاً داخل الولايات المتحدة وخارجها، حول كيفية التخلص منه دون التسبب في سلسلة من ردود الافعال المدمرة. وهناك ايضاً اختلاف كبير في الرأي، ونقص خطير في المعلومات الموثوقة، على وجه التحديد حول الخطورة التي يمثلها الرئيس العراقي على العالم الخارجي. ان ملايين الكلمات التي تدور حول هذا الموضوع التي ادلت بها مؤخراً الحكومات، والمحللون والمفكرون والاكاديميون والصحافيون والمؤيدون لوجهات نظر معينة لم تفعل الا القليل من اجل ايضاح الموقف الذي ربما، وفي القريب العاجل قاد إلى جر العالم إلى الحرب مرة اخرى. ان هذا هو ما يعطي كتاب كينيث بولاك «عاصفة التهديد: الدفاع عن غزو العراق» الاهمية القصوى. وسواء كنا نتفق أم لا مع النتائج التي يتوصل إليها، التي هي في حقيقتها، وبالمناسبة، معالجة جيدة اقل اثارة للمخاوف مما يوحي به عنوان الكتاب ان بولاك، الخبير الذي يتمتع بالاحترام في منطقة الخليج على الصعيد الحكومي وخارجه، يقدم تقريراً دقيقاً للتاريخ، والحقائق المعروفة، والعناصر الداعمة والاخرى الرافضة للخيارات المختلفة المطروحة في الجدل القائم حول العراق. وعلى الرغم من ان سجل الرئيس العراقي في مجال حقوق الانسان والمعاملة الوحشية لشعبه معروفان للجميع. الا ان كتاب بولاك يوضح على نحو محرج جداً ان العامل الذي يحمل الحكومات على اتخاذ قراراتها الحاسمة تجاه الرئيس العراقي كان هو دائماً مصالحها. ولو ان كان اسوأ طاغية في مكان غير استراتيجي من العالم، فسيكون الاهتمام به واثارته للغضب لدى الحكومات من الامور غير المحتملة ولن تحتاج في ذلك الحين الا إلى عدد قليل من التحذيرات الصادرة من الامم المتحدة، لا اكثر. أما والحال على غير ذلك، فإن الرئيس العراقي هو الكابوس الأسوأ للعالم الصناعي المتقدم، فهو سياسي لا يمكن التنبؤ بتصرفاته، يستقر في اهم منطقة منتجة للبترول في العالم، والسؤال المطروح في الوقت الراهن هو: هل يمكن للعالم محاولة التعايش معه واحتواء تهديداته للسلام وللاقتصاد العالميين، ام انه يجب تدمير هذا كله قبل انتشاره على نطاق واسع. ان هذا الوضع يمنحنا، دليلاً آخر يشير إلى الحماقة واللامسئولية يتسم بها سلوك العالم الصناعي تجاه الاستهلاك الشره للنفط الرخيص ورفضه المستمر وقف الاستهلاك واعطاء الاولويات الداخلية والخارجية لمسألة البحث عن مصدر بديل متجدد للطاقة.يقول بولاك انه الف كتابه من اجل «السعي إلى مساعدة أولئك الذين يسعون إلى تفهم المشكلات التي نواجهها مع العراق والخيارات المتاحة أمام الولايات المتحدة». ويعتقد بولاك أن على الولايات المتحدة ان تختار بين «الحرب المحتملة التحقيق في الوقت الراهن الباهظة التكاليف والحرب البعيدة في المستقبل القريب». ولدعم هذا الرأي يقوم بعمل مقارنة، مثلما فعل الكثيرون، بين العلاقات القائمة بين العالم وبين الرئيس العراقي وبين اوروبا وبين هتلر في سنة 1938. وأنا شديد الحذر تجاه هذه المقارنة. فقد قام هتلر باعتدائه على تشيكوسلوفاكيا والنمسا مما برر كثيراً رد الفعل العسكري لدى فرنسا وبريطانيا، وبالتالي فلم تكن هناك حاجة للقيام بضربة وقائية. بخلاف ما تقوم به الولايات المتحدة اليوم، وهي اعتى قوة عسكرية في العالم، اما بريطانيا وفرنسا فهما عملياً وسيكولوجيا وسياسياً غير مستعدتين للحرب بالاضافة إلى انهما غير متأكدتين من مدى تفوقهما العسكري. وعلى العكس من الولايات المتحدة فهما لا تملكان كقوة رادعة القدرة على التدمير السريع. والواقع انه في سنة 1938 لم تكن لدى بريطانيا او فرنسا القدرة الكافية او حتى لم تكن لديهما تلك القدرة على الاطلاق، دع جانباً القدرة على احتواء او ثني هتلر عن اهدافه. اما في 2002 فإن الولايات المتحدة تملك القوة العسكرية الكاسحة، التي تستطيع استخدامها لو ارادت وبالتالي فهي في وضع افضل يمكنها من ممارسة الضغوط السلمية، والتحلي بالصبر وضبط النفس. الفصل الاول من كتاب بولاك يحمل عنوان «من سومر إلى صدام» ويشتمل على موجز تاريخي مفيد، خاصة فيما يتعلق بالجانب الذي يتناول العلاقات العراقية ـ الأميركية الراهنة مع الولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية الأخرى. وفي موجة من الغضب العارم ضد الرئيس العراقي يقول ان مما يشكل مفارقة ان يتم التذكير بمدى ما بذلته الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفييتي من جهد لمساعدته على بناء نفسه، ومدى ما كانت تفكر فيه هذه الدول من مصلحة من جراء الاستفادة من نفطه وغيره من الجوانب الاقتصادية وكيف أنها لم تعط الا القليل من الاهتمام لسجله في مجال حقوق الانسان. في السبعينيات كان ما اطلق عليه في ذلك الوقت اسم «الثنائي الذي يشكل الدعامة القوية التي تستند اليها السياسة الاميركية في الخليج هما السعودية وايران في ظل حكم الشاه». وعندما ازاحت الثورة الايرانية الشاه في 1979، اكتسب الرئيس العراقي اهمية جديدة باعتباره الجبهة القوية المناوئة لايران. كما حظي تصديه العسكري لايران في 1980 بالتأييد الضمني من الولايات المتحدة بالاضافة إلى حصوله على بعض المساعدات العملية الاميركية على هيئة معونات استخباراتية واقتصادية، وطائرات هليكوبتر، واذونات تصدير كانت ضرورية لتحقيقه للتقدم في هذا المجال، ومن الاشياء الاخرى، الاسلحة الكيماوية التي استخدمها فيما بعد للتخفيف من حدة الهجمات الايرانية المضادة وللتعامل مع الاكراد في شمال العراق.لقد غضت واشنطن الطرف عن الهجوم الصاروخي العراقي في سنة 1987 الذي راح ضحيته سبعة وثلاثون بحارا اميركيا كانوا على متن السفينة «ستارك»، وكذلك الامر بالنسبة لاستخدام العراق الاسلحة الكيماوية ضد ايران، بالاضافة إلى حملته الاجرامية التي راح ضحيتها 200 ألف كردي وشرد مليون ونصف مليون آخرين. وبالمقابل فقد سدد الرئيس العراقي ديونه، وأعطى تخفيضات على البترول وصلت قيمتها إلى دولار واحد للبرميل ، وكبح جماح الجماعات الفلسطينية المتمركزة في العراق ، كما ساند أيضاً عملية السلام العربية الإسرائيلية التي قاد العالم العربي في إدانتها بعد سنوات قليلة فقط من ذلك. في هذه المرحلة كان بكل تأكيد شخصية براغماتية بصورة مؤكدة . بحلول 1980 كانت إسرائيل قد فهمت تماماً ، كما حذرت الولايات المتحدة ، ان طموحات الرئيس العراقي ينطوي على القيادة العدوانية للعالم العربي والتساوي مع اسرائيل في امتلاكها لاسلحة الدمار الشامل. فاتخذ الاسرائيليون إجراءً سريعاً بتدميرهم «أوزيراك» وهو المفاعل النووي العراقي فرنسي الصنع في سنة 1981. ومن مقرهم الرئيسي في جهاز المخابرات الاميركية ، كان بولاك وزملاؤه يرددون اصداء هذه التحذيرات ، إلا أن سياسة واشنطن وحتى عام 1989 ، وبسبب سعيها إلى احتواء إيران ، ظلت تبقي على سياسة الاشتباك مع العراق. في الوقت الذي استأنف فيه الرئيس العراقي برنامجه لإنتاج الصواريخ وأسلحة الدمار الشامل إضافة إلى تفكيره في «مدفع عملاق» يمكنه أن يدمر تل ابيب ، كما هدد «بجعل النيران تلتهم مساحة إسرائيل» في حال مهاجمتها لبلاده ، فيما استمرت زيارات أعضاء مجلس الشيوخ والدبلوماسيين الاميركيين للعراق من أجل التأكيد على أن الولايات المتحدة تريد الإبقاء على علاقة طيبة معه. وعلى الرغم من أن تحذيرات بولاك وغيره كانت تشير إلى ان الرئيس العراقي كان جاداً في تفكيره بغزو الكويت ، إلا أن السياسة الاميركية المتساهلة استمرت حتى عشية الغزو الذي ، لو كتب له النجاح ، لمنح الرئيس العراقي مكاسب مادية لا تقدر وسيطرة على 9 % من نفط العالم ، إلى جانب وضعه في مركز يهدد المملكة العربية السعودية. غير أن سياسات لم تتغير إلا لحظة دخول الدبابات العراقية الكويت. حيث تغيرت هذه السياسة على نحو انتقامي حيث ذهب جورج بوش بعيداً بقوله أن الرئيس العراقي كان أسوأ من هتلر.لقد توقفت «عاصفة الصحراء» بعد تسعين ساعة فقط من المعارك الأرضية وعلى الرغم من ذلك لم تشكل أي تهديد لبغداد أو الرئيس العراقي شخصياً. ودون حتى أن يقدم قادة الحرب أي دعم للثورة في الجنوب أو في الشمال ، وهو ما كان ينادي به بوش ، وعوضاً عن ذلك قمع الثوار على يد الرئيس العراقي. لقد وضعت الولايات المتحدة والحلفاء ثقتهم في مسألة احتواء الرئيس العراقي (من خلال العقوبات ، والتفتيش على الأسلحة وإزالة أسلحة الدمار الشامل) والردع (المتمثل في الوجود الكاسح للقوات الأميركية في المنطقة ).ويخلص بولاك إلى ان قرار مجلس الأمن رقم 687 ، الذي يحدد شروط وقف إطلاق النار والذي وضع حداً لعاصفة الصحراء ، كان مبنياً على العديد من الإفتراضات الخاطئة. أولها هو أن «عاصفة الصحراء» كانت قد حطمت الجزء الأكبر من المعدات اللازمة لانتاج أسلحة الدمار الشامل العراقية. ( والواقع انها دمرت فقط ثلاثة من سبعة مواقع نووية عراقية ) وثانيها أن العراق سيتعاون مع الأمم المتحدة وفرق التفتيش التابعة لها وذلك بسبب رغبته بأن تقوم الأمم المتحدة برفع عقوباتها الصارمة في أقرب وقت ممكن ( يعتقد أن الرئيس العراقي كان قد خسر ما يتراوح بين 130 و180 مليار دولار جراء العقوبات الإقتصادية المفروضة على تصدير النفط ) وثالثها أن ، الرئيس العراقي نفسه لن يبقى إلى الأبد. والواقع أن اهتمام الرئيس العراقي الرئيسي كان يتمثل في البقاء في السلطة والمحافظة على ما بقي له من مكانة ،وهو الهدف الذي يعتقد أن أسلحة الدمار الشامل ستكون ضرورية لتحقيقه سواء كانت هناك عقوبات أم لم تكن.على مدى عشرة أعوام ،وفيما بدا أن التحالف الدولي كان قد أخذ بالإنهيار ، وأن العراقيين كانوا يلعبون لعبة القط والفأر مع فرق التفتيش التابعة للأمم المتحدة حتى لحظة انسحابها في سنة 1998 ، وفيما كانت العقوبات تتآكل على نحو مطرد ، كانت سياسة الإحتواء والردع هي السياسة المستمرة. يقول بولاك إن صدمة 11 سبتمبر هي التي جعلت الولايات المتحدة تعيد النظر في تقويمها للمخاطر التي تمثلها سياسة الإحتواء المرن للعراق وتضع في اعتبارها إمكانية ، وأهمية القرار الذي يتعلق بإسقاط الرئيس العراقي. ويرى بولاك أن الرئيس العراقي الآن أصبح أضعف منه في سنة 1990 بسبب تدمير نصف قدراته العسكرية في «عاصفة الصحراء» ، وبسبب تأثير العقوبات المفروضة من قبل الولايات المتحدة على بلاده وعمليات التفتيش ، ومناطق حظر الطيران في الشمال والجنوب ، وسلسلة من المحاولات الإنقلابية ضده. وبمعنيً آخر ، فمهما كانت قوة الرئيس العراقي فإن ممارسات الاجهزة قد حطمت بشكل فعلي مكانته الداخلية. إن قبضة الرئيس العراقي القوية على شبكة التهريب الواسعة المتملصة من العقوبات جعلته الآن هو والمقربين منه اغنى ممن كانوا عليه، على الرغم من الفقر الذي يعاني منه العراقيون. في فصل يحمل عنوان «التهديد» يسعى بولاك إلى تقدير طبيعة وحقيقة التهديدات التي يشكلها الرئيس العراقي على العالم الخارجي. وهذه المسألة هي، أو ينبغي ان تكون، اساس السياسة القومية الاميركية أو اي سياسة اخرى وليس من المدهش أنها تثير كل هذا الخلاف الكبير يبدأ بولاك بالقول بأن الرئيس العراقي ربما كان «بعيداً جداً عن تشكيل خطر كبير» لأن العراق بحاجة إلى الكثير من الوقت لكي تكون لديه المواد الإنشطارية اللازمة لصنع الأسلحة النووية ، وأن أسلحة الدمار الشامل على أي حال لا تهدف في الوقت الراهن إلا للتصدي للتهديدات الداخلية أو الإقليمية ، وأنها موجودة لإستخدامها فقط كحل أخير لمقاومة أي محاولة لـ «تغيير النظام». وعلى الرغم من عدم توفر دلائل قوية لأي علاقة بالقاعدة ، إلا أنه ربما كان يسعى أيضاً إلى إعادة بناء قوة إرهابية ، غير أنه يبدو شديد الوعي بأن الأعمال الإرهابية ستكون سبباً لإعلان الولايات المتحدة الحرب عليه. ولو أن نظامه ، من ناحية اخرى، كان قد تعرض للتهديد المباشر ، فإن ذلك بلاشك كان سيمنحه المبرر لإستخدام أي سلاح متوفر لديه لإشهاره في وجه أعدائه. وحتى الآن ، فإن هذه الإعتبارات تطرح كما يبدو نوعاً من الجدل العقيم حول الغزو. إلا أن الرئيس العراقي الذي تجلى في 2002 ليس بالضرورة قائد يتحلى بالعقلانية أو حتى البراغماتية. فالنزوع الى العظمة لم تخفف منه الكوارث ، والنقد والواقعية، أو الأخبار السيئة ، وما زال يقوده نحو الرغبة في امتلاك القوة العسكرية والسياسية التي يأمل بأن تمكنه من أن يصبح قائدا «لإتحاد عربي جديد» وحتى محررا للقدس. ولو أن الولايات المتحدة كانت قد عزمت على سحب قواتها من المنطقة ، فلابد أنه كان سيشكل تهديداً لجيرانه. في سنة 1990 ، عندما كان قوام قواته 14 مليون جندي ، كان جيشه يشكل رابع أكبر قوة عسكرية في العالم. وحتى في حال خفضه إلى العدد الحالي الذي يصل إلى 430000 ، فسيكون الجيش العراقي أكثر قوة من غيره من جيوش جيرانه العرب مجتمعين. على الرغم من نفيه بشدة امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل ، فإن هناك القليل من الشك في أن يكون لدى الرئيس العراقي اقتناع بان أمنه وبقاءه يعتمدان على امتلاكه لمثل هذه الأسلحة ، سواء كانت اسلحة ردع أم وسائل السيطرة على الوضع في الداخل. كما أنها بالنسبة له ،أيضاً ، الرمز الأساسي ومصدر التأثير لدولة عظيمة قوية. حيث أن الأسلحة الكيميائية والصواريخ كانت هي التي أنقذته من الهزيمة أمام إيران وساعدته على قهر الاكراد. وأسلحة الدمار الشامل هي ايضاً ملاذه الأخير. ففي اغسطس 1990 ، حسبما يقول بولاك أمر الرئيس العراقي ببرنامج سريع لإنتاج رأس نووية واحدة توجه صوب اسرائيل إذا شعر بأن هناك مايهدد نظامه ولم يكن بالامكان اقناعه. وفي أثناء «عاصفة الصحراء» أمر بصنع أسلحة بيولوجية وقذائف كيميائية وصواريخ تكون جاهزة للإستخدام فور توجه قوات التحالف نحو بغداد. وبوضوح فهو يعتقد ان ذلك كان هو السبب الذي منعها من القيام بهذا. كما قال أيضاً أنه كان من الخطأ غزو الكويت قبل امتلاكه لأسلحة نووية. إن الاسلحة النووية المحتملة هي الحجة الاساسية لغزو العراق. وعلى الرغم من أنه وبحلول سنة 1998 كان مفتشو وكالة الطاقة الذرية الدوليون قد قاموا بتقديم بيانات ، وبتصفيه معظم ان لم يكن كل برنامج إنتاج الأسلحة النووية ، وبخاصة المنشآت اللازمة لتخصيب اليورانيوم إلا أن مثل هذه الأنشطة يعتقد انها قد استؤنفت بشكلها الكامل منذ ذلك الحين. يعتقد بولاك أن بإمكان الرئيس العراقي أن ينتج سلاحاً نووياً في غضون ثلاث سنوات الى ست سنوات إذا كان سيقوم بتخصيب اليورانيوم بنفسه ، أو في غضون سنة أو اثنتين إذا كان سيحصل على المواد الإنشطارية من الخارج. إن الأسلحة النووية ستمنح الرئيس العراقي في حال تعرضه للخطر القدرة اليائسة على التصدي لإسرائيل أو جيرانه على نحو قد يردع الولايات المتحدة أو أي أحد آخر.يشعر بولاك ان سياسة الإحتواء قد تهاوت الى حد بعيد بحيث لا يمكن انفاذها كما أن العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة تبدو قابلة للاختراق الى حد كبير بحيث ان السلع المحظورة تتدفق عل العراق من دون ان يعرف احد ما هي على وجه التحديد. إلى جانب أن فوائد تهريبها تبدو مغرية جداً وحتى على المستوى الإقتصادي فهي على درجة كبيرة من الأهمية وبالنسبة لجيران العراق فإن المرء يحتاج إلى فرض عقوبات جديدة أكثر صرامة. إلا انه ليس هناك أمل في أي عقوبات أكثر قوة وصرامة ، كما يعتقد بولاك. كما يعتقد أيضاً أن عمليات التفتيش على الأسلحة التي تقوم بها الأمم المتحدة ، كعنصر من عناصر الإحتواء ، ليست أكثر من مصيدة ويجادل بأن فريق التفتيش الجديد وهيئة المراقبة والتحقق والتفتيش الحالية «اموفيك»، أدنى مستويً من سابقتها «يونيسكوم» ، مدللاً على أن عدم امتثال العراق لقرارات مجلس الأمن هو في واقع الأمر ما يجعل المهمة مستحيلة. إن الدعم القوي والسلطة اللذين منحهما قرار مجلس الأمن في 8 نوفمبر 2002 لمفتشي الأمم المتحدة ، قد، وقد لا ، يحملان بولاك على أن يكون أكثر تفاؤلاً بشأن الفرص المتاحة أمامها للنجاح. إن شروط ذلك القرار قد وضعت خصيصاً لمنع الرئيس العراقي من القيام بلعبة الخداع والتراجع كما فعل من قبل ، لأن أي تصرف يدل على عدم التجاوب مع المفتشين سينظر إليه مجلس الأمن على أنه عمل يحتمل أن «تترتب عليه تبعات وخيمة بالنسبة للعراق. وإذا لم يكن الإحتواء هو الخيار الأكثر فاعلية ، فإن الخيار ، من وجهة نظر بولاك، سيتراوح ما بين الردع و«تغيير النظام». إن سياسة الردع التام ، كما يفهمها ، ستعني أن الإحتواء على هيئة عقوبات ، وتفتيش ، وحتى مناطق حظر للطيران ، سيكون مسموحاً بإسقاطه بمرور الوقت ، وأن الرئيس العراقي سيعيد برنامجه لاسلحة الدمار الشامل وفي النهاية سيملك أسلحة نووية ، وأن الولايات المتحدة ستصرح بأن أي تحرك عسكري يقوم به الرئيس العراقي متجاوزاً حدود العراق سيعني قيام القوات الأميركية باتخاذ اجراءات مباشرة وخطيرة.إن الإعتداءات الخارجية ستكون هي مصدر القلق الوحيد. إن السؤال هو ما إذا كان الرئيس العراقي سيتعرض للردع بعد حيازته أسلحة نووية، أي أنه على سبيل المثال سيستخدم أسلحته المضادة للردع . يعلق بولاك على ذلك بقوله «إن كل اشكال النقاش التي تحبذ هذا الخيار تبدو ناقصة بسبب مبالغتها في التأكيد على الحقيقة القائلة بأن أي قائد لديه أسلحة نووية سيتم منعه في أي كل وقت». على الرغم من أن الرئيس العراقي كما يعتقد على نطاق واسع لن يستخدم هذه الأسلحة ما لم يتم تحريضه على ذلك، إن ذلك سيعطيه وسيلة قوية لابتزاز من يرغبون في ردعه. يعطي بولاك أمثلة مرعبة للكيفية التي ربما يقوم الرئيس العراقي من خلالها بتحدي الردع النووي لو أنه كانت لديه أسلحة نووية. إن انفجاراً نووياً واحداً ، حدد موقعته بشكل جيد والاشعاعات المصاحبة له ، ربما يمكن أن يوقف الى اجل غير مسمى 90% من انتاج النفط السعودي أي ما يعادل 15 % من انتاج العالم من البترول. ولأن الإقتصاد العالمي يعتمد على النفط الرخيص ، فإن كسادا عالميا سيحدث حتى اذا جرى القضاء على النظام العراقي بضربة انتقامية واحدة والمدن الواقعة في مدى الصواريخ العراقية ربما تتحول هي الأخرى إلى رهائن في متناول اليد تستخدم ضد العمليات العسكرية الأميركية. يقول بولاك انه بوجود قائد غير عادي إلى أبعد الحدود ، قاس، وحتى في حال الإعتقاد بضرورة التغيير، فإنه لا يمكن استبعاد أي سيناريو ، ويضيف أن الرئيس العراقي لو كانت لديه اسلحة نووية ، فإن الردع سيكون هو الخيار الأكثر خطورة حيث أن أحداً لا يعلم ما إذا كان مستعداً في حال وقوعه في خطر شديد لتعريضها للدمار الكلي. ينظر بولاك إلى الأشكال الأخرى للتدخل المباشر. مستبعداً أي عمل سري أو محاولة انقلابية تقوم بهما المعارضة العراقية باعتبارها تمثل خطة وهمية في ظل إجراءات الأمن الرهيبة والإنقسامات الموجودة بين مختلف فصائل المعارضة العراقية في الداخل. ويبقى الخيار بعد ذلك بين القيام بعملية عسكرية على غرار ما حدث في أفغانستان بما في ذلك القصف العنيف والعدد القليل نسبياً من الجنود الأميركيين المشاركين. إن هذا الأسلوب سيعتمد على نطاق واسع على الدعم العراقي المقدم من الداخل وعلى الدعم الذين سيقدمه الحلفاء الإقليميين. ولكن هل يمكن الإعتماد على هؤلاء ؟ إن الخوف من وقوع أي حركات ارتجاعية داخلية في بلدانهم ، صار يجبر دول الجوار على الإصرار على المطالبة بألا يستغرق القيام بأي عمل عسكري أكثر من يوم واحد على نحو ضروري وقاطع. وفوق ذلك سيكون من الضروري العمل على تمركز قوات أرضية على نحو سريع في غرب العراق لمنع الرئيس العراقي من ضرب إسرائيل بصواريخ سكود العشرين أو الثلاثين التي يملكها والتي تحمل رؤوساً كيماوية أو بيولوجية. يعتقد بولاك ان الغزو الشامل وحده هو الذي يمكنه أن يوفر أسلوباً واقعياً في التعامل مع الرئيس العراقي . ومن جانبه يشعر بالثقة من أن الغزو الشامل للعراق ، الذي يحتاج اجمالياً إلى استخدام 300000 جندي وما يصل إلى 1000 طائرة سيكتب له النجاح. كما يعتقد أن السرعة ، والزخم ، والمبادرة سيكون كافياً لكسب المعركة في يوم واحد ، على الرغم من اعترافه بعدم توفر برهان واضح حول الكيفية التي سيتمكن من خلالها الجيش العراقي ، خاصة ، «الحرس الجمهوري» ، الذي يطوق بغداد ، من القتال أو الكيفية التي سيحدث فيها الإجتياح في حال نشوب قتال شوارع ، الأمر الذي يبدو مختلفاً عما كان عليه الوضع في «عاصفة الصحراء». كما أن معلومات اخرى لا تتوفر عن الكيفية التي قد تستخدم بواسطتها الأسلحة الكيميائية والبيولوجية الموجودة بحوزة العراق. إن المرء لا يمكنه أن يتوقف لحظة عن التفكير في أنه وبفضل الفوائد الكثيرة التي توفرها ثورة المعلومات والتأمل في الاجتياح الأميركي التي توفرها وسائل الإعلام الغربية ، فإن الرئيس العراقي لابد وان يكون لديه الوقت ، والعامل المحفز ، على التفكير في عدد من المفاجآت على طريقته الخاصة. يقول بولاك ، إن العامل الرئيسي المؤدي إلى النجاح السريع لأي اجتياح ، سيكون في إقناع عدد كبير من العراقيين بأن الرئيس العراقي قد انتهى وأن استئناف القتال سيكون أمراً عبثياً. كما يعتقد أن العملية في أسوأ الظروف ربما استغرقت ما بين ثلاثة إلى ستة أشهر وأتت على حياة 10000 جندي أميركي ، وفي أحسن الأحوال ما بين أربعة إلى ثمانية أسابيع ومن 500 إلى 1000 قتيل. وأن الاتفاق والتعاون بين المملكة العربية السعودية ودول الخليج سيكون ضرورياً على وجه الخصوص. ويعتقد بولاك أنه ، قبل الاتفاق على التعاون ، فإن السعوديين سيطالبون بوقف لإطلاق النار ونوع من التقدم في السعي إلى تحقيق نوع من الاستقلال ، وعدم التحيز الأميركي ، في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. كما أنهم سيطلبون التأكيد على أن الرئيس العراقي سيتم إسقاطه على نحو سريع وللأبد ، بالإضافة إلى المداولة حول الخطط الأميركية المتعلقة بإعادة بناء عراق ما بعد الاجتياح. ولو أن غزو العراق كتب له النجاح ، فإن الولايات المتحدة والعالم ، سيواجهان بالمهمة الأكثر تعقيداً ، والأكثر طولاً ، وهي إعادة بناء العراق. وشأن غيرها من المشكلات التي أوجدتها الامبراطورية البريطانية حول العالم ( في فلسطين وكشمير وقبرص ، وغيرها الكثير ) من المشكلات التي يستعصي حلها بوضوح فإن العراق الحديث ، الذي نشأ بعد الحرب العالمية الأولى يشكل باستمرار تحدياً قوياً لحكومة منظمة.لقد حل الرئيس العراقي هذه المشكلة باللجوء إلى القسوة والإرهاب المطلق. إن توفير الأمن في مرحلة ما بعد زوال الرئيس العراقي وبناء اقتصاد عملي فاعل ونظام سياسي شامل هي على نطاق واسع أهداف طموحة. كما أنها تتطلب مصادر كبيرة للثروة ، وقدرة على التحمل ، وبراعة كبرى ، وتصميم ، وإدراك بالإضافة إلى التعاون الكامل من قبل الدول المجاورة والمجتمع الدولي. إن المشكلات كبيرة جداً وخيالية ، وبما في ذلك الحاجة إلى عدم إضافة الفهم الإمبريالي للولايات المتحدة المنتشر على نطاق واسع في الشرق الاوسط. وفي هذا السياق ، فإن المفاهيم غير المتوازنة لإقامة «ديمقراطية عربية» جديدة متعددة في العراق تحول في النهاية الثقافة السياسية للعالم العربي بأكمله تبدو مبتسرة وغير ناضجة ، ككلمة أخيرة.أحد المظاهر التي تصيب بالصدمة التي أعقبت 8 نوفمبر الماضي كان غياب الحديث عن «تغيير النظام». والآخر هو أنه باتخاذه قراراً جماعي فإن مجلس الأمن يبدو كما لو أنه قد وافق على إمكانية القيام بعمل وقائي ملزم ، وأنه للمرة الأولى منذ سنوات يصبح هناك توحد كلي بخصوص موقف قوي حاسم تجاه العراق. وخلال الفترة السابقة لـ 21 فبراير 2003 لابد وأن يكون هناك أمل بأن يعطي المفتشون صورة واضحة واقعية حول برامج أسلحة الدمار الشامل العراقية وعلى وجه الخصوص برامج الأنشطة النووية. تلك الصورة نحن بحاجة ماسة إليها إذا كنا نسعى للحفاظ على التضامن الدولي الذي نراه في الوقت الحاضر.إن العديد من الحكومات ، بما في ذلك على الأقل اثنان من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن وهما فرنسا وروسيا تربطها علاقات اقتصادية ومالية مهمه مع عراق الرئيس العراقي . وفيما تستمر الولايات المتحدة في الوقت الحاضر في سعيها للحصول على سلطة التفويض من قبل مجلس الأمن وفي الحصول على التعاون المشترك قبل قيام باتخاذ إجراء عسكري ، فإن هذه الحكومات يجب أن تكون في موقف استثنائي لإرغام الرئيس العراقي على الاستجابة لقرارات المجلس. إن الدول الآسيوية المجاورة تسعى في الوقت الراهن للقيام بمحاولات جادة لإنتاج الأسلحة النووية ، وعلى سبيل المثال في كوريا الشمالية، هناك حكومة غريبة استبدادية وظالمة. ومما يمكن افتراضه التوجهات نفسها بالنسبة للرئيس العراقي. إن الحصول على المواد الانشطارية من الخارج هو العامل الرئيسي الذي يعجل ببرنامج انتاج الأسلحة النووية العراقي. ولهذا فإن الفقرة 10 من القرار الصادر في 8 نوفمبر تطالب كافة الدول بالتعاون ، من خلال توفير معلومات حول سعي العراق «لامتلاك مواد محظورة». إن كلاً من الحرب ضد الإرهاب والحرب ضد التهديدات العراقية تتطلب من كافة الدول المالكة للطاقة النووية أن تفعل ما بوسعها من أجل حماية المواد الإنشطارية والتعاون مع بعضها بهذا الخصوص. غير أنه سيكون من المفيد جداً إعادة طمأنة الرأي العام ، بعرض الحقائق ، المتعلقة بهذا الجانب المقلق لكلا المشكلتين. إن الحكومة الوحيدة المستفيدة من الاختلاف الحاد في الرأي العام حول العراق هي نظام الرئيس العراقي . وفي الوقت الراهن ، وعلى نحو يشكل معجزة تقريباً ، تبدو الحكومات متفقة حول الفهم العام للتهديد المحتمل للسلام ولخطة العمل الواقعة بين السياسات الشبيهة بسياسة النعامة التي ينتهجها اولئك الذين يأملون في تجنب المشاكل وحتى الحصول على مكاسب قصيرة الأجل ، وهؤلاء الذين يطالبون بعمل سريع بغض النظر عن عواقبه الكوارثية المحتملة. إن الوحدة في الاتفاق مهما كانت غير واضحة المعالم ، يجب المحافظة عليها ، خاصة متى كان هناك عمل عسكري. وإذا لم يكن هناك أي احتمال لعواقب وخيمة ، فعندها يجب أن يكون هذا العمل مشتركاً على نحو حقيقي. إن هناك تهديدات خطيرة اخرى للسلام والاستقرار العالميين ، بعضها يتعلق بالأسلحة النووية ، وتوحد الحكومات في الأمم المتحدة مطلوب للتعامل مع هذا الجانب أيضاً. إن مشكلة عراق الرئيس العراقي الحقيقية، لايجب أن تستولي على الاهتمام كله أو لا يتم حسابها على الإطلاق. إن تحول الرئيس العراقي إلى هاجس رهيب يحتل مساحة كبيرة من الاهتمام حول العالم هو في حد ذاته إنجاز لم ولن يتجرأ هذا السياسي حتى على الحلم به. بقلم: بريان أوركهارت _ ترجمة : مريم جمعة فرج _ عن «نيويورك ريفيو أوف بوكس»