الاحد 9 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 12 يناير 2003 لو كنت صدام حسين لتوجهت الى مسقط رأسي لأكرس بعض اللحظات لخلوة مع النفس عند قبور أسلافي. ولتلوت ابتهالاتي كي يسامحني الله وشعبي وأبنائي، ولطلبت مغفرة مئات آلاف العائلات التي فقدت أحدا أو عددا من أفرادها في الحربين عديمتي الجدوى اللتين تسببت بهما، أولا الحرب والمجانية ضد ايران ولاحقا النزاع الرهيب الجائر بالكامل الذي أثرته باجتياح الكويت، معتقدا ان القدر قد خصني كي أكون بطل هذه الأمة بعد ان رضعت منذ طفولتي الاساطير البطولية التي جرى فيها الدماء بسخاء اكثر من الماء. ولطلبت الصفح من الأيتام والارامل والناجين ذوي الاجساد المبتورة، ولتوجهت بعدها الى الأموات والى الذين أمرت بتسميتهم «شهداء» لأقول لهم اني كنت قد اخطأت وان كبريائي وطموحاتي المفرطة قد ارسلوها الى الموت. ولركعت ـ نعم، انا صدام، الذي اعتقد انه كان قد أجبر أكبر قوة عالمية على الصلاة ـ والتمست شفاعتهم كوني ضللت الطريق. ولأدرت عيني الى شعبي، الذي يعيش في العوز جراء الحصار ولكنت تقاسمت معه خيراتي المادية وطموحاتي كي يعود العراق ليكون بلدا مفعما بالحياة ومتألقا وفخورا بي. ولكنت توجهت، على الصعيد الخارجي، الى الأمم المتحدة أولا ولخضعت بعدها مباشرة لقراراتها التي كنت لاطبقها دون ان انبس ببنت شفة. ولجعلتهم شركاء شكوكي وتقييماتي وقناعاتي الخاضعة لاعادة الاعتبار وكذلك عزمي على السير باتجاه التعاون مع العدل والحق. ولتكلمت بعدئذ، بشكل مباشر عن طريق وسائل الاعلام، مع عائلة بوش، أبا وابنا، ولشرحت لهم أنني شخص عازم على الاعتراف بأخطائه ولطلبت منهم ان يسرعوا بفعل ما هو خاص بهم كي لا يضطر شعبانا لأن يعانيا من ويلات الحرب. لكني اعرف أنهم ما كانوا ليصدقوني، ولذلك كنت لاقدم لهم ضمانات في ذلك السياق.. ولكنت قد تركت للتاريخ محاكمتهم. ولكنت قد اعلنت بلادي عاشقة للسلام لا تخفي اي سلاح تدميري. ولاقترحت على العالم ان يجعل من العراق رمزا للتعايش وللسلام. ولتوجهت الى جامعة الدول العربية وطلبت مساندتها كي اكون قادرا على اخراج العراق من هذا النفق الذي ادخلته فيه، ولاصغيت لنصائحهم ووجهات نظرهم وأكدت لهم اني سآخذها بعين الاعتبار. ولالتزمت بارساء علاقات سلمية واخوية وودية بالكامل مع جميع الدول العربية، ولفتحت قصوري ووثائقي على مصاريعها، ولفتحت بوابات السجون السياسية ولذهبت حتى الى ايقاظ الاموات الذين يرقدون في المقابر السياسية لتعويض عائلاتهم المنكوبة من أموالي الخاصة. وكنت قد أمرت، فيما يتعلق بالنفط، بأن تتحمل فرق نزيهة وشريفة مسئولية ادارة هذا المورد الذي كان سيزود البلدان العربية ذات الموارد الفقيرة. ولكنت قد انشأت برنامجا للتعاون مع غالبية هذه الدول الى ان تحين اللحظة المناسبة لبناء هيئة مبنية جيدا وجديرة بالاحترام وقادرة على ابقاء نفسه حاضرة في العالم عن طريق الثقافة واحترام القانون والدفاع عن الحقوق الديمقراطية. لكني اعرف ـ رغم انك تعتقد اني امزح ـ اني لا املك الجسارة لسحق كبريائي وتقديم نفسي بيدين مفتوحتين وبقلب جريح، لكني معفى من السوء الذي عشته خلال زمن طويل. بمجرد أن اقوم بفعل كل هذا وأكون قد أقنعت جيراني وخصومي بنواياي الطيبة وأكون قد هزمت شيطان الكبرياء وأكون قد تنازلت عن مبدأ وأصل كل هذا الشؤم وأكون قد أنهيت اختبار ضميري، حينها اقدم استقالتي واطلب الى الشعب ان ينظم نفسه لارساء ديمقراطية حقيقية، في بلدي على قاعدة التعددية الحزبية واحترام الفرد والقانون. لنقل سويا وداعا للحرب وللمعاناة وللحرمان وللخوف حيث سيعود العراق ليكون بلدا مفتوحا للاثاريين وللسياح والاشخاص ذوي النية الطيبة الذين سيرغبون بمد يد العون لنا. بهذه الطريقة فقط أضمن الدخول في التاريخ من خلال بوابة أكثر نبلاً وأكثر جدارة. بقلم: الطاهر بن جلون _ ترجمة: باسل ابو حمدة _ عن: «لافانجوارديا» ـ اسبانيا