السبت 8 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 11 يناير 2003 الدعوات لفصل الاقتصاد الفلسطيني عن اسرائيل كارثية بالنسبة للفلسطينيين وخطيرة بالنسبة لنا ايضا، واذا تم الفصل أمنيا فيجب ان لا يشمل الاقتصاد . يوفال اليتسور يقترح في مقالته المنشورة في صحيفة «هآرتس» بتاريخ 24 ديسمبر الماضي، بعنوان «يجب عدم الخوف من الفصل الاقتصادي»، ان لا يخاف الفلسطينيون والاسرائيليون على حد سواء من النتائج الاقتصادية الناجمة عن الفصل. أما نحن فنقترح على الشعبين ان يخافا، وأيما خوف. الاقتصاد الفلسطيني كان وسيبقى في المستقبل المنظور معتمدا على الاقتصاد الاسرائيلي. ليس لان اسرائيل تقوم بجباية الضرائب المفروضة على المستوردات الفلسطينية التي من المفترض ان تحولها للسلطة لاحقا، وانما لان اسرائيل هي السوق الأكبر والأقرب والأكثر جاذبية للبضائع الفلسطينية الصناعية والزراعية ولقوة العمل الفلسطينية. الأسواق الاخرى المنافسة للحصول على المنتوج الفلسطيني لا يمكنها ان تكون منافسا بديلا للسوق الاسرائيلية. اسرائيل تمتعت لسنوات طويلة من سيولة وتوفر قوة العمل الفلسطينية الرخيصة. ميزة العامل الفلسطيني هي انه لا يستهلك خدمات الرفاه «تربية وصحة مثلا»، والسكن في اسرائيل قياسا بالعامل الاجنبي. والادعاء بأن العامل الاجنبي أرخص لاسرائيل خاطيء، وسندفع الثمن لاحقا عن «حارات الأجانب» التي بدأت تظهر حول المدن الكبرى. لا حاجة لانتظار الفصل لتمييز وملاحظة نتائج «الصدمة الكهربائية» التي ستنجم عن فصل اسرائيل عن المناطق حسبما يوصي اليتسور من اجل تعافي الاقتصاد الفلسطيني. ففقدان الأسواق التي ينطوي عليها هذا الفصل سيزيد من عدد سكان المناطق الموجودين تحت خط الدخل البالغ دولارين في اليوم، واحتمالية وفاة المريض من مثل هذه الصدمة أكبر بكثير من فرص شفائه. الفلسطينيون أنفسهم يعرفون جيدا، خلافا لاليتسور ورؤيته، ان ما يحتاجونه اليوم ليس عملة مستقلة لا توجد فيها منفعة اقتصادية حقيقية، وانما ما يحتاجونه حسب رأيهم هو حل سريع للبطالة البالغة 50 في المئة وأكثر من قوة العمل والى ضمان أسواق للصناعة القائمة بحيث تتطور وتستوعب قوة عملهم المتزايدة بصورة تدريجية. وهذه السوق موجودة في اسرائيل قبل كل شيء وعليها ان تتوسع لتشمل اوروبا واميركا ايضا. هذه هي المشاكل المركزية التي يعاني منها الاقتصاد الفلسطيني. الاتفاق الاقتصادي بين اسرائيل والفلسطينيين في عام 1994 المعروف باتفاق باريس حاول توفير ردود من خلال السماح بحرية الحركة شبه الكاملة للبضائع وللعمال بين الضفة وغزة واسرائيل. الفلسطينيون وافقوا في المقابل على وجود غطاء جمركي ضروري لمثل هذه الحركة الحرة. وضع السلطة الحالي اقتصاديا لا ينبع من رؤية غير صحيحة لجوهر المشاكل في اطار الاتفاق وانما من الظروف السياسية والامنية التي أفرغته من معناه ومضمونه. الفصل قد يكون ضرورة امنية ونحن لا ننوي التطرق لهذا الجانب منه. واذا طبق فعلا فمن الأجدر الانتباه جدا الى الجانب الاقتصادي لانه ينطوي على كارثة واحدة على الأقل وهي التدمير الكامل للاقتصاد الفلسطيني. حتى اذا برهنت الدراسات على ان الانتحاريين الفلسطينيين في شوارع اسرائيل قد جاءوا من عائلات ثرية نسبيا فليس لدينا شك في ان البطالة المتزايدة والتدهور السريع في مستوى الحياة يشكلان ارضية خصبة لتجنيد النشطاء والانتحاريين لصفوف المنظمات الفلسطينية التي تنفي حق اسرائيل في الوجود وللدعم الجماهيري الذي يحظون به. كل جدار فاصل أو جهاز وقائي آخر غيره سيدق اسفينا آخر بين الاقتصادين. لذلك من الأجدر الحرص على ان يؤدي هذا الجدار هدفه الامني فقط وان لا يتحول الى طوق خانق للاقتصاد الفلسطيني. مرحلة البناء واصلاح الاقتصاد الفلسطيني ستمتد لسنوات طويلة. ايجاد مصادر عمل خلاقة لن يتم من خلال صدمة كهربائية وانما من جمع التبرعات وايجاد المستثمرين - فلسطينيين وغيرهم - وتوفير الأسواق خصوصا. وفي كل هذه العملية يمكن القول ان السوق الاسرائيلية هي مرساة الخلاص للاقتصاد الفلسطيني، والفصل خلافا لقول اليتسور هو كارثة بالنسبة للفلسطينيين، ولذلك هو خطير بالنسبة لنا ايضا. عن «هآرتس»