السبت 8 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 11 يناير 2003 في نهاية يوم السادس والعشرين من ديسمبر الماضي الموافق عيد الميلاد ، كان واحد من اكثر الفلسطينيين المطلوبين لدى اسرائيل، يمشي متخفياً من منزل الى آخر، للمرة الخامسة خلال اقل من 24 ساعة، مرتدياً معطفه الكاكي ومعتمراً قبعته التي تغطي جزءاً من جبهته. تنقل جمال ابو سمهدانة عبر خمس عربات ومشى تحت الامطار الغزيرة وأصوات الرعد وأضواء البرق التي تحيط به من كل جانب كي يصل الى المكان الذي يستطيع فيه ان يقضي ليلة حتى الصباح، وكان هاتفه النقال مغلقاً لانه كان قد استخدم رقماً واحداً لمدة طويلة لم يقم بطلب رقم غيره وبالتالي كان يعتقد انه بامكانه استخدام الهاتف في اي وقت من دون ان يرصده احد. بالنسبة لابوسمهدانة، كان هذا هو الوضع العادي الذي يعيش فيه كمؤسس للجان المقاومة الشعبية وهي احدى الميليشيات التي تتكون من الاعضاء الذين تحرروا من وهم الانتماء الى الاحزاب الفلسطينية في قطاع غزة، وتتهمه اسرائيل بأنه وراء سلسلة طويلة من الهجمات التي استهدفت مستوطنين وجنوداً اسرائيليين مثل تفجير ثلاث دبابات بألغام أرضية في حوادث مختلفة قتل خلالها سبعة اسرائيليين. وقد وصفه تقرير أوردته احدى الصحف الاسرائيلية مؤخرا بأنه واحد من اكثر الاشخاص استهدافا من قبل جهاز الامن الداخلي الاسرائيلي المعروف باسم «الشين بيت» وقد قتل مساعد له يدعى مصطفى صباح بصواريخ مضادة للدبابات اطلقت من طائرة مروحية منذ 25 يوما. وابو سمهدانة دائم التنقل ففي خلال الفترة القليلة الماضية عمل ونام في 70 مكاناً مختلفاً. ولذلك فالعثور على سمهدانة واستهدافه ليس بالعمل السهل ابدا، وفي مقابلة لي معه في احدى الليالي بعد الغاء موعدين سابقين معه قال لي ابو سمهدانة: «خلال العامين الماضيين قضيت الليل في اكثر من 200 مكان، فأنا افضل الا انام في مكان واحد لأكثر من ليلة او ليلتين متتابعتين وفي حقيقة الامر لا احب ان اقضي اكثر في نصف ساعة في مكان واحد». ويتوق الرجل الى تلك الايام النادرة التي كان خلالها يختلس بعض الوقت ليقضيه مع عائلته ويلعب على الكمبيوتر مع اطفاله او مساعدتهم في دروسهم وعلى الرغم من ان زوجته امل حامل بطفلها الخامس فانه يعتقد ان عائلته ستكون اكثر امانا اذا تم قتله وبالتالي فانه يتمنى ان يموت شهيدا في احدى العمليات ويقول: «طموحي الاكبر هو ان امثل تهديدا للاسرائيليين حتى في اللحظة التي يقتلونني فيها». ويظهر بوضوح ضغط الحياة السرية التي يعيشها ابو سمهدانة في الخطوط المرسومة بفعل الزمن حول عينيه ولكنه على الرغم من ذلك فانه لايدع فرصة للفكاهة الا وانتهزها. ويعرف الرجل لدى رجاله باسم «الريس» وذلك بسبب حماسه الشديد لتصنيع القنابل بمقادير ومكونات متنوعة. وبالقدر نفسه من الشدة، تكرهه كل من السلطات العسكرية الاسرائيلية والسلطة الفلسطينية، حيث إنه رفض تعليمات متكررة من السلطة لحل منظمته. ويرتبط الرجل بعلاقات عمل مع الجماعات المسلحة الأخرى مثل الجناح العسكري لحماس والجناح العسكري للجهاد الإسلامي. يقول أبو سمهدانة: «جميع الحركات تتبادل المعلومات والتصميمات بشأن تصنيع المتفجرات وعمل التكتيكات العسكرية في بعض الاوقات نقوم بالتنسيق مع بعضنا البعض لشن الهجمات لأننا جميعا نشترك في قضية واحدة. وقد كان الرجل القائد الميداني للجان المقاومة الشعبية حتى أوائل العام المنصرم عندما قُطع جزء من ذراعه أليمنى حينما كان يطلق قنبلة من أحد الصواريخ على إحدى المستوطنات اليهودية. وقد قام بعلاجه فريق من جراحي جمعية أطباء بلا حدود الفرنسية، حيث أخذوا عظمة من رجله اليسرى ووضعوها أسفل كوع يده في عملية استغرقت 10 ساعات لانقاذ الذراع المصابة. وعلى الرغم من أن أبوسمهدانة لم يعد يشارك في العمليات التي ينظمها، إلا إنه معروف انه وراء الهجمات التي تعود الى اكتوبر 2000 عندما تم تفجير ناقلة جنود اسرائيلية، وهو الحادث الذي اسفر عن اصابة جنديين. وبعد ذلك بشهر، قام رجاله بقتل سائق سيارة اسرائيلية، ثم قاموا بقتل مستوطن في سيارته. وقد شهدت بداية عام 2001 تصعيداً ملحوظاً في الهجمات. ففي خلال ثلاثة أسابيع، قام رجاله بقتل اسرائيلي في تبادل للنيران في مخيم اللاجئين برفح، ثم قتلوا إثنين آخرين في حافلة في أحد اطراف المدينة وقتلوا ثالثا في عملية انتحارية في مستوطنة كفار داروم اليهودية. ولكن تدمير الدبابات الاسرائيلية العام الماضي هوالحادث الذي جعل من أبوسمهدانة على قمة قائمة المطلوبين لدى إسرائيل. فلقد كانت الدبابات تحمل رشاشات عيار 120 مم ومدافع هاون 60 مم ومعدات اليكترونية فائقة الدقة كان من المفترض بها ان توفر حماية للجنود الاسرائيليين. ويتحدث ابو سمهدانة بشكل صريح عن الهجمات التي ينفذها هو ورجاله، ويقول ان الهدف الرئيسي من عملياته هو قتل اكبر عدد ممكن من الجنود، فإن هذه العمليات تهدف ايضا الى بث الرعب في قلوب اطقم الدبابات واعلامهم ان «هذه الآلات الدنيئة لن تقدر على حمايتهم من الغامنا الارضية» على حد قوله. ويأسف ابو سمهدانة لعدم قدرة منظمته على تنفيذ هجمات انتحارية ضد اهداف داخل اسرائيل، ويقول انه قرر ان يركز على قتل المستوطنين والجنود لانه من الصعب للغاية اختراق الحصار الامني المفروض على قطاع غزة. وبينما ينفي ابو سمهدانة كونه ارهابيا، فإنه يشيد ويعبر عن سعادته بهذا القدر من الرعب والقلق الذي يبثه منفذو الهجمات الانتحارية بين الاسرائيليين العاديين خلال فترة الانتفاضة المستمرة منذ اكثر من عامين حتى الان. يقول ابو سمهدانة ان هذه التفجيرات ضرورية «لزرع الرعب» بينهم ويقول انه اذا كانت زوجتي خائفة من ان ترسل اطفالنا الى المدرسة، فإن زوجاتهم يجب ان يكون لديهم القدر نفسه من الخوف، واذا كانت اختي خائفة من ان تذهب الى السوق، فإن نسائهم يجب ان يكون لديهن الخوف نفسه. فقط عندما يعانون الشعور نفسه بالخوف وبعدم الآمان سوف يطلب الشعب الاسرائيلي من حكومته ان يسمحوا لنا بقيام دولتنا. كيف يمكن لرجل يتعلق بأسرته مثل ابو سمهدانة ان يعتقد ان قتل النساء والاطفال الاسرائيليين امر يمكن تبريره؟ ان ابو سمهدانه ينحدر من عائلة لها باع طويل في محاربة الاسرائيليين. فقد كان له اخوان اكبر منه قتلا أثناء قتالهما للاسرائيليين في لبنان. وتعرض أبوه وأمه واخوته الباقون الى السجن اثناء الانتفاضة الاولى التي بدأت عام 1987. ويشك الاسرائيليون ان اخا اكبر له يدعى سامي يترأس جناح حركة شهداء الاقصى في غزة، وهي الجماعة التي نفذت مجموعة من اكثر الهجمات الانتحارية قوة العام قبل الماضي في اسرائيل.وقد تلقى ابو سمهدانة تدريبا لمدة ثلاثة اعوام في المانيا الشرقية في فترة الثمانينيات من القرن الماضي، تدرب خلالها على استخدام وتصنيع المتفجرات، وتدرب ايضا خلال هذه الفترة مع مقاتلين من كوبا ونيكاراغوا. كما امضى فترة حرب الخليج الثانية عام 1991 في العراق ورجع الى وطنه عام 1994 مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وقد تم اعتقاله لمدة 18 شهراً من قبل الفلسطينيين بعد قيادته لسلسلة من الاحتجاجات بسبب ارتفاع اسعار المواد الغذائية. وخرج من السجن يملؤه عزم واحد وهو شن حرب خاصة به هو بصرف النظر عن ثمن هذه الحرب عليه. ويملك الرجل نظره فلسفية بشأن قدره، فيقول: «بامكانك ان تأخذ احتياطاتك، ولكن في النهاية، ليس هناك سوى الله وقائد الطائرة إف ـ 15 فقط هما اللذان يعرفان من هو هدف هذا اليوم . ليس هناك معنى من الاعتماد على هذا الامر. بدلاً من ذلك أقوم انا بالاستمتاع بحياتي وبوقتي مع اطفالنا». يقوم افراد عائلته بالتنقل من مكان الى اخر في معيشتهم مرة واحدة على الاقل كل شهرين ويجب على ولديه عطية ـ 12 عاما ـ وعماد ـ 9 أعوام ـ ان يستخدما اسماء مزورة عند تقديم انفسيهما لأي اصحاب جدد. يقول عنهما ابو سمهدانة: «لقد كان عليهما ان يكبرا قبل الاوان ويكونا مسئولين وعالمين بالمخاطر التي تحيط بهما، ولكن على المدى البعيد، سوف يؤتي هذا الاسلوب ثماره، فهما يعلمان ان الحرية لا تمنح مجانا ولكن تأتي مقابل ثمن غال. ويضيف: انا اذهب الى بيتي واريد ان العب معهما واكون ابا طبيعيا يقوم بأشياء طبيعية مثل مساعدتهما في واجباتهما الدراسية، وابتعد عن الكلام في الحرب ولكنهما يودان ان اتحدث عن الحرب ويتعلمان الامور المتعلقة باستخدام البنادق». اما ابنته ريم ـ 4 سنوات ـ وابنه الاصغر محمد ـ عامان ـ فهما لا يعلمان شيئا عن الحرب والاخطار يقول عنهما: «ريم تتعلق برجلي وتقبلني وتحتضني بشكل مستمر وتمسح على شعري ودائما تطلب من امها ان تتصل بي عندما اكون بعيدا عنهم». ويضيف: اضطرت زوجتي ان تكون رجل العائلة، ولكن عندما ارجع تقوم باطعامي واعداد الحمام لي وتعطيني الملابس النظيفة وتدلعني من دون ان تسأل عن مدة غيابي التالية. وعندما انوي الرحيل لا اسمع او ارى اي دموع او توسلات منهم للبقاء معهم ولا اي كلمات عن اسلوب الحياة الذي اختارته، فقط اسمع بعض الكلمات التي تحثني على ان اكون حذرا وان اكون على اتصال بهم بقدر الامكان. فيا لها من امرأة عظيمة». يقول ابو سمهدانة انه غير قلق مما سيحدث لعائلته بعد موته. ويضيف: انني متيقن من انهم سيحيون حياة افضل من تلك التي يعيشونها الآن. فعلى الاقل سيتلاشى خوفهم المتواصل من غيابي وسوف يعمل اخوتي وأخواتي على ضمان توفير منزل مريح ومستقبل طيب لهم». ترجمة: حاتم حسين عن «صنداي تايمز»