الاربعاء 5 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 8 يناير 2003 اليوم وبعد مرور عقد من الزمان على انهيار الاتحاد السوفييتي، تستطيع معظم الدول حديثة الاستقلال ان تجد على الاقل شيئا من التقدم لتباهي به امام شعوبها في اعيادها الوطنية. لكن هدا الكلام لا ينطبق على تركمانستان التي صادف عيدها الوطني يوم الـ 27 من اكتوبر بعد 11 عاما من استقلالها عن موسكو، فالاحتفالات الباذخة التي نظمتها الدولة هذا العام لم تخف حقيقة ان اوضاع التركمان الآن من كافة النواحي اسوأ مما كانت عليه في نهاية الثمانينيات رغم كل القمع الثقافي والقيود الاقتصادية التي كانت سائدة في ظل الحكم السوفييتي. ويبدو هذا غريبا اذا علمنا ان تركمانستان التي تغطي الصحراء معظم اراضيها تملك خامس اكبر احتياطي غاز طبيعي في العالم وينبغي ان تتمتع بثروات عائدات الغاز والاستثمار الاجنبي. لكن في حين نشطت البلدان الاخرى في منطقة قزوين في مغازلة الاستثمار الغربي فان الرئيس صابر مراد نيازوف سلك طريق الترويج الشخصي والعزلة الوطنية بما يشير الى ان النموذج الذي اختاره لبلده اقرب الى كوريا الشمالية منه الى اميركيا الشمالية. ويعود عهد المشاكل الى السنوات الاولى بعد الاستقلال حين تحرك نيازوف لاستئصال ستة عقود من السيطرة السوفييتية بالبدء في عملية «التركمة» او «التوطين» في انحاء البلاد لمحو آثار السوفييت وهو ما تحول سريعا الى تمييز واضح ضد الناطقين باللغة الروسية الذين كانوا يسيطرون على القطاعات الادارية والتعليمية والطبية في البلد. وتجسدت تلك النزعة بأقوى اشكالها في العاصمة عشق اباد حيث لم تكن اللغة التركمانية متداولة في الجامعة الوحيدة في البلد او في الدوائر الحكومية او المعاهد العلمية او العيادات او المصانع او حتى الحافلات العامة وبسبب جهود نيازوف لمحو كل اثار روسيا من الغاء الابجدية السيريلية الى تجنب اي ذكر لزوجته الروسية راحت البلد تفقد ذخيرتها الرئيسية من الخبرات المهنية. وفي الوقت ذاته كان الرئيس ماضيا في بناء قومية ذات طابع شخصي يكون هو حجر الزاوية فيها، وسلطت نجاته من محاولة الاغتيال في شهر نوفمبر الماضي الضوء على مدى ارتكاز حكومة البلد عليه شخصيا. كان هناك قدر كبير من الحماقة في الترويج لنيازوف على انه الرمز الذي يجسد القيم التركمانية التقليدية وهو بذلك يستحق لقب «تركمانباشي» او «ابو التركمان» حتى انه يصعب الآن تذكر ان نيازوف ليس اول رئيس لتركمانستان المستقلة فحسب بل كان ايضا آخر زعماء البلد في الحقبة السوفييتية بعد ان اصبح رئيس لجنة الحزب الشيوعي في عام 1985. وحتى الآن يتحدث نيازوف التركمانية بنبرة غير واثقة ويزل لسانه نحو الروسية في بعض الاحيان. ومع ذلك فقد استطاع الرئيس التركماني تحقيق انتقال مذهل من كونه عضوا تقليديا في الحزب الى نموذج اولي وطني وذلك باللعب على وتر تناقضات الثقافة التركمانية التي تتسم بالدمية والتفكك في الوقت ذاته. وتنبع المظاهر الهرمية من عرف بدوي قديم انتج مجتمعا تسوده السلطة الابوية التي تتسم بالمحافظة الفطرية التي تبتعد عن مساءلة السلطة وبغياب التمدن او اية جهود جادة رامية لترسيخ الحس بالهوية الوطنية، كانت تركمانستان السوفييتية بلدا تشكل فيها العائلات واسعة الامتداد والجذور المحلية المصادر الاساسية للولاء في حين لا توجد اي بؤرة مركزية لشد الامة في رباط واحد. ودخل نيازوف الى هذا الخواء متسلحا بأيديولوجية تقدمه ليس فقط على انه «أب مؤسس» للبلد بل ايضا على انه الامل الوحيد للوقوف في وجه مصدرين كبيرين للتشظي والتفكك وهما موجة الانماط الاجتماعية المستوردة في الغرب وتفكك البلد بسبب الحزازات بين الزمر المختلفة. لكن الترابط القومي الذي زعم نيازوف انه يجسده ضاع وسط عباءة النزعة الشخصية الضيقة التي بدت واضحة وخرقاء من خلال التماثيل الكثيرة لنيازوف واحيانا لامه والتي تذكرنا بأساليب الانظمة المركزية الشيوعية على الرغم من محاولات التزييف العلني للحقائق في احتفالات العيد الوطني العاشر فان الواقع المرير على الارض لم يغب عن اذهان من شاهدوا الاحتفال البراق المترف. الحقائق المريرة تتحدث عن نفسها بنفسها في تركمانستان، فالحالات الطبية مثل السكري التي يسهل السيطرة عليها في بقية انحاء العالم لاتزال تعتبر امراضا قاتلة في تركمانستان حيث شجع النقص في الاطباء المدربين على عودة الادوية الشعبية التي كانت تستخدم قبل قرون كما تم اختزال سنة من سنوات التعليم الالزامي برغم اعادة بناء المناهج المقررة حول مؤلف خاص جمع فيه نيازوف خلاصة الثقافة التركمانية وقدمه للامة العام الماضي. في هذه الاثناء لاتزال القيود الاقتصادية في البلد مستشرية كعهدها ايام السيطرة الروسية وفي الواقع فان الركود الحالي يمكن ان يعزى مباشرة الى سياسات نيازوف الذي كان اصلا يرى مستقبل تركمانستان في تصدير ثرواتها في الطاقة عبر خطوط انابيب هائلة عبر روسيا وايران الى تركيا وأوروبا وحتى عبر افغانستان وباكستان الى السوق الهندية الضخمة. وكانت تلك الطموحات محفوفة بالمخاطر نظرا للشكوك المثارة احيانا حول الاستقرار والوضع الدولي للعديد من تلك الحكومات المجاورة لاسيما في طهران وكابول. وعلاوة على ذلك فان الطمع الصارخ الذي اظهره نظام نيازوف اثنى الشركات الغربية المهتمة في تنفيذ المشاريع عن القيام بنشاط في تركمانستان ومع ان المعوقات البيروقراطية والمشاكل في تطبيق العقود موجودة في بلدان كثيرة اخرى غير تركمانستان لكن اصرار مسئولي ادارة البلد على طلب الرشاوى جعل جميع الشركات متعددة الجنسيات تنفر من القيام بمشاريع هناك لانها لا تستحق العناء المترتب عليها ويكاد لا توجد في الساحة التركمانية سوى شركات البناء التركية التي تعمل في عشق اباد. واما بالنسبة لمستقبل البلد فليست هناك اية بوادر تشير الى تغيير النظام عما قريب، ففي شهر اكتوبر الماضي تجددت الشائعات حول اعتلال صحة نيازوف بسبب ظهور طبيبه الالماني في عشق اباد لكن الرئيس البالغ من العمر 62 عاما ـ والذي يشار اليه الآن باسم «تركمانباشي الاكبر» لا يواجه اي معارضة سياسية فاعلة ومن الادلة المتوفرة الى الآن يبدو واضحا ان محاولة الاغتيال في نوفمبر ليست في عمل اي جماعة معارضة منظمة. في هذه الاثناء لاتزال المصالح الغربية في تركمانستان صغيرة رغم ان البلد يشترك في حدود مع كل من ايران وافغانستان وذلك يعود الى حد كبير الى ان نيازوف قمع اي نزعة محلية نحو التطرف. كل هذه الاوضاع تترك قرابة خمسة ملايين تركماني بدون اي امل حقيقي للتغيير باستثناء ربما صياغة ألقاب رنانة جديدة للرئيس نيازوف. ترجمة:علي محمد _ عن «واشنطن بوست»