الثلاثاء 4 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 7 يناير 2003 غدت الصور الملتقطة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وهو يقف مبتسماً مع الرئيس الأميركي جورج بوش والرؤساء الغربيين الآخرين، شائعة للغاية في الفترة الأخيرة، بحيث أصبحت تغطي على أهمية هذه الاجتماعات التي يعقدها الرئيس الروسي مع نظرائه الغربيين ففي العاصمة الايطالية روما في الثامن والعشرين من مايو الماضي وقع الرئيس الروسي اتفاقية مع الاعضاء التسعة عشر في حلف «الناتو» حصلت بموجبها روسيا على دور فعال في عملية اتخاذ القرارات الصادرة عن الحلف. ولقد كان الأمر بمثابة خطوة غير عادية من قبل «الناتو» إذ وافق على مثل هذه الاتفاقية لا سيما وأن الحلف كان في الفترة من 1949 إلى 1991 يمثل عامل الردع الأساسي الذي يحمي الغرب من الاعتداء السوفييتي، وكان الأمر بمثابة تغير على الدرجة نفسها من الأهمية بالنسبة لروسيا التي قضت معظم سنوات التسعينيات تندد بالحلف وتحاول منع خطط توسعه نحو الشرق ليضم دول حلف وارسو المنهار. وربما تبدو عملية منح روسيا مقعداً على طاولة حلف «الناتو» بمثابة اكمال التغير الحاصل للحلف وتحوله من منظمة عسكرية إلى منظمة سياسية ودبلوماسية في المقام الأول، غير انه في ضوء الحرب على الارهاب التي تقودها أميركا وما يترتب على هذه الحرب من العودة إلى اثارة بعض القضايا المتعلقة بالانتشار العسكري والتركيز على تقنية الحرب فإن «الناتو» يواجه أسئلة وقضايا خطيرة متعلقة بكيفية رده واستجابته لتلك الدول من وسط وشرق أوروبا التي تريد أن تصبح أعضاء في الحلف في الوقت الذي لا تستطيع هذه الدول تقديم أي اسهام عسكري ذي قيمة لـ «الناتو». ومنذ منتصف التسعينيات يحاول «الناتو» مساعدة دول أوروبا الشرقية واعدادها لعضويته وتمت دعوة ثلاث دول في عام 1997 وهي جمهورية التشيك والمجر وبولندا، لتنال عضوية كاملة في المنظمة وكان من المفترض ان يلحق الآخرون بركب الانضمام بسرعة، ولكن بحلول عام 1999 عندما تبين ان انضمام هذه الدول سيرفع عدد الأعضاء إلى 19 أثارت تجربة الحلف في كوسوفو تساؤلات حول مدى فعاليته كقوة عاملة مؤثرة. فلقد أصيبت الولايات المتحدة، التي دخلت الحرب ضد الصرب تحت مظلة «الناتو» باحباط شديد عندما اكتشفت انها مطالبة بتأمين موافقة كل عضو في الحلف قبل القيام بأي ضربة عسكرية وان كل خطوة استراتيجية تخضع لمناقشات محتدمة، وبشكل مفاجئ بدت فكرة توسيع نطاق الحلف باعتبارها تمثل عوائق عملية حقيقية. وقد تبلورت وزادت هذه الفكرة العام الماضي في ضوء الصعوبة غير المتوقعة التي شابت عملية دمج الدول الثلاث المنضمة حديثاً في هيكل المنظمة، ففي الوقت الذي أظهرت بولندا التزاماً حقيقياً وكان بالفعل لديها بعض الوحدات العسكرية التي حظت بتقدير خبرات «الناتو» كانت كل من المجر وجمهورية التشيك تكافحان بشدة من أجل توفير ميزانية عسكرية عالية تمكنهما من الوفاء بمتطلبات التحديث التي تتطلبها عضوية الحلف. وكانت واشنطن كذلك تشك في ان الاتحاد الأوروبي ينظر إلى عضوية «الناتو» على أنها جائزة تُمنح على سبيل التعويض والعزاء لدول أوروبا الشرقية التي لا تريد أميركا ضمها للاتحاد الأوروبي، وبالتالي كانت تحث على اجراء عملية التوسيع بصرف النظر عن تأثير هذه العملية على قدرة الحلف العسكرية والتزاماته الكبيرة. وفي ضوء هذا الأمر اختارت أميركا بشكل مفاجئ ألا تعتمد على قيادة «الناتو» في حربها ضد الارهاب، وعمدت إلى تكوين تحالفات خاصة تتفادى من خلالها المشكلات المتعلقة باتخاذ القرارات وتناسب المعدات التي قابلتها في كوسوفو. غير ان احداث الحادي عشر من سبتمبر أوجدت علاقات أقوى بين واشنطن وموسكو، الأمر الذي دفع ببوتين إلى أن يقلل من معارضة روسيا لتوسيع الحلف، وهو الأمر الذي لم يكن تنازلاً بسيطاً من قبل موسكو لا سيما وأن انضمام استونيا سوف يعني ان تكون قوات الحلف على بعد 100 ميل من سانت بيترسبرغ وقد استغل رئيس الوزراء البريطاني توني بلير هذا الجو والروح الجديدة من التعاون ليقترح تكوين ما أطلق عليه «مجلس ناتو ـ روسيا» وهو المجلس الذي تم انشاؤه الشهر الماضي أثناء قمة روما واجتمع اعضاؤه لأول مرة في السادس من يونيو وتم خلالها منح روسيا صوتاً في قدر كبير من أعمال «الناتو». هذا النوع من المهادنة والتساهل من قبل موسكو رفع من الحاجة الملحة إلى حل قضية دول أوروبا الشرقية المتقدمة لعضوية الناتو، لاسيما في ضوء انه لا أحد يستطيع ان يؤكد إلى متى ستستمر هذه المهادنة وهذا التساهل من قبل روسيا. ولا شك ان الأزمة واضحة الأركان وجلية للغاية، فعملية توسيع الحلف تتمتع بجاذبية كبيرة من وجهة النظر السياسية، ولكن من الناحية العملية لا تقدم إلا القليل، فالدول المرشحة للعضوية لديها جيوش من المجندين غير المدربين بشكل كاف، والذين تعوزهم المعدات بشكل كبير، ولا يزال مبدأ السيطرة المدنية على الجيش يعد أمراً جديداً وغير مألوف. والأخطر من ذلك ان قبول تلك البلدان في عضوية الحلف سوف يزيد من الاعباء الملقاة على عاتق «الناتو» حيث ان الاعتداء على احدى هذه الدول يحتم التعامل معه على انه اعتداء على جميع الدول الاعضاء، وبعض من الدول المرشحة للانضمام لها حدود مع بلدان لا تتمتع حتى الآن باستقرار كامل، وسوف يؤثر انضمام تلك البلدان على مصداقية الحلف التي ظلت طوال أكثر من نصف قرن عامل القوة الاكبر له، فالولايات المتحدة ربما تجنح للدفاع عن لندن أو برلين، ولكن هل ستقوم بالشيء نفسه وتدخل حرباً للدفاع عن صوفيا أو ريجا؟ غير ان الاعتبارات السياسية ترجع قبول اكبر عدد ممكن من الاعضاء فالدول التي لا تملك إلا قليلاً من الأمل لدخول الاتحاد الأوروبي ترى عضوية الناتو على انها جائزة مادية لها على جهودها لاصلاح اقتصاداتها وحكوماتها. كما ان هذه البلدان ترى «الناتو» ضامناً يمكن الاعتماد عليه بشكل أكبر من الاتحاد الأوروبي للحفاظ على أمنها واستقرارها. وعندما قال وزير الخارجية الأميركي كولن باول مؤخراً ان بلاده سوف تؤيد «توسيعاً كبيراً» لعضوية الحلف، فإنه ربما كان يشير إلى ان واشنطن تتوقع ان يكون دور الحلف دبلوماسياً اكثر منه عسكرياً. وفي الوقت الذي يفتح فيه هذا التصريح الباب أكثر لتوسيع العضوية، فإنه ربما يتسبب أيضاً في ان يجعل هؤلاء الذين يفكرون في الانضمام بجدية يتساءلون عما هي بالتحديد طبيعة الحلف الذي سينضمون إليه. ترجمة: حاتم حسين _ خدمة «نيويورك تايمز» _ خاص لـ «البيان»