الاثنين 3 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 6 يناير 2003 احتجاج أهالي الطلاب الضحايا في عتنئيل ضد ادارة المستوطنة التي رفضت اقامة جدار حولها كان من الممكن ان يصبح الشرخ الاول في ادعاء المستوطنين بأنهم جزء طبيعي من المناطق، واقامة الجدار حول المستوطنات هي عودة في الواقع لحدود يونيو. عملية عتنئيل قبل اسبوع هي أكثر من مجرد حادثة دموية في سلسلة لا متناهية من الافعال وردود الافعال التي نعيش في داخلها. فهل كان الحدث ردا سريعا على مقتل تسعة فلسطينيين قبل ذلك بيوم؟ وهل أدى موت هؤلاء الفلسطينيين التسعة الى القضاء نهائيا على المحاولة المصرية لايقاف العمليات؟ وربما مثلما تدعي دولة اسرائيل الرسمية برئاسة ايهود يعاري، عرفات هو الذي يقوم بفرملة العملية. كل هذه الاسئلة عابرة واجاباتها عابرة، فهي سرعان ما تتحول الى ذكرى مبهمة خلال اسبوع، الا ان عملية عتنئيل حولت العملية الى شيء ما آخر مغاير، اذ خرج أهالي التلاميذ في المعهد الديني الى وسائل الاعلام وأبرزوا مراسلاتهم مع الادارة حول الترتيبات الامنية في الموقع. الأمهات قلن للمسئولين ان اولادهن يريدون الدراسة في المناطق، وأنهن لا يوافقن على ان تل ابيب مكان أكثر أمنا. الأمهات قلن ايضا انهن لا يستطعن منع أولادهن من ذلك، ولذلك يتوجب على الحكومة أن تحرص على أمنهم. وأنا على قناعة ان الضغوطات مورست فورا على هؤلاء الأهالي، والدليل على ذلك ان الضجة حولهم قد تبددت بسرعة، وهذا ليس صدفة، اذ ان موقف هؤلاء الأهالي قد تسبب بالشرخ الأكبر الذي تفتح فجأة وأكبر مما كان عليه في أي وقت سابق في المشروع الاستيطاني. قادة المستوطنات في المناطق ليسوا أناسا أغبياء، ولذلك أدركوا انهم اذا لم يسارعوا الى معالجة هذه التصدعات فان هذه ستكون بداية النهاية. المستوطنون يجلسون منذ سنوات بقرب صحن السلطة ويتمتعون بميزانيات ضخمة، ويستخفون بكل محاولة للتسوية، وبواسطة طريقة الابتزاز التي ابتدعوها لم يعد مهما من الذي يكون في الحكم، فالمستوطنات تزداد وتكبر بصورة طبيعية، حتى اذا لم يرغب أحد في الواقع بالسكن فيها. ولان هذا الابتزاز يمر منذ سنوات وينجح، فهم متأكدون ان الشعب يحبهم ويقدرهم فعلا. الا انهم مخطئون جدا في موقفهم هذا، فالشعب عالق معهم وهو يلعنهم بصمت في الظلام ومن دون أن يسمع أحد لأن ذلك ليس لطيفا. عتنئيل مثلا هي احدى المستوطنات التي يقال عنها انها مستوطنة منعزلة، فهي مستوطنة لا توجد حاجة لها، ووجودها انما يعرقل عملية السلام المحتملة فقط. ولكن سكانها لا يريدون تصديق ذلك والاعتقاد به، وحتى يقنعوا انفسهم بأنهم ينتمون الى محيطهم فعلا ابتدع المستوطنون انتقاداتهم المناهضة لاقامة الجدار الأمني. وهذا ادعاء صادق من ناحيتهم، ذلك لان وضعهم خلف جدار الكتروني يتحول الى اعتراف صريح بأنهم نبتة غريبة في محيط لا يرغب بهم. ومن الممكن ابعاد الطرق الالتفافية عن الأنظار أما الجدار فليس من الممكن اخفاؤه. والدليل على ذلك انهم قد تحولوا في قطاع غزة في العامين الاخيرين الى حصون على طراز قلعة متسادا وأصبح واضحا للجميع ان اسرائيل تنتظر فقط اللحظة المواتية لاخلائهم والخلاص منهم، لان ذلك يكلف دما باهظا ولا داعي له. لذلك، ما حدث في عتنئيل وخصوصا رفع أهالي التلاميذ لرؤوسهم وأصواتهم كان في الواقع الصدع الاول في المرآة. المستوطنون لم يعودوا يستطيعون الادعاء بأنهم جزء طبيعي من المشهد في المناطق. ومن اللحظة التي يوضع فيها الجدار يتضح نهائيا انهم مثل الشوكة في المؤخرة، وانهم ازعاج، وكل الحكايات حول حسن الجوار والاندماج في صفوف العرب «الطيبين» و «الهادئين» تتحول الى هراء بهراء. الأهالي الذين نهضوا في الاسبوع الماضي وقالوا بصوت مرتفع ان الملك عارٍ من ملابسه هم بداية عملية لا يمكن ايقافها. فمن الواضح ان قسما كبيرا من المؤسسات التعليمية اليهودية في الضفة والتي تجر اليها الشباب اليميني انما تستغل هؤلاء الشبان المتحمسين. ذلك لان مثل هذه المؤسسات يمكن ان تتأسس في النقب مثلا، هناك قد يكون الامر أقل قداسة الا انه أقل خطورة. والأهالي الذين يعيشون في وسط البلاد، والذين هم الاغلبية المستسلمة في العادة، يحبون المشروع الاستيطاني طالما انه لم يشكل خطرا على حياتهم. وقد أصبح خطرا الآن وبلا داعي. الحركة الاستيطانية، وقد آن الأوان للاعتراف بذلك، كانت خطأ تاريخيا ابتدعه حزب العمل ونحن ندفع ثمنه بدمائنا، ولكن هذا الامر قد قيل مرات كافية ولا يوجد فيه أي جديد، الا ان ما حدث هذا الاسبوع في اطار عملية عتنئيل قد أضاء الامور فجأة وأضفى عليها ألوانا جديدة توضح الصلة بين بضعة عشرات من الآلاف من الناس الذين يعيشون في المستوطنات فعلا وبين مئات الآلاف من المؤيدين لهم، الذين أدركوا مع الوقت ان هذه الفكرة قد تكون جيدة الا انها غير قابلة للتطبيق وتتسبب بالأضرار والدماء بصورة أساسية. ومنذ اللحظة التي بدأ فيها تمرد الأهالي، يمكن القول انه لم تعد هناك طريق للعودة. الجدار الذي سيوضع حول عتنئيل وحول كل المستوطنات في الضفة ليس مجرد مشهد رهيب لاهدار النقود وانما هو برهان لعدم انتمائهم للمكان. تماما مثلما يعتبر الجدار الفاصل عودة لحدود يونيو 1967 وبداية للانفصال من اجل اقامة دولتين للشعبين. التشكيك في المشروع الاستيطاني هو امر جيد طبعا، ذلك لان اغلبية الجمهور الاسرائيلي توضح لنا اسبوعيا من خلال الاستطلاعات انها معنية بشارون كرئيس للحكومة، الذي سيجلب اتفاق سلام ويخلصهم من المناطق المحتلة. والمصيبة هي ان المستوطنين قد تحولوا حتى اليوم الى بقرة مقدسة لا يستطيع أحد ان يمس بها، وصرخة الأهالي الذين يرسلون أبناءهم للدراسة هناك تحديدا قد تكون شرخا أول في دائرة البلادة الفكرية والحسية. وهكذا يتبين ان العملية الوحشية وموت التلاميذ الشبان الاربعة بلا داع كان من الممكن ان يتمخض عن شيء ايجابي للمستقبل، ولذلك من الخسارة انه لم يحرك الامور في الاتجاه المطلوب. بقلم: جال اخوبسكي _ عن «معاريف»