الاثنين 3 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 6 يناير 2003 تصور لحظة درامية في كتاب «سيد مجلس الشيوخ» لروبرت كارو ـ وهو كتاب تقل فيه اللحظات الدرامية ـ مؤامرة بطلها مسئول يدعى كاتب القراءة في مجلس النواب الاميركي ومهمة كاتب القراءة في مجلس النواب هي ان يحمل مسودة القانون الجديد بعد ان يقره اعضاء المجلس ويمضي بها ليعرضها رسميا على اعضاء مجلس الشيوخ. في كتاب كارو يحاول عضو ليبرالي عابث في مجلس الشيوخ ان يعيق كاتب القراءة بحيث لا تقع مسودة قانون الحقوق المدنية الآتية من مجلس النواب بأيدي لجنة الشئون التشريعية المحافظة في مجلس الشيوخ، غير ان ليندن جونسون بدهائه يناور بكاتب القراءة عبر اروقة المجلس دون ان يلحظه احد ويساعده في اكمال مهمته. وقد تصادف ان شهدت لحظة مشابهة لتلك حين مناقشة قانون تخويل الرئيس بوش بشن حرب ضد العراق حينها صادق مجلس النواب الذي كان في تلك الايام التي سبقت الانتخابات اكثر ميلا باتجاه المحافظين على القانون ظهيرة يوم 10 اكتوبر فيما كان مجلس الشيوخ لايزال يناقشه وكان هناك ثلاثة او اربعة اعضاء يقفون في منتصف القاعة ويتجولون هنا وهناك ويتحدثون مع بعضهم. كان ديك دوربين الديمقراطي يتحدث حينها ويعرض تعديلا يتطلب من الرئيس اثبات ان العراق يشكل تهديدا عسكريا حقيقيا للولايات المتحدة قبل ان يتمكن من توجيه اوامره بالحرب وقد كان لهذه الكلمات وقع مثير يشابه تلك الخطب التي نسمعها عادة اوقات الظهيرة الكسولة في مجلس الشيوخ التي يتحدث فيها الاعضاء في ذكرى الابطال التاريخيين ويعددون مآثرهم او يطلبون توفير التمويل لبعض البرامج الصغيرة التي يدعمونها اما بايرون دورغان الديمقراطي ايضا وهو احد الشعبويين الاقتصاديين في مجلس الشيوخ فقد ظهر في شرفة الصحافة في المجلس للدفع بأجندة حزبه الرئيسية ذلك اليوم والتي كانت «تغيير الموضوع» كان دورغان يهاجم سياسة بوش الاقتصادية حينما يعرض دوربين تعديله القانوني وقد اختار معظم المراسلين الاستماع لدورغان بدلا من دوربين. لم يكن هناك سوى اثنين او ثلاثة في شرفة الصحافة يطلون على القاعة وفي الساعة الرابعة دخل كاتب القراءة ليقول: «سيدي الرئيس رسالة من مجلس النواب» وسلمه نسخة المجلس من قرار الحرب والاشارة الوحيدة على ان احدهم قد انتبه لذلك هو ان دوربين توقف عن الكلام لدقيقة وبعد منتصف الليل صادق مجلس الشيوخ على القرار ليمضي الاعضاء كل الى دياره ويستأنفوا حملاتهم الانتخابية. كان هاجس الحرب في العراق يسيطر على واشنطن خلال الفترة بين نشر مقال برنت سكوكروفت لمقاله المعارض للحرب في وول ستريت جورنال يوم 15 اغسطس وخطاب الرئيس بوش المتلفز في سنسناتي الذي اوضح فيه تفضيله للحرب في 7 اكتوبر وبعد الخطاب اصبح واضحا ان زعامة الديمقراطيين في مجلس الشيوخ لن تعارض قرار تخويل الرئيس بشن الحرب قبل ان يلتفت تركيز المدينة الهش دوما الى مكان آخر نحو القناص الذين كان يثير الخوف في ضواحي واشنطن ثم انتخابات منتصف المدة. ومع ان طبول الحرب قد هدأت لفترة حينها الا ان احتمال اندلاعها لم يتراجع، فقد حصلت اميركا من الامم المتحدة على قرار يطلب من العراق نزع اسلحته والا فانه سيواجه «عواقب وخيمة» ثم تصاعدت التحركات العسكرية الاميركية فوق وحول العراق وكان اخرها زيارة وزير الدفاع للمنطقة. وقد زرت مؤخرا دانييل غور وهو خبير عسكري في معهد لكزفتون القريب من البنتاغون والذي حسب بيانه الرسمي عن مهمته «يؤمن بالحد من الدور الحكومي ضمن الوظائف المحددة علنا او ضمنا في الدستور» وقد عمل غور في البنتاغون في عهد بوش الاب مساعدا لبول ولفويتز الذي كان حينها وكيل وزارة الدفاع ويحتل الآن منصب نائب وزير الدفاع ويعتبر احد قادة الصقور في واشنطن وخلال حرب الخليج كانت مهمة غور محاولة اكتشاف مواقع صواريخ سكود العراقية. قال غور ان الصعوبة التي واجهتها اميركا في الحصول على قرار من الامم المتحدة ربما يعني ان الحرب ستؤجل الى ما بعد انقضاء الشتاء حيث يعتقد معظم الناس في واشنطن انها ستقع فعلا ويضيف: «من الواضح ان هناك خططا بديلة لاعلانها في وقت لاحق. لقد تحدثت مع بعض المخططين اعلانها في الصيف مثلا كذلك اذا ما كنا سنستخدم 75 الف جندي فنحتاج ستة اسابيع حتى نصبح جاهزين لكن اذا ما كنا سنستخدم 250 الف جندي فسنحتاج 12 اسبوعا وبالتالي فان جدول الحرب يعتمد على حجم القوات ايضا ثم هناك مسألة من سيسمح لنا باستخدام اراضيه واجوائه ومن الذي سيقدم العون لنا اذا ما رفض الاتراك والسعوديون التعاون فهذا يعني تأجيل الحرب الى الصيف». المرحلة الافتتاحية من الحرب قد بدأت في العراق يقول: «من المفترض ان يكون للاسرائيليين الان قوات خاصة موجودة غرب العراق حيث توجد صواريخ سكود، اذا ابعدنا صواريخ سكود عن غرب العراق فلن تستطيع اصابة اسرائيل واذا ابعدناها عن جنوب العراق فلن تستطيع اصابة السعودية لقد ارسلنا الى هناك قواتنا الخاصة ايضا ضمن عملية خاصة تديرها السي آي ايه لكن بطواقم عسكرية انهم يبحثون عن صواريخ سكود واسلحة الدمار الشامل وربما عن صدام حسين نفسه لقد ارسلناهم بالمروحيات الى داخل العراق ويحصلون على امداداتهم برا هذا يجري الآن اما الحرب الفعلية بداية اطلاق النار فستبدأ ليلا بآلاف من الطلعات الجوية ستكون شبيهة بالليلة الاولى من حرب الخليج غير اننا الآن نستطيع احداث خمسة اضعاف الدمار بربع العدد من الطائرات. لقد تطورت التقنية العسكرية الاميركية بشكل كبير منذ حرب الخليج كما يقول غور فالانظمة الجديدة اخذت تدخل الخدمة سريعا لدرجة ان بعضها الذي لم يكن جاهزا في حرب افغانستان قبل عام من الآن ربما سيستخدم لاول مرة في العراق وبفعل تطور تقنيات المراقبة والاستطلاع الاميركية فسيكون لدى البحرية والقوات الجوية قائمة اطول بكثير من الاهداف مما كان لديهما في الليلة الاولى من الخليج فالاقمار الصناعية الجديدة قادرة على التمييز بين دبابة وباص من خلال طبقة سميكة من الغيوم، كما ان طائرات التجسس تستطيع قراءة خط اليد على لوح جداري من على ارتفاع 18 الف قدم كما ان سرعة تحويل المعلومات الواردة الى اوامر قد زادت جدا، كما يقول غور الذي يضيف: «ان ما كان يتطلب يومين او ثلاثة من التخطيط تقلص الى ساعات في افغانستان وكوسوفو وفي العراق سيتقلص الى مجرد دقائق». ويعدد غور قائمة من القذائف الجديدة التي يعتقد ان الاميركيين سيستخدمونها في العراق فقد شهدت افغانستان الاستخدام المكثف لاول مرة لما يسمى ذخائر الهجوم المباشر المشترك «جامز» وهو النظام الذي يحول القذائف العادية غير الموجهة الى قذائف ذكية باستخدام تنسيق بنظام تحديد الموقع العالمي يبثه لاسلكيا مباشرة الى طواقم القاذفات جنود على الارض. وهذه القذائف ستستخدم في العراق اكثر بكثير مما كان عليه الحال في افغانستان، هذا الى جانب قذائف ذكية جديدة تسمى جي بي يو 28 لم تستخدم منها سوى اثنتين فقط في حرب الخليج. تسمى قذائف جي بي يو 28 «مدمرة الدشم» لانها مصممة لنسف المنشآت المبنية تحت الارض ويمكن برمجتها باستخدام صاعق الاهداف القاسية الذكي الجديد لتخترق عمقا محددا مسبقا تحت الارض قبل ان تنفجر بحمولتها البالغة آلاف الارطال من المتفجرات الشديدة، او ان تنفجر بعد تجاوزها اربعة طوابق تحت الارض على سبيل المثال لان صاعقها قادر على تحديد الفارق بين التربة العادية والاسمنت ومن القذائف الاخرى التي يمكن استخدامها وينتظر ان تكون مفيدة في تدمير مواقع تطوير الاسلحة الجرثومية هناك القذائف الحرارية التي تخترق الفراغات المغلقة او الموجودة تحت سطح الارض ثم تطلق انفجارا يسبب موجه من الحرارة والضغط الشديدين الكافيين للقضاء على العوامل الجرثومية مثل الحجرة الخبيثة او الجدري، وقد اسقط الاميركيون قنبلة من هذا النوع في افغانستان الا انها اخطأت هدفها. (قال لي مايكل ليفي من اتحاد العلماء الاميركيين الذي تعتبر سياساته عموما معاكسة لمعهد لكز نغتون انه يتفق مع غور حول الاسلحة التي يحتمل استخدامها لاول مرة في العراق، غير انه يتشكك بامكانية توجيهها بالدقة الكافية بحيث يمكن الاستفادة من تطورها التقني، كما يشير الا ان العوامل الجرثومية يمكن ان تنجو من انفجار قذيفة حرارية اذا ما كانت مخزنة في حاويات مضادة للحرارة. وقذائف الميكرويف، وهي صنف جديد من القذائف ايضا، تنفجر في الجو وتطلق نبضات من الطاقة الكهرومغنطيسية تستهدف التجهيزات الكهربائية مثل المحولات والهوائيات والحاسبات وتحرقها حتى لو كانت تحت الارض ولم يتم استخدام قذائف الميكرويف في عمليات قتالية حتى الآن، لكنها ان نجحت فانها لن تسبب اضرارا بشرية او مادية مع انها تستطيع تدمير الانظمة داخل الابنية او تحت الارض من تلك التي لا يتوفر للطواقم الجوية بيانات عن موقعها الدقيق يقول غور: «هذه هي الاسلحة التي سنشهد استخدامها كثيرا في المدن العراقية مثل بغداد». ولكون القصف الاميركي سيكون اكثر فاعلية بكثير مما حدث في حرب الخليج، يقول غور ان «من الممكن البدء بالعمليات البرية في اليوم الرابع (في حرب الخليج بدأت العمليات البرية في اليوم التاسع والثلاثين) يمكننا الدفع بالقوات البرية نحو البصرة والجسور على الفرات ثم نرسل القوات جوا الى شمال العراق، ما نريده هو منع الحرس الجمهوري العراقي في الشمال من التحرك جنوبا نحو بغداد والحرس الجمهوري الموجود في بغداد من التحرك جنوبا نحو البصرة ثم بعد ان نسيطر على الفرات يكون كل ما علينا فعله هو التقدم نحو الشمال الغربي: سباق نحو بغداد. وفي اسوأ الحالات سيكون علينا مواجهة قوات برية عراقية وهزيمتها بشكل متكرر. انهم يترنحون. لن يكونوا اكثر من مخمدات سرعة في الطريق الى بغداد. اذا ما تفرقوا ستقضي عليهم قواتنا البرية. واذا ما كانوا متجمعين ستقضي عليهم قواتنا الجوية. وفي غضون ذلك وطوال الوقت سنعمل على تصيد اسلحة الدمار الشامل، لن ننتظر حتى انتهاء الحملة التقليدية. ستكون حربا متوازية ضد المواقع المشبوهة. ويذكر غور بضعة اسلحة جديدة يمكن استخدامها في هذه المرحلة من الحرب. ومن بينها دبابة الميدان الرئيسية المطورة ابرامز ام اي ايه 2 ومروحية ابتاشي لونغبو الجديدة التي لم تستخدم حتى الآن. والاثنتان تعتبران تطورا كبيرا عن سا سابقتيهما. وهناك ايضا نسخة جديدة عالية الارتفاع من الطائرة بدون طيار بريدايتور. ولدى السي اي ايه نسخة من بريدايتور تحمل صواريخ مثل تلك التي استخدمت في اغتيال احد رجال القاعدة في اليمن قبل اسابيع. يقول غور: «الجديد في اباتشي لونغبو هو انها تستطيع اكتشاف الدبابة برادارها او ان تسمعها او ان تراها. وتستطيع هذه المروحية حمل 16 صاروخ هيلغاير مضاد للدروع يتم توجيه كل منها بشكل فردي. وفوق مروحتها يوجد الرادار بحيث تستطيع الاختفاء عن الانظار وابقاء رادارها فقط فوق الافق. ان مروحية واحدة من هذه تستطيع القضاء على معظم كتيبة دبابات وهي تختفي وراء تلة. يقول غور ان على القوات الأميركية ان تعمل على وصول بغداد وبأسرع وقت ممكن: «ما ان نسيطر على البصرة يصبح بمقدورنا وصول بغداد في ثلاثة ايام على افضل تقدير واسبوع في اسوأل الاحوال. بالنسبة لبغداد هناك احتمالين الأول هو اجتياحها سريعا. الثاني هو حصارها، وقد يستغرق الحصار شهرا. وما ان نسيطر عليها حتى تصبح القوات العراقية في الشمال محاصرة بين الاكراد وبيننا. في غضون ايام سينهكهم الجوع وتنفد الامدادات. حينها نفاوضهم على الاستسلام. راودني الاحساس وانا استمع لهذا الرد بأن غور يسكن عالما يعتبر فيه محافظا لأنه يعتقد ان الهزيمة العسكرية للعراق تتطلب قوة برية كبيرة، بدا لي متحمسا جدا. واذا ما كان وصفه للحرب المحتملة مع العراق قريبا بشكل ما مما يسمعه المسئولون الأميركيون من خبرائهم العسكريين، يصبح من السهل حينها ان نفهم اذا ما كان احدنا واحدا من صناع القرار ان يبدو شديد الحذر جدا اذا ما عاند قرار الغزو. يقول غور: «ان الجميع بين القوتين البرية والجوية الاميركيتين يعطي قوة لا تقهر. هذا ما كانت عليه الكتائب الرومانية، او البانزر الالمانية. لا تقهر حقا. اعتقد ان الادارة الأميركية ستقوم بهذه الخطوة لأنها ستمثل موجة صدمة هائلة، عشر درجات على مقياس ريختر، في تأثيرها على تلك المنطقة. دعونا نكسب هذه الحرب و« هذه العبارة اصبحت ا سمعها كثيرا مؤخرا في واشنطن ـ «دعوها تتفاعل حتى نهايتها». لقد اوضحت الادارة الأميركية انها بعد الحرب ستبقى على احتلال عسكري للعراق. لكن الفكرة على المدى الطويل هي مثلما قال الرئيس بوش في خطابه بالامم المتحدة ان «شعب العراق سيستطيع يوما ما ان ينضم الى افغانستان ديمقراطية وفلسطين ديمقراطية وان يكون مصدر الهام نحو الاصلاح في كل العالم الاسلامي» وما يعنيه هذا بالضبط هو احد اهم الاسئلة المثارة بخصوص الحرب في العراق. فالمتشائمون في واشنطن يعتقدون ان الحرب، خصوصا اذا لم تتطور بالسرعة والرتابة التي يتحدث عنها دانييل غور، ستفرز فوق المناهضين لأميركا والاسلاميين والمتطرفين في كل الشرق الاوسط وانها يمكن ان تطيح بالنظام الملكي الموالي لأميركا في الاردن الذي يضم اعدادا كبيرة من المواطنين الفلسطينيين البعيدين عن السلطة والذي يعتمد اقتصاديا على النفط العراقي. بل ان مصر نفسها قد تتزعزع. اما المتفائلون فيعتقدون ان الحرب ستشجع الجماعات المعارضة في ايران وربما تقود لتقويض نظام الحكم الديني فيها وتخفيف النظام الحاكم في سوريا وكل منهما يمتلك اسلحة كيماوية وجرثومية ويؤوي جماعات تعتبر أميركا ارهابية اكثر من العراق. غير انه حتى هذه المنافع لأميركا ستكون ثانوية مقارنة بدخول الديمقراطية للشرق الاوسط الذي يعتبر المنطقة اللا ديمقراطية الاولى في العالم. وأخذ المرء يسمع من المحافظين على نحو متزايد هذه الايام الجدل القائل بأن الولايات المتحدة بشكل غير مقصود تضع العالم العربي ضمن معايير ديمقراطية منخفضة مما تتوقعه من مناطق اخرى في العالم بل ان بوش نفسه لا يستخدم كلمة ديمقراطية حين الحديث عن الشرق الاوسط الا بشكل متفرق، وفي خطاباته يستخدم بدلا عنها كلمة «حرية». والخطاب الوحيد الذي كرر فيه استخدام كلمة ديمقراطية كان في يونيو الماضي حينما تحدث عن السلطة الفلسطينية. ومن السهل معرفة السبب وراء عدم حديث بوش المتكرر عن الديمقراطية في الشرق الاوسط. فأي سياسي جيد لا يكثر من الحديث عن التوقعات اذا لم تكن محتملة موضوعيا الامر الذي يجعله يبدو مفرط التأكيد حتى بالنسبة لرجل يتصف بالتأكيد مثل بوش وهو يحاول ان يملي شكل الحكم على حكومات ودول اخرى فيما هو يغزو احداها. كما ان الديمقراطية كما نفهمها اي اختيار الشعب لحكامه بالانتخابات قد تؤدي الى انتصار الاسلاميين في الدول العربية خصوصا في غمرة الغزو الاميركي للعراق. وقد قال لي تشاس فريمان مؤخرا وهو الذي كان سفير واشنطن في الرياض ايام حرب الخليج: «انني انام قرير العين اكثر حينما كنت سفيرا في السعودية لمعرفتي بأن تلك البلاد ليست ديمقراطية. اذ ان كل تغيير ذي شأن طرأ على البلاد كان يأتي من القمة الى القاعدة وليس العكس ـ تعليم المرأة وادخال التلفزيون للبلاد والسماح للاجانب بزيارة المناطق الوسطى من البلاد والانضمام الى منظمة التجارة العالمية وغيرها. كل خطوة من هذه الخطوات كانت تواجه معارضة القاعدة عموما». غير ان «الديمقراطية» حينما تطبق على العالم العربي يمكن تعريفها بحيث تخفف المخاوف من عواقبها المحتملة المعادية للمصالح الأميركية. ففي عام 1979، نشرت جين كركباتريك مقالة بعنوان «الديكتاتوريات والمعايير المزدوجة» دحضت فيه بقوة جدلا ليبراليا، كان لدى المحافظين سابقا اي رد عليه ويقول ان الولايات المتحدة يجب ان تتوقف عن دعم الديكتاتوريات والعسكرية الموالية لاميركا اللاتينية وان تشجع الديمقراطية بدلا من ذلك. وفي مقالتها قالت كيركباتريك ان حكومات كالتي في نيكاراغوا كانت حكومات سلطوية وليست شمولية كحكومات الدول الشيوعية، وبالتالي فهي تستحق الدعم الأميركي لأن هناك املا حقيقيا في تحولها نحو الاتجاه الديمقراطي. هذه المقالة اعطت كركباتريك منصب السفير الأميركي للامم المتحدة في عهد ريغان. ووجهة نظرها هذه يمكن النظر اليها على انها قابلة للتطبيق في الشرق الاوسط ايضا لأن الولايات المتحدة كانت تدعم الانظمة الملكية والاوتوقراطية في مصر والاردن والسعودية وايران ومعظم الدول الاخرى في المنطقة. غير ان سقوط الشيوعية جعل المفكرين المحافظين على الاقل اقل صبرا في انتظار نشر الديمقراطية في كل مكان من العالم. سألت كركباتريك عما تعتقده حول فرص تحول الاوتوقراطيات العربية الى ديمقراطيات. قالت: «لقد أخذت اعتقد ان الثقافة تلعب الدور الرئيسي في نجاح التحول الى الديمقراطية. انه ليس امرا سهلا ابدا. افضل الفرص المتاحة لذلك في الشرق الاوسط هي في الاردن، وربما لبنان، اللتين تتمتعان ببعض التجربة الديمقراطية. لكن لا اعتقد صراحة ان انظمة اخرى ذات الثقافة التقليدية جدا او عديمة التجربة الديمقراطية ستنجز تحولها الديمقراطي في خطوة او اثنتين. كما زرت مسئولين رفيعين في وزارة الخارجية وسألتهما عما سيستتبعه دخول الديمقراطية للشرق الاوسط. ومع ان الاثنين امتدحا المشروع بحماس، الا انهما وصفاه بطريقة توضح انهما لا يتوقعان، بل وحتى لا يريدان، انتخابات حرة في كل المنطقة في المستقبل القريب. اليزابيث تشيني وهي ابنة نائب الرئيس ديك تشيني والتي اصبحت نائبة وزير الخارجية لشئون الشرق الادنى قالت ان التغيير في الشرق الاوسط «يجب ان يكون اكثر من مجرد الديمقراطية»، واضافت: «في العالم العربي هناك فقدان للحرية الاقتصادية، للحرية السياسية، للفرص التعليمية التي توفر للانسان المهارات التي تجعله ينجح في سوق العمل، فقدان لموقف قوي للمرأة. اعتقد اننا يجب ان نضع تعريفا للديمقراطية في البداية. ان من المهم ان نتحدث عن كل هذه الامور معا اكثر من الحديث عن الديمقراطية فحسب. انها مقدرة النساء على المشاركة في اتخاذ القرار والحكم. وهذا يعني الانتخابات، غير ان الانتخابات لن تكون ممكنة وذات معنى الا اذا كانت هناك مشاركة سياسية. غير ان الانتخابات في الكثير من الدول العربية اليوم قد تأتي بحكومات اسلامية. هناك عدة حالات في المنطقة نجحت فيها القوى الاكثر راديكالية في تطوير برامج تتضمن رسالة الى جانب وسائل ايصالها. وهذا ساعدها في كسب التأييد. من المهم جدا ان نمكن الجماعات الاخرى من ان تصبح مسموعة الصوت وان توصل رسالتها، وبالتالي فان القضية ليست فقط تمكين المعارضة من الحصول على مواقع في الحكومة او الاصلاح. ما نتخوف منه هو ظهور انظمة تتمكن فيها القوى التي تعارض الديمقراطية من الوصول للحكم ثم تمنع اجراء انتخابات لاحقة. اما ريتشارد هاس مدير مكتب التخطيط السياسي في وزارة الخارجية فيقول: «يجب الا يلجأ احد الى الخلط بين عملية دعم الديمقراطية وعقد انتخابات برلمانية في اليوم التالي وهي الانتخابات التي سينجح فيها الاسلاميون بالتأكيد باظهار اداء جيد لأنهم الوحيدون المسموح لهم بتنظيم انفسهم. ان الانتخابات البرلمانية ليست هي الخطوة الاولى. «ويعدد هاس مجموعة من الاصلاحات يجب ان تسبق الانتخابات: الاصلاح التعليمي، خصوصا للبنات وارساء حكم القانون وتعزيز المجتمع المدني وارساء حرية التجمع وحرية الصحافة»، ثم، البدء بالانتخابات على هذه الخلفية تدريجيا. الانتخابات المحلية اولا، او انتخابات وطنية، لكن لهيئات ذات صلاحيات محدودة. ثم ادخال آليات تدريجية للانتخابات العامة». سألته عن مدى مصداقية نظرية كركباتريك. اجاب: «ليس هناك خطأ في صيغة كركباتريك. ان دعم حاكم سلطوي لكن حداثي وراغب في تخفيف قبضته على الحكم تدريجيا يجب ان يكون اساس سياستنا». وهكذا فان دمقرطة الشرق الاوسط بعد الحرب في العراق، ستعني في ارض الواقع شيئا اقرب من التحديث او التحرير ـ بفرض ان الولايات المتحدة قادرة على التأثير على الدول في المنطقة غير ان الادارة لا تبدو راغبة في الشروع بشكل من الالتزامات المالية والعسكرية الضخمة والمطولة من تلك التي افرزت الديمقراطية في المانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية. ان الحرب في العراق ستعطي الولايات المتحدة مباشرة قوة عسكرية اكبر بكثير في الشرق الاوسط، اما الاصلاح السياسي فسيأخذ وقتا اطول. بقلم: نيكولاس ليمان _ ترجمة: جلال الخليل عن «نيويورك»