الاحد 2 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 5 يناير 2003 دأبت واشنطن طوال الشهرين الماضيين، تقريبا، على محاولة إبقاء أنظار العالم موجهة الى العراق مع الحرص على التقليل من شأن التطورات على الصعيد الكوري الشمالي واعتبار تهديدات بوينغ يانغ مجرد «تهويش» الهدف منه ممارسة الضغط عليها ودفعها نحو استئناف المفاوضات بخصوص مساعداتها للاقتصاد الكوري الشمالي المتداعي. لكن حينما أعلنت كوريا الشمالية، مؤخراً، أنها ستلغي عمليات المراقبة الدولية المفروضة على منشآتها النووية التي تنتج البلوتونيوم المخصب القابل لانتاج أسلحة نووية، أصبح واضحاً أن هذه المواجهة تجتاز منعطفاً أكثر خطورة مما تريد واشنطن الاعتراف به. يعود ظهور أول تقرير مفصل عن المشروع النووي الكوري الشمالي إلى اغسطس عام 2001، حينما ادعت مجلة كورية جنوبية أنها وضعت يدها على تقرير استخباري صيني حصلت عليه مخابرات كوريا الجنوبية قبل أن يتسرب للصحافة. ويتحدث التقرير عما كشفه تشون سون لي، وهو مسئول كبير في منشأة صناعية عسكرية ضخمة في كوريا الشمالية انشق عن بلاده ولجأ الى الصين في عام 1999. وقالت المجلة إن تشون زعم أن بلاده تدير موقعاً سرياً لمعالجة اليورانيوم تحت جبل تشون ما، كانت قد افتتحته عام 1989. ويصف تشون، الذي أعادته بكين إلى مصيره المحتوم في بيونغ يانغ، الموقع الذي يقع في بطن الجبل ويصله بالعالم الخارجي نفق يزيد طوله على ميل. ومهمة هذه المنشأة تحويل خام اليورانيوم الى درجة أكثر تخصيباً يمكن بعدها تحويله الى يورانيوم مخصب صالح للاستعمال في انتاج السلاح النووي. ومن هناك، حسب قول تشون، يؤخذ اليورانيوم بالمروحيات والشاحنات الى منشأة سرية أخرى تحت الأرض في أحد الوديان. غير ان هذه المنشأة ليست هي الوحيدة لدى كوريا الشمالية، إذ تواترت مزاعم الاستخبارات الأميركية وبعض الدول الآسيوية عن وجود ما لا يقل عن 22 موقعاً نووياً لديها. هذه التقارير الجديدة اعطت مصداقية لمزاعم أميركية سابقة، حيث كان الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون قد أعلم الكونغرس الاميركي سراً في عام 1998 عن مواصلة كوريا الشمالية للأعمال المدنية لإنشاء مزيد من المنشآت النووية. غير ان كل هذا اللغط قد انتهى باعتراف كوري شمالي صريح في أكتوبر الماضي بأن لديها برنامجا سريا لانتاج سلاح نووي لا يخضع للمراقبة الدولية، التي تم الاتفاق عليها مع الولايات المتحدة عام 1994. ففي مواجهة الضغوط من جانب الولايات المتحدة التي اكتشفت أن كوريا الشمالية تحاول سراً انتاج أطنان من الألومنيوم الصالح لانتاج أجهزة الطرد المركزي اللازمة لتخصيب اليورانيوم، أتى هذا الاعتراف ليزيد من حالة التصعيد في شبه الجزيرة الكورية ويخلق ويفرض أزمة أخرى على إدارة الرئيس بوش. يجمع معظم المحللين على ان كوريا الشمالية ترى في برنامجها النووي والصاروخي ورقة مساومة قوية وفاعلة في مواجهة أميركا واليابان. بل انها قد أكدت هذا بوضوح، حينما قالت إن القضية النووية يمكن حلها بسهولة، إذا وافقت الولايات المتحدة على ان توقع معها معاهدة عدم اعتداء، وأن يعني ذلك حتماً سحب قواتها من كوريا الجنوبية. وفيما لاتزال الاستراتيجية التي يريد كيم جونغ إيل الزعيم الكوري الشمالي تنفيذها غير واضحة المعالم تفصيليا، فإن المشروع النووي لبلاده يعود إلى الخمسينيات بعد انتهاء الحرب الكورية حينما بدأت تطوير قدراتها النووية المدنية والثمانينيات حينما بدأت التركيز على بناء ترسانة نووية. كان المسئولون الأميركيون قد اعلنوا عام 1985 لأول مرة بأن لديهم معلومات استخبارية تفيد بأن كوريا قد بنت مفاعلاً نوويا سريا في يونغبيون، على بعد 60 ميلاً شمال العاصمة بيونغ يانغ، وأن الهدف منه انتاج مواد انشطارية. ثم قدمت الولايات المتحدة لكوريا الشمالية أدلة تثبت أنها تبني مفاعلين جديدين لانتاج مواد انشطارية لقنابل نووية، مما افرز حالة توتر قصوى بين كوريا الشمالية وإدارة الرئيس كلينتون تمت تسويتها بمعاهدة 1994 التي تقضي بإغلاق هذه المفاعلات وإخضاعها لرقابة مفتشي وكالة الطاقة الذرية الدولية، مقابل إمدادات نفطية وغذائية أميركية. في مواجهة سياسة التفاوض التي كانت تتبعها إدارة الرئيس كلينتون مع كوريا الشمالية، كانت حملة جورج بوش الانتخابية ومن ورائه الحزب الجمهوري تدين هذه السياسة وتعتبرها نموذجاً للتخبط في السياسة الخارجية في محاولة لتجنب المواجهة بشكل يشجع بيونغ يانغ على مزيد من التحدي. وخرج بوش ليقول إن آراءه كانت صحيحة تماماً حين كشفت أقمار التجسس الأميركية أن كوريا على الرغم من استمرارها في إيقاف العمل بالمفاعلات النووية التي غطاها اتفاق 1994، إلا أنها بدأت مشروعاً سرياً جديداً لتخصيب البلوتونيوم، الذي يمكن استخدامه ايضا بديلا لليورانيوم في الاسلحة النووية، وأنها تسعى لانتاج ألومنيوم صالح لأجهزة التخصيب العاملة بالطرد المركزي. وحين حاول الأميركيون الضغط في الصيف الماضي كان الجواب اعترافاً صريحا بالنية لانتاج سلاح نووي لتبدأ بذلك المواجهة الحالية. أما الرد الأميركي فكان قرار بوش قطع امدادات النفط لكوريا الشمالية ورفضه التفاوض معها. ثم بدت العلاقات وكأنها يمكن أن تتحسن حينما اعترضت صفينة حربية اسبانية تعمل لصالح الاستخبارات الأميركية سفينة شحن كوري شمالية تحمل صواريخ سكود لليمن وأقرت واشنطن بأن هذه الشحنة لا تمثل خرقاً للقانون الدولي، وسمحت لها بمتابعة سيرها. غير أن عملية الاعتراض لو كان المقصود منها إرسال رسالة تحذير لبيونغ يانغ، فإن الأميركيين يكونون قد اخطأوا في حساباتهم. إذ بدلا من أن تشعر كوريا الشمالية بالضغط، صعدت المواجهة بنزعها لكاميرات المراقبة في مفاعلاتها النووية وتوجيه أوامرها للمفتشين الدوليين بالمغادرة، وهو ما قاما به فعلا. حتى هذه اللحظة يبدو أن بوش هو الذي يواجه الموقف الأصعب. فقد فشل الرئيس الأميركي في إدارة عملية تدخل دبلوماسية عبر روسيا والصين، حيث ودعت بيونغ يانغ مبعوثيهما من دون تلبية مطالبهما بالتهدئة. كما أن بوش في موقف صعب داخل كوريا الجنوبية التي فاز روموهيون قبل أيام بانتخاباتها الرئاسية، وهو الذي خاض حملتها بالتزام رئيسي يقوم على أساس الحوار مع الشمال. المأزق الذي يواجهه بوش هو أنه دأب على تأكيد عزمه عدم تكرار ما أسماه خطأ كلينتون عام 1994. وإذا دخل في مفاوضات مع كوريا الشمالية فسيواجه معارضة من جانب صقور الجمهوريين لما سيصفونه بأنه يعد تراجعاً أمام تحديات كيم دونغ إيل. أما المماطلة في التحرك لكسب الوقت فلم تعد تبدو خياراً مقبولاً. إذ أن التحدي الفج من جانب بيونغ يانغ قد أربك واشنطن وفاجأها. حيث كان الأميركيون يعتقدون أنهم لايزال لديهم الوقت الكافي للتعامل معه لاحقا، لكن الوقت في الواقع ليس في صالحهم. والرأي السائد الآن بين المحللين هو أن الطرفين يندفعان نحو مواجهة خطيرة لكن ما يزعجهم أكثر هو السرعة التي تدفع بها كوريا الشمالية الأوضاع نحو هذه المواجهة. كما أن هذا الوضع يجبر واشنطن على مواجهة سؤال حاولت دوماً التهرب من الاجابة عنه، وهو تفسير السبب الذي يجعلها تركز على العراق الذي مازال بعيداً عن تطوير سلاح نووي، فيما لاتزال تعتبر أن التهديد الكوري الشمالي ليس ملحاً بالقدر الكافي على الرغم من تطوير الأخيرة لعدة قنابل نووية فعلاً. وهذا ما عبر عنه رئيس لجنة العلاقات الخارجية الجديد في مجلس الشيوخ الجمهوري ريتشارد لوغار الذي وصف الأزمة بأنها خطيرة جداً، وحذر الإدارة من أنها يجب أن تركز قدراً كبيراً من اهتمامها عليها، مثلما فعلت مع العراق. وفيما تقلل إدارة واشنطن من اهمية القضية فإن الرأي المتزايد الآن هو أن البديل الفعلي لقبول واشنطن التفاوض سيتضمن عملاً عسكرياً. وحتى هذا الخيار تحدته كوريا الشمالية. فبعد ان حذرها وزير الدفاع دونالد رامسفيلد من أن بلاده قادرة على خوض حربين في وقت واحد وأن كيم دونغ إيل سيكون مخطئا إذا اعتقد أن الوضع في العراق سيجعله في وضع أقوى، أتاه الرد الرسمي من بيونغ يانغ بأنها مستعدة للمواجهة العسكرية. ومع أن المراقبين العسكريين تقريباً يفترضون أن غارة جوية او صاروخية أميركية قادرة على تسوية مفاعل يونغبيون النووي بالأرض، فإن هؤلاء يجدون صعوبة في توقع الرد الكوري الشمالي. إذ بخلاف القوة العسكرية العراقية، تمتلك كوريا الشمالية ما يكفي من الامكانيات الهجومية للتسبب في دمار كبير داخل جاراتها. تفيد التقارير الاستخبارية ان كوريا الشمالية لديها 500 صاروخ سكود و30 صاروخا بالستيا من طراز «نودونغ» يصل مداها الى 560 ميلاً يمكن تسليحها كلها بأسلحة كيماوية أو جرثومية. وان المنشآت العلمية لديها قد أنتجت مخزونات كبيرة من جراثيم الجمرة الخبيثة والكوليرا والطاعون. وتقول وزارة الدفاع الكورية الجنوبية في وثائق رسمية ان علماءها قد اكتشفوا حتى الآن وجود ثمانية مصانع كيماوية وست منشآت تخزين للأسلحة الكيماوية، مثل غازي الخردل والأعصاب عند جارتهم الشمالية. كما أن صاروخ «تايبو دونغ 2» الذي تنتجه كوريا الشمالية يتمتع بمدى يزيد على 3700 ميل ما يعني أنه يستطيع الوصول حتى إلى الأسكا. وعلى صعيد السلاح التقليدي تمتلك كوريا الشمالية قوة مدفعية هائلة تبلغ 12 ألف مدفع تنتشر كلها ضمن المدى المجدي لضرب عاصمة الجنوب سيئول. ويقول المحللون العسكريون ان هذه المدفعية في اليوم الأول فقط من أي حرب يمكن ان تطلق 500 الف قذيفة على العاصمة سيئول. لكن إذا هاجمت القوات الأميركية كوريا الشمالية، فهل ستكون لدى كيم دونغ إيل الجرأة على الرد عسكرياً على الأميركيين؟ لوكانت لديه، فإن قواته تستطيع ضرب القواعد العسكرية الأميركية في كوريا الجنوبية، بل اليابان ايضا. غير ان الخوف هو ان الولايات المتحدة مع أنها ستلجأ فوراً لحصار كوريا بسفن «إيجيس» المزودة بأنظمة صواريخ مضادة للصواريخ البالستية، فهو ان مثل هذا النزاع قد لا يبقى محدوداً بتبادل للصواريخ وانما يمكن ان يتطور لكارثة نووية. وعن هذا يقول جون بايك وهو أحد أبرز المحللين العسكريين الأميركيين لصحيفة «صنداي تايمز» إن السؤال هو: هل تستطيع الولايات المتحدة أن توجه ضربة عسكرية جراحية ونظيفة لكوريا الشمالية تنهي الأزمة؟ اعتقادي ان الهجوم على كوريا الشمالية سيتحول الى فوضى عارمة». ويبقى السؤال الكبير: ما الذي يدفع كيم دونغ إيل إلى مواجهة مع الولايات المتحدة يعرف أن فرصه في النجاج منها بالغة الضآلة؟ إلى جانب الفكرة السائدة وهي محاولته الاستفادة من تشتت جهود واشنطن، يقول المحللون إن الرئيس الكوري الشمالي ربما يريد الاستفادة من الأحداث في كوريا الجنوبية وخصوصاً المزاج الشعبي والمظاهرات المناوئة للولايات المتحدة مؤخراً، وانتخاب رئيس للبلاد جعل التصالح مع الشمال برنامجه السياسي الرئيسي. ويعتقد هؤلاء ان لعب الشمال بالعامل النووي يأتي محاولة لدق اسفين بين الرئيس الجديد رومو هيون والولايات المتحدة. غير ان اكثر التفسيرات رواجاً للسلوك الكوري الشمالي هو أن كيم جونغ إيل يتبع سياسة أسماها البعض بدبلوماسية الاستنزاف، أي انتاج اسلحة نووية بهدف دقيق هو ضمان حصوله على معونات اقتصادية واتفاقيات تجارية مع جيرانه والغرب كتلك التي حصل عليها عام 1994 مقابل ايقاف برنامجه النووي المعلن. وهذا التفسير بالضبط ما يشق الموقفين الأميركي والكوري الجنوبي. فطوال العقد الماضي رأت حمائم واشنطن أن سياسة التواصل مع بيونغ يانغ ودعم سياسة «الشمس المشرقة» لسيئول مع الشمال هي الحل لأن الهدف الأول لزعامة الشمال هي البقاء ودوام نظامها وليس السيطرة بالقوة على كوريا الجنوبية. ويعتقد هؤلاء ان بيونغ يانغ تحاول انهاء عزلتها والتواصل مع العالم من حولها. وكدليل على ذلك، يشيرون الى تزايد تجارتها مع الدول غير الاشتراكية وفتح أبوابها أمام الأجانب وتوقيعها اتفاقيات مع كوريا الجنوبية والولايات المتحدة. غير ان المتشددين الذين يعزز موقفهم بفعل الانشقاقات الأخيرة من جانب بعض المسئولين الكوريين الشماليين الذين كشفوا عن أن خطط بلادهم تقوم على استهداف القواعد العسكرية الأميركية اولا، في حال حدوث اي حرب كورية جديدة، يصرون على القول ان هدف كوريا الشمالية هو السيطرة على شبه الجزيرة الكورية بكاملها. اما خارج الولايات المتحدة، فيبقى الرأي السائدحاليا في بكين وسيئول وطوكيو هو ان كيم دونغ إيل يريد استخدام سلاحه النووي لدفع المنطقة نحو حافة الهاوية ثم التوقف عندها للحصول على التنازلات السياسية والاقتصادية التي يحتاجها لدعم وضع حكومته. غير أن المشكلة التي تظهر دوماً عند حافة الهاوية هي ان القادة في بعض الأحيان يخطئون تحديد نهاية الحافة وبداية الهاوية. وفي غضون ذلك لايزال جورج بوش وكيم بونغ إيل كل بطريقته يمضي في طريق المواجهة من دون أن يحددا بعد إلى اين ستؤدي هذه الطري.