الاحد 2 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 5 يناير 2003 لقد مرت سنة منذ ان أرسل الأمير عبد الله بن عبدالعزيز ولي العهد السعودي أهم ما جاء في المبادرة السعودية لصحيفة «نيويورك تايمز». عشرة اشهر مرت منذ ان تحولت هذه المبادرة في القمة العربية في بيروت الى مبادرة عربية. خلال كل تلك الفترة تقاطع سيناريوهان متوازيان: الولايات المتحدة لن تستطيع مهاجمة العراق طالما بقيت الجبهة الفلسطينية - الاسرائيلية ساخنة. أما السيناريو الثاني فهو قيام جورج بوش بالانقضاض على هذا الصراع بكل ما أوتي من قوة. من هنا تم اشتقاق استنتاجين اثنين: الاول ان للفلسطينيين مصلحة في تسخين الجبهة من أجل منع الهجوم على العراق، والثاني ان لاسرائيل مصلحة في تخفيف وطأة عملياتها الانتقامية والتصفوية داخل المناطق حتى لا تظهر بصورة من يشوش ويعرقل الخطط الاميركية. وكلا السيناريوهين والاستنتاجين المترتبين عليهما لم يقفا على أقدام ثابتة راسخة. الفلسطينيون زادوا بالفعل من وتيرة عملياتهم خصوصا الانتحارية منها، الا ان الهدوء النسبي ساد عشية اقتراب الحرب ضد العراق. وقد قامت اسرائيل من الناحية الاخرى باحتلال كل الضفة خلافا لما اعتبر بالنسبة لها مصلحة اميركية. ومع ذلك لم يحدث أي شيء. الولايات المتحدة تواصل خططها، ولم يأت أي رسول اميركي جدي لتوبيخ اسرائيل على سياستها. الهاتف الأحمر الذي أخرج اسرائيل من غزة قبل سنة لم يسمع أي صوت عندما تم قبل عشرة أيام تقطيع القطاع الى ثلاثة أجزاء. المصريون فقط هم الذين يتفاوضون مع الفلسطينيين ومحادثات الرباعية الدولية ومعها خارطة الطريق أشبه بمباريات الهواة الرياضية. لماذا لم يتجسد السيناريوهان السابقان؟ السبب يكمن في التصور الخاطيء الكامن في ان الشرق الاوسط يعمل كمنظومة أدوات ممتزجة: الضغط على العراق سيتسبب في الضغط على الفلسطينيين، وتهدئة اسرائيل ستخفف من الضغط في الدول العربية، وهكذا اذا أعطى العرب العراق فسيحصلون على فلسطين. عدم منطقية هذا الادعاء كان سيخضع للاختبار فقط لو كان هناك اقتراح اميركي مقابل بحيث يقول للعرب «اقروا السلام مع اسرائيل فأتنازل عن الحرب ضد العراق». مصلحة عربية مقابل مصلحة اميركية. السخافة اللامنطقية التي برزت فورا كفيلة بتأكيد عدم تمازج الأدوات وعدم وجوده بالمرة. وكل هذا يطرح امكانية اخرى اضافية: للدول العربية مصالح خاصة بها وهي غير مقيدة بأغلال المشكلة الفلسطينية. أفلا يحتمل إذن ان تكون قضية العراق معزولة عن الصراع الاسرائيلي - الفلسطيني وليست شرطا مسبقا لحله؟ فمثلما لا يوجد تعهد اسرائيلي بحل المشكلة الفلسطينية اذا ما أزيح الرئيس العراقي عن المسرح السياسي، لا نجد الدول العربية مسارعة الى فرض معادلة مناظرة وموازية، كما ان بوش نفسه لم يتحدث عن هذا الشرط. توقعات اليوم التالي للرئيس العراقي لم تأخذ بحسبانها اضطرار أحد ما لادارة شئون العراق لفترة طويلة الى ان تهدأ تلك الدولة. وان الادارة الاميركية ستضطر لمغازلة رؤساء عرب كثيرين من اجل تهدئة المنطقة. وان القيادة الفلسطينية التي لا يوجد لدى أحد استعداد للتفاوض معها ستبقى على رأس الحكم في الجانب الفلسطيني - هذا اذا لم تحدث أعجوبة، وانه ستكون هناك حاجة لنفس المعجزة من اجل اجبار شارون على دفع الثمن الفادح الذي يترتب عليه حتى اذا تبدلت القيادة الفلسطينية غدا. ازاحة الرئيس العراقي اذا تحققت ستؤدي الى ازالة خطر السلاح غير التقليدي الذي لم يبرهن على وجوده بعد. الا ان ذلك لن يحل الصراع الفلسطيني - الاسرائيلي، ولن يزيل التهديد السوري - اللبناني، ولن يقلل من الخطر الايراني، ولن يحول تنظيم القاعدة الى فرع عن منظمة نساء هداسا بالتأكيد. سيتبين عندئذ ان لدى الصراعات القومية قوة بقاء كبيرة، وانها قادرة على التملص من منظومة الأدوات والوسائل المختلطة. صدام - نقولها لمن يعلق آمالا على رحيله - ليس أكثر من ذريعة مؤقتة لعدم الفعل والشلل السياسي. بقلم: تسفي برئيل _ عن «هآرتس»