السبت 1ذو القعدة 1423 هـ الموافق 4 يناير 2003 ارتبط اسم أرييل شارون بالمذابح الدموية طوال حياته، منذ ان انضم، وهو مراهق صغير، إلى عصابة «الهاجاناه» الأمر الذي جعله يحمل عن استحقاق لقب «السفاح». ويستمد هذا الكتاب أهميته من أنه يطلعنا بالتفصيل على تاريخه، وبالتالي يتيح لنا معرفة المزيد عن عدونا وأساليبه مع إيضاح الظروف العربية والدولية التي أتاحت له ولأمثاله من جنرالات اسرائيل أن يصلوا بالقضية الفلسطينية إلى ما وصلت اليه الآن. ومع ثقتنا بوعي القاريء العربي، فإن من واجبنا أن نشير إلى أن الكتاب صدر عن داري نشر أميركيتين هما «أكاديمي شيكاغو» و«أوليف»، كما اشترك في تأليفه ثلاثة كتّاب يناقشون وجهات نظر وطروحات تتناقض مع رؤيتنا العربية بشكل جوهري. لابد من التوقف طويلاً عند الكيفية التي أعد بها شارون مجموعة من القتلة والسفاحين وقام بتدريبهم بلا هوادة، ومن ألوان ذلك التدريب الشاق مهاجمة بعض القرى الفلسطينية العزلاء. ومن الواضح ان من الضروري تتبع هذا الأمر، لأن هذه المجموعة المتعطشة للدماء قامت بعد ذلك بارتكاب مذابح أكبر بكثير مما ارتكبته أثناء فترة التدريب، واليكم القصة من بدايتها كما يرويها مؤلفو كتاب «شارون» الذي نناقشه هنا. في منتصف يوليو 1953 استدعي أرييل شارون الى مكتب الكولونيل ميشيل شاخام رئيس لواء القدس الذي ينتمي اليه كقائد كتيبة في الاحتياط. وكان ذلك الكولونيل يريد منه ان يساعدهم في تصفية مجموعة عربية قامت بقتل اثنين من الحرس منذ قليل، وكان قائد هذه المجموعة هو مصطفى الصمويلي الذي يعيش في قرية النبي صمويل الواقعة شمال القدس على قمة تل وراء الخطوط الاردنية. وكان الصمويلي يقوم دائماً بشن غارات ليلية على مناطق يهودية ثم يعود عبر الحدود الى الأردن. وقد أقسم على قتل مئة يهودي انتقاماً لأخيه الذي قتله اليهود في حرب عام 1948، وكان يحفر علامة على كعب بندقيته كلما قتل واحدا منهم، وأصبح بطلاً في عيون الفلسطينيين. وسأل الكولونيل شاخام ضيفه عما إذا كان يريد ان يجمع طاقماً يقوم بشن غارات على قرية النبي صمويل و«ارهاب» الصمويلي ليوقف هجماته الليلية. كان ذلك الطلب بالنسبة لشارون دليلاً على عجز القوات الاسرائيلية على الرغم من ان بن جوريون كان قد أدمج فيها عصابة «البالماخ» التي تلقت تدريباً عسكرياً جيداً، ثم ما لبثت ان أحالها الى وحدة احتياط. ويشير الكتاب الى ان الاحصائيات تفيد بأنه في عام 1951 وصل عدد القتلى الاسرائيليين الى 137، وفي عام 1952 وصل الى 62، وفي عام 1953 وصل عدد العمليات الفدائية الى ثلاثة آلاف عملية انتهت 160 منها بايقاع عدد من القتلى في صفوف الصهاينة، بينما لم تسفر الغارات الصهيونية الانتقامية عن شيء، إذ يذكر الكتاب ان الجنود الاسرائيليين كانوا يعجزون عن معرفة طريقهم في ظلام الليل، فإذا استطاعوا الوصول الى أهدافهم كانوا يستقبلون بنيران الحراس العرب، فيتبادلون معهم اطلاق النار، ثم ينسحبون قد حملوا في الغالب المصابين من بينهم. ونتيجة لهذا الفشل المتكرر قرر الكولونيل شاخام المحبط استخدام أساليب غير تقليدية لممارسة القتال، وأخبر شارون انه سوف يتمتع بالحرية الكاملة، ويستطيع اختيار أي جنود أو متطوعين لهذه المهمة، وجمع الأخير ثمانية من أصدقائه الذين خدموا معه في الجيش من قبل، وأخذوا في دراسة الخرائط واعداد خططهم القتالية التي كانت تقضي بعبور الحدود الاردنية تحت جنح الظلام وتحديد موقع بيت مصطفى الصمويلي ونسف مدخله ومفاجأة سكانه. وبعد ان حصلوا في اليوم التالي على المعلومات اللازمة من رجال الأمن التابعين لشاخام، انطلقوا الى مهمتهم محملين بالمتفجرات والذخيرة في طريقهم الى قرية النبي صمويل، وكانوا لا يزالون يتذكرون ان عصابة «البالماخ» فشلت عام 1948 في الاستيلاء على القرية وتكبدت خسائر فادحة. وقامت المجموعة بتسلق التلال الشمالية الغربية المحيطة بمدينة القدس، وأخذوا طريقهم عبر مجرى نهر شريك الجاف في اتجاه القرية، غير ان الأمر الذي لم يكونوا على علم به هو ان مصطفى الصمويلي كان قد ترك منزله بالفعل، وسار طابور الصهاينة عبر الحقول، وتسلقوا الجبل، ووصلوا في النهاية الى القرية على القمة. وكانوا قد نجحوا في مهاجمة دورية أردنية وبعض الحراس المحليين، وحددوا منزل الصمويلي بالقرب من المسجد الذي يعتقد ان النبي صمويل قد دفن فيه، ولهذا حملت القرية اسمه. وتوجه ثلاثة من الرجال الاختصاصيين بالمتفجرات الى البيت، بينما كمن الخمسة الآخرون في انتظارهم، وقام الثلاثة بوضع المتفجرات أمام باب المنزل، وهربوا مسرعين بعيداً عنها، ولكن الذي حدث انها لم تنفجر واشتعلت فيها نار ضئيلة لم تؤد الى تدمير الباب، وعلى الرغم من ضآلتها فقد أيقظت أهل القرية، وترددت فيها أصوات عديدة، ونزع واحد من رجال شارون أحد الشبابيك وأطلق زخات من رشاشه، بينما رمى آخر قنبلتين يدويتين عبر الشباك، ولم يحدث أي رد فعل من داخل البيت الخالي، ولكن طلقات الرصاص كانت تدوي حولهم من جميع الاتجاهات، فقاموا بتفجير منزل آخر مجاور، وأسرعوا بالهرب عبر الحدود، وهم مرهقون ومحبطون. الوحدة 101 ومرة أخرى يعاني السفاح من الفشل الذريع، وبعد أسابيع قليلة من فشل عملية قرية النبي صمويل، وافق موشيه ديان على انشاء وحدة كوماندوز على درجة كافية من الاحتراف، وكلف شارون بقيادتها، وأطلق عليها اسم الوحدة 101، ولم يعرف أحد لماذا سميت بذلك الاسم، وقد أغفل الكتّاب ان هذه الوحدة كانت تضم عدداً من أشرس القتلة والسفاحين وقد تسلحوا بكل أدوات القتل من متفجرات وسكاكين وخناجر الى غير ذلك، وتحرروا من أي قيد تفرضه عليهم أخلاقيات أي جيش منظم. وأشار مؤلفو الكتاب الى ان بن جوريون كان يعارض هذه الفوضى العسكرية لأنه كان معجباً بالنظام العسكري الصارم في الجيش البريطاني بينما كانت عصابة الوحدة 101 متحررة من كل الضوابط العسكرية، بل من الرداء العسكري التقليدي، ولم يكن لتدرج الرتب العسكرية فيها أي حساب، بل أحياناً كان ضابط منهم في العمل الميداني يتلقى الأوامر من آخر برتبة جاويش. وقد تمرس أفراد الوحدة بالقتال الليلي، وقاموا عدة مرات بعبور الحدود، واشتبكوا مع «الاعداء» كما يذكر مؤلفو الكتاب، وكان تسللهم يتم بمجموعات متفرقة مؤلفة من ثلاثة أفراد، وقد ظلوا يطورون في أساليب التسلل والتخريب ونصب الكمائن وممارسة القتل بحرية ومن دون وازع، ويمكن وصف تلك العصابة بأنهم جماعة من المغامرين المتعطشين للدماء والمتحفزين لاستخدام سكاكينهم وأسلحتهم. ويقر الكتاب بأن أعمال هذه الوحدة أثارت كثيراً من الجدال كما هي الحال بالنسبة لهجومهم على قرية قبية. وقبل ان نتطرق الى قصة هذه المذبحة نلاحظ مجدداً ان مؤلفي الكتاب كلما اضطروا للتعرض لاحدى المذابح التي ارتكبتها القوات الصهيونية، فإنهم يصورونها على انها رد على احدى العمليات الفلسطينية ضد أسرة يهودية عزلاء، مثلاً، أو امرأة وأطفالها المساكين، وهكذا، وهو أسلوب دعائي خبيث لا يزال الصهاينة يستخدمونه حتى اليوم. في اكتوبر 1953 عقد اجتماع في القيادة المركزية الاسرائيلية حضره شارون ونائب قائد لواء المظلات الى جانب ضباط القيادة العامة، حيث تقرر ان يقود السفاح قوة مشتركة من الوحدة 101 وفصيلين من المظليين لمهاجمة قرية قبية وتدميرها. وقامت عصابة القتل هذه بنسف منازل القرية في منتصف الليل، بعد ان انقضوا على حراسها وقتلوهم. واستمرت عمليات النسف والتدمير عدة ساعات. وفي صباح اليوم التالي أعلنت الاذاعة الاردنية ان 69 مدنيا قتلوا في هذه الغارة، معظمهم من النساء والأطفال، بينما كذب شارون على قيادته وادعى انه تم نسف اثنين واربعين منزلاً فقط، وان خسائر «العدو» عشرة أفراد أو اثنا عشر فرداً فقط. وازاء افتضاح حقيقة تلك المجزرة يعترف المؤلفون بأن الخسائر الفادحة التي منيت بها القرية أحدثت صدمة في انحاء العالم، ولوثت سمعة الجيش الاسرائيلي، وظل شارون يصر على ان مذبحة قبية تعتبر نقطة تحول في تاريخ الكيان الصهيوني، وانها أثبتت لأول مرة قدرة الجيش الاسرائيلي، على الرغم من اجماع كل التقارير على ان الضحايا الفلسطينيين كانوا جميعاً من المدنيين والنساء والأطفال. وفي ديسمبر 1953 عين موشي ديان رئيساً لهيئة الاركان الاسرائيلية العامة، فقرر دمج الوحدة 101 ولواء المظلات تحت قيادة شارون، وبعد أسابيع قليلة أخذ هذا الأخير يخطط لمذبحة جديدة ونسف قرية نحالين بالقرب من بيت لحم، ووصل الأمر به ورجاله الى نسف البيوت على رؤوس ساكنيها عندما رفضوا اخلاءها. موعد مع الفشل لم يشبع كل هذا تعطش شارون للدماء، ففي يونيو 1954 أخذ يخطط لارسال قوة صغيرة من وحدة الاستطلاع التابعة له الى أحد معسكرات الفيلق العربي لالحاق أكبر قدر من التدمير والخراب في ذلك المعسكر الاردني، واختار لهذا الهدف معسكراً يقع مقابل وادٍ يسمى «وادي شارون». ويذكر مؤلفو الكتاب ان شارون كان يتصرف مفترضاً ان الاردنيين لن يهاجموا قواعد الجيش الاسرائيلي، وهو افتراض محفوف بالمخاطر، إذ ان كثيراً من الاسرائيليين في عام 1954 كانوا يخشون من ان أي استفزاز متعمد للفيلق العربي الذي كان يعتبر من أقوى الجيوش العربية، قد يدفع العرب الى بدء حرب جديدة، ولكن شارون كان مصمماً على الاستمرار في سياسة الردع التي كان يتحمس لها، وكان يعتقد ان تاريخ العرب العسكري يظهر انه كان يعتمد في المقام الأول على بطولات فردية شجاعة أكثر من اعتماده على مبدأ الحملات العسكرية المنظمة. وفي ليلة الخامس والعشرين من يونيو توجهت مجموعة من ستة رجال برئاسة ميجور أهارون دافيدي ومئير هارصهيون الى ضواحي كفار سابا بالقرب من الحدود. وكان الرجل الثالث في تلك المجموعة خبير متفجرات يدعى اسحاق غيبلي. وعندما بدأوا مهمتهم ظل شارون خلف الحدود باعتباره قائد كتيبة، وكان مطلوباً منه فقط ان يشرف على المعركة من الخطوط الخلفية. وعندما وصلت المجموعة الى المعسكر وبدأت المعركة فوجئت بالرصاص ينطلق نحوها من كل صوب، وقاوم الجنود الاردنيون مقاومة باسلة، كان من نتيجتها ان أصيب غيبلي فحمله فوق كتفيه، وحاول الهروب، ولكن غيبلي أصيب مرة أخرى برصاصة نفذت من ظهره الى عنقه، وانسحبت المجموعة وهي تحمله وتلهث تحت ثقل جسمه، والجنود العرب يلاحقونها حتى اضطروا الى تركه، ولاذوا بالفرار، وأصبح خبير المتفجرات أسيراً لدى الاردنيين، وتم تبادله بعد عدة شهور مقابل بعض الاسرى الاردنيين. ومرة أخرى يطارد الفشل الارهابي شارون فيخطط لعملية انتقامية جديدة في منطقة اللطرون، حيث كان الاردنيون قد نجحوا في اختراق مركز مراقبة اسرائيلي حصين وقتل ثلاثة من الصهاينة، ولكن العملية الانتقامية لاقت ايضاً فشلاً ذريعاً، ولاحظ قادة الصهاينة ان جنودهم أخذوا يتخبطون تحت زخات الرصاص التي أطلقها الاردنيون من رشاشاتهم، وفشلوا في تنفيذ اوامر ضباطهم، كما فشلت كل محاولات انقاذهم بواسطة التعزيزات التي جاءت لنجدتهم، ويورد مؤلفو الكتاب وصفا لقائدهم يقولون فيه ان الذي حدث هو عملية هروب واسعة النطاق لافراد المجموعة الاسرائيلية، ولم يكن انسحابا منظما، وكان بعضهم قد اصيب بصدمة وبحالة من الفزع، ولم يفعلوا شيئا لاجلاء جثث زملائهم الجرحى .. ويقول هذا الضابط: «باختصار .. لقد فشلنا واخذنا في الهروب عائدين، ونحن نحمل الجرحى والقتلى» وكذلك اصيب شارون بالفزع، وهو يتلقى تقارير العملية، واعتبر تلك النتيجة هزيمة شخصية له. في فصول متتابعة يتناول مؤلفو الكتاب احداثا توالت بعد عام 1953 مثل الغارة الاسرائيلية على غزة وعلى ممر الكونتيللا وعلى قلقيلية، ثم يختارون من كل ما اسموه بحملة سيناء، معركة ممر متلا ومن ثم يسردون تفاصيل كثيرة معروفة عن العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 ولا يقدمون للقاريء شيئا جديدا، ثم يخصصون فصلا آخر عن حرب يونيو 1967 ويبدأون هذا الفصل من يوم 14 مايو 1967 عندما ترددت الانباء عن ان المصريين يحركون قوات عبر قناة السويس الى سيناء، وفي يوم 17 مايو اعلن الرئيس جمال عبد الناصر سحب قوات الامم المتحدة من شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة، وفي 22 من الشهر نفسه اعلن عبدالناصر اغلاق مضائق تيران في وجه جميع السفن المتجهة الى الكيان الصهيوني او الآتية منه، كما اعلن انه قبل بوجود قوات الامم المتحدة فقط لكي يبني قوة مصر العسكرية وينسب مؤلفو الكتاب الى موشي ديان قوله ان السوفييت استحثوا خطى عبدالناصر بأن نشروا شائعات عن قيام اسرائيل بحشد قوات على حدود سوريا تمهيدا لغزوها، وقد طلب ابا إيبان، وزير خارجية حكومة ليفي اشكول آنذاك، من بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا الضغط على مصر لابقاء مضائق تيران مفتوحة للملاحة، ولكن موقف فرنسا لم يكن مشجعا، واوقف الجنرال ديغول ارسال الاسلحة الى تل أبيب، وقال ان دافعه الى هذا الموقف هو منع اسرائيل من بدء الحرب، ولم تشأ ايطاليا واسبانيا اغضاب المصريين، اما بريطانيا فقد كانت، كالعادة مؤيدة تأييداً أعمى للصهاينة فسافر جورج براون وزير خارجية حكومة هارولد ويلسون آنذاك الى موسكو، وحاول اقناع السوفييت بتأييد اعادة قوات الأمم المتحدة الى سيناء والضغط على مصر لاجلاء قواتها من شرم الشيخ، ولكن اليكسي كوسيجين رفض ذلك بحسم، فاقترح وزير الخارجية البريطاني تشكيل قوة بحرية مشتركة بين بريطانيا واميركا تتجه الى المضائق، ولكن ذلك لم يحدث، واعلن الرئيس الاميركي جونسون ان الولايات المتحدة ملتزمة بالحفاظ على أمن الكيان الصهيوني، ولكنه اقترح البحث عن اتفاق لتفادي الحرب، وارسل مبعوثه الخاص روبرت اندرسون الى القاهرة، ويقول المؤلفون ان عبد الناصر رد عليه بأنه قد يوافق على تأجيل اغلاق المضائق لمدة اسبوعين اذا وافقت تل أبيب على عدم ارسال سفنها عبر المضائق خلال تلك المدة. ومعنى ذلك في الحقيقة انه يوافق على تأجيل الحصار اذا وافقت تل أبيب على هذا الحصار، ولما قال اندرسون للرئيس عبد الناصر ان الرئيس جونسون لا ينوي الاشتراك في ارسال قوة بحرية دولية عبر المضائق، كان ذلك مبررا لاعتقاد الرئيس المصري بأن الاربعة الكبار (وهم روسيا وفرسا وبريطانيا واميركا) لن يفعلوا شيئا لوقف الحرب، ولكنهم قد يطالبون بوقف فوري للقتال اذا اندلع. ويفضح مؤلفو الكتاب الموقف الحقيقي لأميركا التي تدعم الصهاينة وتؤيد اي عمل عسكري يقومون به، فيقولون ان القرار الاسرائيلي النهائي بشن الحرب اتخذ في مساء 3 يونيو 1967، وخلال زيارة قام بها رئيس جهاز الموساد الى واشنطن اعطاه روبرت ماكنمارا وزير الدفاع الاميركي انطباعاً صريحاً وواضحاً بأن الولايات المتحدة «لن تعترض اذا اسفرت الحرب عن تحطيم عظام عبد الناصر». بعد الحرب نشأت حقائق جديدة، للاسف الشديد، واصبحت دولة الكيان الصهيوني تسيطر على اراض تبلغ ثلاثة اضعاف مساحتها قبل الحرب، ولذلك اصبحت في حاجة الى رسم خطوط دفاع جديدة، وخاصة على امتداد قناة السويس وقال اسحق رابين الذي كان رئيس الاركان انهم لم يفكروا من قبل في العمل ضمن مساحات تقدر بمئات الاميال، وانه اصبح عليهم التغلب على الصعوبات اللوجيستية ومشكلات النقل التي نشأت مع وجود عدد محدود من القوة البشرية نظرا لعودة عشرات الالوف من جنود الاحتياط الى مزارعهم ومصانعهم ومدارسهم ومكاتبهم ويقول مؤلفو الكتاب ان اسرائيل اصبحت في الواقع قوة احتلال اما المشكلات الداخلية فقد دار معظمها حول كيفية ادارة شئون الضفة الغربية وقطاع غزة، وقد عين موشي ديان وزير الحرب الصهيوني حاييم هيرتزوج حاكما للضفة الغربية، وقال له: «دع العرب يحكمون انفسهم تحت سيطرتنا» وكان كل من هيرتزوج وايجال آلون نائب رئيس الوزراء ووزير استيعاب الهجرة يؤيدان فكرة وجود «فلسطين مستقلة» تحت سيطرة وسيادة اسرائيلية، ومع ذلك فقد رفض ديان فكرة الحكم الذاتي الفلسطيني، خوفا من ان يتولاه احمد الشقيري رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، آنذاك. رواية كيمشي ويروي مؤلفو الكتاب قصة لم يكشف النقاب عنها الا بعد خمسة وعشرين عاما من ذلك التاريخ، عندما حكى الدبلوماسي الاسرائيلي دافيد كيمشي قصة مجيء مجموعة من الناشطين الفلسطينيين برئاسة رجل القانون عزيز شحادة وأرادوا، عن حسن نية، التفاوض، حول اتفاقية مع اسرائيل لتنفيذ هدفهم لاقامة «فلسطين مستقلة» في الضفة الغربية وقطاع غزة ويمضي المؤلفون في سرد رواية كيمش الذي يقول ان اربعين زعيما فلسطينيا خططوا للاجتماع في مدينة اريحا لوضع اتفاقية سلام قد تؤدي في النهاية الى شكل من اشكال الحكم الذاتي الفلسطيني ولكن قادة جبهة التحرير الفلسطينية علموا بالامر، فانزعجوا منه، وقام ياسر عرفات بتأنيب شحادة بشدة، متهما اياه وغيره من الناشطين بالخيانة، وحذره من ان محاولاتهم للتفاوض حول دولة فلسطينية صغيرة تتعايش مع دولة صهيونية خطر يهدد حركة التحرير الفلسطينية ويضع نهاية للقضية الفلسطينية. ويشير مؤلفو الكتاب الى وجود معارضة اخرى من جانب الملك حسين الذي كان قد فقد الضفة الغربية لتوه، وقال ان هناك «اردن واحد» شرق وغرب النهر وحذر الفلسطينيين من مخاطر النزعة «الانفصالية». وفي شهر سبتمبر 1967 حاول شارون اقناع موشي ديان بالبدء في عملية بناء مساكن لايواء الاعداد المتنامية من الضباط الصهاينة المتمركزين في الضفة الغربية، وشعر بالضيق عندما رفض ديان، وكان شارون يرى ان اسرائيل في حاجة الى استيطان الضفة الغربية لاجهاض اي امكانية تنشأ في «لحظة ضعف» فتقدم عرضا بالتخلي عن الاراضي التي تحتلها، وكان يرى ان ذلك الاحتمال سوف يتضاءل، اذا وجدت في تلك الاراضي مراكز سكانية يهودية يشغلها عدد جيد من السكان اليهود.