الجمعة 29 شوال 1423 هـ الموافق 3 يناير 2003 في الثلاثينيات من القرن الماضي، ذهب جون كورنر، الشاب الانجليزي المفعم بالطموح الى غابات ماليزيا لدراسات اشجارها ونباتاتها المختلفة، ولكن مع مرور الوقت، بات كرونر يمقت العمل، ويشعر بالاحباط فمن حوله تشمخ اشجار تعد من اروع الاشجار في العالم، والعديد منها جديد على دنيا العلم، ومع ذلك فإنه لم يستطع مجرد البدء بالتعرف عليها، ولم يكن ذلك بسبب انعدام مهارته التصنيفية ولكنه كان يحتاج الى زهرة وبذرة وورقة لتحديد مكانها في مملكة النباتات، ومطلبه هذا كان بعيدا عن متناول يده، هناك في أعلى الغابة. في البداية، حاول ان يجري مطابقة بين الثمار المتساقطة والاشجار، ولكنه سرعان ما شعر بالهزيمة في هذه الغابات الكثيفة المعقدة، وانطلاقا من شعوره باليأس، لحق بفرق قطع الاشجار وفتش بين الاشجار العملاقة الساقطة حديثا محاولا تسجيل انواع ربما كانت على وشك ان تختفي عن وجه الارض، وفي احد الايام من عام 1937 زار قرية بالقرب من الحدود التايلاندية، وبينما كان جالسا على جذع شجرة يناقش الاسماء المحلية للاشجار مع القرويين، مر عجوز يجر قردا كبيرا كان ذلك القرد من نوع «بيروك» او قرد المكاك قصير الذنب، وما ان تأمل كورنر القرد، المشهور محليا بقدرته على جمع ثمار جوز الهند من اشجارها العالية، حتى لمعت في ذهنه فكرة رأى فيها الحل لمشكلته. وضع عالم النبات الشاب تصورا لخطة جريئة مفادها انه اذا كان القرد المدجن يستطيع ان يتعلم رمي ثمار جوز الهند الى الاسفل فربما يكون بالامكان تدريبه على اسقاط الثمار والازهار النادرة بدلا من ذلك، ولدى عودته الى الحدائق النباتية في سنغافورة حيث كان يعمل، اعتبرت خطة كورنر غريبة في احسن الاحوال، ولم يكن احد ليعلم في ذلك الوقت ان نهجه هذا في دراسة الغابات الاستوائية سيحتفي به في جميع انحاء العالم، وان احد قروده سينقذ حياته. في ذلك اليوم من ابريل 1937 لم يتردد في شراء قرد مكاك يافع من احد القرويين، وكان القرد يدعى «ميرا» وقال له السكان المحليون انه يعيش على نظام غذائي مؤلف من الارز المسلوق مع الكثير من الفواكه والخضروات. وحالما يصعد الى اعلى الاجمة، فإنه يستطيع ان يتغذى بنفسه على الحشرات والعناكب والسحالي وبيض الطيور. وخلال جولة قام بها كورنر مع «ميرا» في الغابة بعد ايام قلائل، بدأ يدرك لماذا اختار القرويون قرود «البيروك» لجني ثمار جوز الهند، فهذه القرود تنتهز كل فرصة سانحة لاحداث ضجة، وتحب بشكل خاص اسقاط الاشياء على الارض من الاعلى، وتذكر كورنر «كان ذلك خطرا عليّ ان اكون حذرا منه على الدوام». بدأ تدريب «ميرا» على اشجار صغيرة، حيث تعلم معاني عبارات ملاوية تطلب منه «ان يسحب ذلك الغصن» او «يحرر تلك الاوراق» او «يقفز من شجرة الى اخرى، وكل لحظة من التفاهم المشترك بدت مرضية للقرد تماما، كما هي لعالم النبات، وفي احدى المرات عندما ارسل ميرا الى قمة شجرة تين وفهم المطلوب في النهاية، كان على كورنر ان يبحث عن ملاذ من ثمار التين المتساقطة، وتبين ان شجرة التين تلك هي نوع جديد وتمكن كورنر من الحصول على تفاصيل نباتية عديدة كانت موضع شك. وبسرعة مؤثرة، استطاع «ميرا» ان يتعلم كيفية التعامل مع الحبل الطويل الذي كان يمنعه من الهرب، حيث تمكن من تحرير نفسه والتنقل بحرية عبر الغابة، وفي الوقت نفسه، تعلم كورنر ان يكون صبورا، اذا قرر مساعده ان يأخذ استراحة غير مخطط لها لكي يلاحق عنكبوتا او حشرة ما. ولم يكن ذلك بالشيء الكثير الذي يطلبه القرد بالنظر الى نطاق المساعدات التي يقدمها لكورنر، فقد تمكن كورنر للمرة الاولى من جمع عينات من النباتات لدراستها علميا ومن التنقل بحرية داخل الغابة والعودة مرات ومرات الى الاماكن نفسها لدراسة اوراق وازهار الاشجار دون تدميرها، ومن عناصر القوة لدى ميرا قدرته على اخذ عينات من التنوع الهائل للاشجار متوسطة الحجم، التي يتراوح طولها بين 10 و 20 مترا، فهذه الاشجار كانت تعتبر صغيرة جدا بحيث تجتذب اهتمام العلماء المهتمين بدراسة الغابات، مع انها كانت في الغالب اكثرها اثارة على الاطلاق. وبعد اربعة اشهر، وقعت المأساة ففي احد الايام، امتنع «ميرا» عن تناول الطعام واصبح كسولا بدرجة متزايدة، وطوال ايام بعد ذلك كان يقضي معظم الوقت نائما ولم يكن يستطيع تناول اي شيء سوى ارتشاف القليل من عصير الليمون المحلى، وقد حير داؤه الخبراء في كلية الطب بسنغافورة. وعندما نفق في النهاية شعر كورنر بأن عزيزا عليه قد فارقه، وكتب عن ذلك يقول: لم تفارقني المأساة ابدا، وفي السنوات التالية، وفي ظل فهم افضل لدفاعات الغابة، انتابني شعور بالذنب، لايزال يمتلكني»، وشك كورنر بأن «ميرا» قد مات بسبب نوع من انواع النخيل يدعى «كريوتا» كان قد تسلق احدى اشجاره بطلب منه، واكتشف لاحقا ان ثمار الشجرة واوراقها مغطاة ببلورات من اكزالات الكالسيوم الشبيهة بالابر والتي تعتبر مثيرة للحساسية، ولا بد ان «ميرا» قد ابتلع بعضا من اجزاء النبتة مما ادى الى اتلاف معدته بصورة قاتلة. وبعد ذلك، حاول كورنر ان يعيد الكرة مع قرود جديدة، فقام بتدريب قردين هما «جمبول» و «موتيه» على القيام بالمهام التي كان يقوم بها «ميرا» وقال كورنر بهذا الخصوص: «لقد وصلت الى حالة كنت فيها قادرا على جمع اي شيء تقريبا من اعالي الاشجار في الغابة». واليوم، لاتزال عينات الاجناس التي جمعها كورنر موجودة في سنغافورة وبريطانيا بجامعتي كامبريدج وادنبرة وفي ليدن بهولندا. مات كورنر في عام 1996 ولكن من المؤكد انه كان سيسر بأن القرود النباتية لاتزال تعمل في جزيرة سومطرة الاندونيسية، فهناك فريق من العلماء الفرنسيين يعمل على توثيق معلومات عن الاشجار في الجزيرة، وقد جند لهذا الغرض قرودا من فصيلة المكاك. ضرار عمير