الخميس 28 شوال 1423 هـ الموافق 2 يناير 2003 تعمل تيرني تيس، وهي عالمة احياء بحرية أميركية من مونتري بكاليفورنيا، على استطلاع اوضاع الحياة البحرية بأدق تفاصيلها. ولكن هناك مخلوقا بحريا استرعى انتباهها وجعلها تكرس وقتها وجهدها لدراسته، وهو عبارة عن سمكة غريبة المنظر، ضخمة الحجم، تدعى «سمكة الشمس» اما الاسم الشائع الذي يطلق عليها فهو «مولا». تعتبر هذه السمكة من اقارب السمكة النفاخة التي تعشق الحيود المرجانية، وهي من الكائنات البحرية التي لا يعرف عنها الا القليل. وهذا ما دفع بتيس الى القيام بمشروع يهدف الى دراسة السمكة بزرع جهاز تعقب يعمل بالاقمار الصناعية على جسمها لمعرفة تحركاتها وانتشارها والصفات الوراثية الخاصة بها. تقول تيس، واصفة سمكة «مولا» «ان مولا هي الطبيعة الام في اكثر حالاتها توحشا وغرابة، وهي تظهر الى أي مدى يمكن للطبيعة ان تتمادى في تصاميمها، ومع ذلك نسمي الناتج سمكة». وبالفعل، فان سمكة مولا هي مخلوق ضخم، يتسم بضخامة رأسه وخشونة جلده الذي تغطيه الطفيليات، وتلّون هذه الطفيليات وجه السمكة التي تصفها تيس بأنها طبق شهي عائم، وتظهر على فم السمكة وكأنها احمر شفاه وضع بشكل سيئ فبدا بشع المنظر، وقد وجدت تيس اكثر من 50 نوعا من الطفيليات تعيش على جسم «مولا» ومنها الحيوان المجدافي الارجل «وهو من صغار القشريات النهرية والبحرية» الذي يدفن نفسه في عضلة الزعنفة بينما تمتد اعضاؤه التناسلية خلفه. وتقول تيس ان «الطفيليات التي تعيش على مولا متوحشة، وهي اشبه ما تكون بكائن صغير جاء من عالم اخر». وفي رحلة استكشافية، انطلقت تيس مع فريق من الباحثين الى المحيط الهادي من ساحل كاليفورنيا، وكان الهدف هو الامساك بسمكة «مولا» ووضع جهاز تعقب على جسمها. اخذ المركب يسير باتجاه مناطق تجمع الاعشاب البحرية التي تتغذى الاسماك في محيطها، وفجأة اشار الربان الى مكان ما في الجهة اليمنى من المركب، ثم اندفع الفريق الى العمل. وفي غضون ساعة واحدة، كان الفريق قد امسك بسمكة تزن 150 رطلا ووضعوا عليها جهاز التعقب، ثم اطلقوا سراحها. كانت تيرني تيس سعيدة للقيام بهذا العمل، فهي تعشق عملها هذا بصورة كبيرة، ومنذ ان اصبحت مبهورة بالآليات البيولوجية لهذه السمكة في عام 1991، اخذت تلاحق هذه الاسماك بهدف دراستها ومعرفة المزيد من المعلومات عنها. وهي تعكف الآن مع مجموعة من زملائها في انحاء العالم على جمع عينات من جلد هذه الاسماك وزرع اجهزة تعقب على اجسامها. ويأمل هؤلاء الباحثون ان يعرفوا كيف تتأثر اسماك «المولا» بالثروة السمكية من حيث الصيد والصيد غير المباشر. ويقول ستيفن كارل، وهو باحث يتولى الاعمال الخاصة بفحص الحامض النووي الـ «دي ان ايه» : «ان ذلك يعتمد كثيرا على ما اذا كان هذا يعد سلالة ضخمة او الكثير من السلالات المختلفة كما ان عدد الانواع يعتبر مسألة قيد الدراسة فهناك ثلاثة انواع معروفة، وتشير الدراسات الوراثية الى جود المزيد». دخلت «الرأس السابحة» وهو الاسم الذي يطلقه البعض على سمكة «مولا»، الى البحار المفتوحة قبل حوالي 50 مليون سنة. وهي الآن تنتقل بهدوء في معظم المحيطات في العالم، وفي اماكن بعيدة منها لدرجة ان مشاهدتها تعتبر نادرة. وبالاعتماد على نظام غذائي قائم على قنديل البحر فقط، فان سمكة المولا يمكن ان يصل وزنها الى 4000 رطل وفي المقابل، فان اسماك المولا تقع فريسة لأسماك القرش وأسد البحر الذي يصطاد الاسماك اليافعة فيقطع زعانفها ويهزها بعنف قبل ان يلتهمها. وبخلاف طرائدها الضخمة والخجول، فان تيس سيدة نحيفة الجسم وعنيدة، وهي امرأة في حركة ذهنية وجسدية دائمة. وتقول زميلتها هايدي ديوار ان «لديها روحا مرحة، وحماستها لاسماك «المولا» تتغلغل في كل شيء تفعله. ولديها احساس بالمرح، فهي تسافر وبصحبتها باروكتين للشعر المستعار فقط لكي تثير المرح لدى الجميع». ويقول المصور مايك جونسون انها تقدر التعقيدات الموجودة حتى لدى احط المخلوقات قدم لتيرني دلوا من الديدان وستكون سعيدة به سعادة طفل بدراجة جديدة. ويبدو ان حبها لغرائب الطبيعة قد اصبح شيئا معديا ينتشر بسرعة. وبحسب ستيفن كارل، فان تيس استاذة في التعاون. فهي تجعل كل شيء ممكن الحدوث. هناك الآن مجموعة كبيرة من الباحثين في 15 دولة انضمت الى الجهود الرامية الى دراسة المولا وركزوا الجهد والمال لتحقيق هذا ضد الهدف. وبالفعل بدأت الدراسات على اسماك المولا التي يجري تعقبها بواسطة الاقمار الصناعية تؤتي أكلها، حيث تبين ان سمكة المولا يمكنها ان تغوص حتى عمق 1900 قدم لكي تتناول طعامها، واحيانا تقوم بذلك 20 مرة في اليوم. ضرار عمير