الخميس 28 شوال 1423 هـ الموافق 2 يناير 2003 تعتبر القارة القطبية الجنوبية المكان الاشد برودة ورياحاً على وجه الارض، وفي كل عام يتجمد حوالي عشرين مليون كيلومتر مربع من سطح البحر خلال فصل الشتاء. لكن بحلول شهر اكتوبر يتدفق الى المكان الوف مؤلفة من البطاريق التي تشق طريقها الى الشاطيء. تمشي الطيور متهادية على الجليد في ارتال قصيرة، أو تنزلق على بطونها لمزيد من السرعة. يتوقف قادة الاسراب بين الفينة والاخرى لينظروا من حولهم قبل أن يواصلوا المسير في اتجاهات تبدو عشوائية لكن البطاريق القطبية من نوع «الآديلي» تعرف وجهتها بالضبط، فهي تعود الى المكان ذاته كل عام. قريباً تتشكل مستعمرات ضخمة من البطاريق وتعم الفوضى الرائحة والضجيج في هذه القارة الخاوية. بطاريق الآديلي ببطونها البيضاء ورؤسها وظهورها السوداء قد تبدو وكأنها ترتدي سترات سوداء رسمية، لكن من المؤكد انها ليست في هذا الموضع للاستمتاع في اطار حفل صاخب. فالحياة في القارة القطبية الجنوبية قاسية، والبطاريق تمتلك مهارات خاصة للبقاء، حيث تتحرك بشكل موسمي مع مد وجزر بيئتها الجليدية. وبعد ان امضت الشتاء على الهوامش الضيقة بين البحر والجليد، تحتاج البطاريق الى مساحات خالية من الجليد لتبني اعشاشها ومعابر جاهزة يسيرة للمياه المفتوحة من اجل اطعام صغارها. يرتبط بقاء بطريق الاديلي بشكل اساسي بوجود الجليد، لكن علاقتهما هي علاقة حب وكراهية في آن، فخلال فصل الشتاء، يشكل الجليد منبسطاً للعيش ومكاناً للعثور على الطعام، لكنه يمكن ان يكون ايضا عائقا يعرقل وصول الطيور الى ارض التعشيش التقليدية ومناطق التغذي، والآن تشهد اجزاء من القارة القطبية الجنوبية موجة حرّ خاصة بها ودماراً واضحاً ناجماً عن ذوبان وانهيار الجبال الجليدية، فهل تستطيع بطاريق الاديلي ان تنجو من هذه التغيرات؟ في أوج آخر عصر جليدي، قبل حوالي 19 الف عام، كانت قبضة الجليد على القارة القطبية الجنوبية اقوى مما هي عليه الآن، فقد كانت القارة مغطاة بطبقة سميكة من الجليد تمتد الى ما وراء اليابسة وتتساقط قطرة قطرة من اعالي الجروف الشاهقة الى البحر. وكانت معظم مساحات البر الرئيسي في القارة القطبية الجنوبية مغلقة امام بطاريق الاديلي مما اضطرها الى التراجع الى الجزر الواقعة قبالة الشواطيء، لكن العالم دخل تدريجيا في الحقبة الدافئة المرحلية التي نعيشها اليوم، والجبال الجيلدية الضخمة تمخضت عن مسطحات جليدية كشفت عن الشواطيء الصخرية اثر ذلك اندفعت بطاريق الاديلي من ملاذاتها جنوباً لاعادة استعمار القارة. اليوم يوجد حوالي خمسة ملايين بطريق تعيش في اكثر من 150 مستعمرة. وبعد ان تراجعت المسطحات الجيلدية الآخذة بالذوبان الى الوراء كاشفة النقاب عن شواطيء مناسبة لتعشيش بطاريق الاديلي، اصبح مصير هذه الطيور محكوما بشكل جليدي آخر هو جليد البحر فخارج موسم التعشيش، تستوطن البطاريق بين قطع الجليد المتكسرة على حافة البحر المتجمد، وبرغم ان الجليد البحري يبدو مجدياً، رلا انه يمثل مصدر غذاء حيوي للبطاريق. فجانبه السفلى مغطى بمرجة من الطحالب ومليء بالكائنات القشرية الشبيهة بالقريدس التي تعتبر مصدراً غذائياً اساسياً للبطريق. سلوك الجليد البحري في القارة القطبية الجنوبية غريب على الدوام ومن المستحيل التنبؤ بكميات الجليد التي ستتشكل في كل سنة لكن احدى المناطق هناك مرّت بتغيرات عميقة وقاسية يبدو انها جزء من اتجاه طويل الامد. فقد شهدت شبه الجزيرة القطبية الجنوبية ـ قرن اليابسة الممتد من القارة المتجمدة شمالاً نحو اميركا الجنوبية ـ تسخناً سريعاً في الخمسين سنة الماضية، ويقول جون كينغ من المعهد البريطاني لمسح القارة القطبية الجنوبية والذي يقع مقره في كامبردج: لقد ارتفعت درجات الحرارة في شبه الجزيرة الغربية بشكل مثير وبواقع 25 الى 3 درجات مئوية منذ الخمسينيات. يعتبر هذا اسرع تسخن شهده العالم. ان ارتفاع الحرارة ببضع درجات فقط يمكن ان يترك اثراً هائلاً على المناطق المتجمدة ويقول واين تريفلبيس، عالم الايكولوجيا الذي يعمل مع برنامج الموارد البحرية الحية في القطب الجنوبي. لقد تأثرت السلسلة الغذائية بأكملها بهذا التغير المناخي ولقد اصبحت شبه الجزيرة بحد ذاتها واضحة الاخضرار والان تنمو الاعشاب والطحالب في اماكن لم تشاهد فيها من قبل. ويقول تريفلبيس في السابق كان البحر يكتسي بطبقة ثمينة من الجليد في معظم الشتاءات، لكن الجليد البحري يتبع نموذجاً دورياً، حيث تشهد المنطقة شتاءين جليدين قويين لسنتين متتاليتين، تعقبها ثلاث الى خمس سنوات من الشتاءات الدافئة التي يقل فيها الجليد. وهذه انباء سيئة لبطاريق الاديلي، فهذه الطيور تمر في فترات صيام طويلة قبل موسم التوالد لذلك فيتعين عليها بناء احتياطاتها من الدهون خلال الشتاء لكي تنجح في تنشئة فراخها وجليد البحر هو مصدرها الرئيسي للغذاء. ويقول تريفلبيس: ان انعدام الجليد يعني خسارة كبيرة للبطاريق وكمثال على ذلك يشير الى مستعمرات البطاريق على جزيرة الملك جورج قبالة كافة شبه الجزيرة والتي زارها تريفلبيس مراراً على مدى الـ 25 سنة الماضية. فمنذ عشرة اعوام الى الآن انخفضت البطاريق اليافعة التي يقدر لها البقاء والعودة للتوالد في مستعمرات الجزيرة الى النصف تقريبا وذلك بسبب انهيار الحيوانات القشرية التي تتغذى عليها البطاريق، وذلك بالطبع مرتبط بحماية تراجع الجليد. ويقول تريفلبيس ان الصورة ذاتها تتكرر في العديد من الجزر على طول جزر شبه الجزيرة القطبية. وتنذر هذه الاشارات بالشؤم فعلماء الاحياء يعتبرون بطاريق الاديلي مؤشراً حيوياً لصحة هذا النظام الايكولوجي، فهي تظهر ماذا سيحدث للاصناف الحية الاخرى المعتمدة على القشريات في غذائها مثل الحيتان والفقمات التي يصعب مراقبة اوضاعها بشكل مباشر. يعتقد خبراء التنبؤ بالتغير المناخي بأن التسخن الارضي سوف يصبح ساري المفعول في القارة القطبية الجنوبية في الخمسين سنة المقبلة وسيترك اثاره بداية على حيز الجليد البحري والمفارقة هي اننا اذا وضعنا قضية الجبال الجليدية المنزلقة جانبا، فإن ذلك التغير قد يكون في مصلحة بطاريق الاديلي على المدى البعيد. ويقول ديفيد اينلي من مؤسسة «هارفي» الاستشارية في الشئون الايكولوجية والتي يقع مقرها في كاليفورنيا. اذ تواصل تبدد الجليد البحري ربما نشهد عودة لاكثر فترات البطاريق ازدهاراً قبل 4000 عام. لان المناخ الدافيء ربما يفتح مواطن ايكولوجية جديدة لتوالد هذه الطيور. لكن من الطبيعي ان ذلك لن يكون جيداً اذا لم تنج مسطحات التغذية الجليدية وحتى الآن فإن الوضع يبدو معقداً على نحو يجعل من الصعب التنبؤ بمستقبل بطاريق الاديلي الجميلة التي تزين وجه القارة القطبية الجنوبية. علي محمد