الثلاثاء 26 شوال 1423 هـ الموافق 31 ديسمبر 2002 سكان النقب وجدوا لهم أفقا تجاريا جديدا للتغلب على ضائقتهم الاقتصادية المتزايد، عشرات مزارعي الجنوب ومن بينهم اعضاء كيبوتزات وقرى تعاونية، يستخدمون المياه المخصصة للزراعة لكسب المال. فهم يقومون بتجميع المياه التي يحصلون عليها من الحكومة الاسرائيلية بأسعار منخفضة في صهاريج ويبيعونها للفلسطينيين جنوب جبل الخليل الذين يعانون منذ شهور طويلة من عدم امدادات المياه المنتظمة للمنازل والحقول الزراعية التي يملكونها. بعد اجتياز حاجز «شمعة» الذي يفصل بين التجمعات اليهودية في جنوب جبل الخليل وبين التجمعات الفلسطينية، بربع ساعة تجد أمامك منطقة حمراء اللون، والاحمر ليس نابعا من الحقول الحمراء ولا من الأسطح القرميدية أو رايات أنصار فريق هبوعيل. اللون نابع من الصهاريج الصغيرة الحمراء التي تحتوي في بطونها على مياه غالية بقدر لا يوصف. الفلسطينيون جنوب الخليل يضطرون لمواجهة نقصان المياه وعلى استعداد لدفع أي ثمن لري حقولهم واستخدامها لاحتياجاتهم المنزلية. هناك ايضا من يحول هذه الحاجة الى تجارة لا بأس بها. صحيفة «معاريف» علمت ان الاسرائيليين هناك قد باعوا الفلسطينيين خلال الاشهر الاخيرة آلاف الحاويات المائية المدعومة حكوميا مقابل عشرات آلاف الشواقل واحيانا مقابل اصلاح سياراتهم أو زيت الزيتون. «ممثلو السلطة الفلسطينية لم يصلوا الى قرانا منذ اتفاقات السلام» يقول مواطن فلسطيني يسكن في قرية صغيرة محاذية لبلدة دورا. «نحن لا نعنيهم ببساطة، ولذلك نجد أنفسنا مضطرين للحرص على مصائرنا. من دون مياه سنموت جميعا، وآبارنا فارغة، لذلك نضطر لشراء المياه من أي جهة تعرضها علينا». إثر اتفاقات اوسلو انتقلت تجمعات فلسطينية كثيرة جنوب الخليل من السيطرة الاسرائيلية العسكرية الى السلطة الفلسطينية من حيث الصلاحيات المدنية مثل الكهرباء والنظافة والمياه والتربية والتعليم والبنى التحتية. السلطة انهارت عمليا ولا يوجد لديها مال لاستثماره في عشرات القرى الصغيرة. والنتيجة هي: نقص خطير في المياه والطعام. بما ان موظفي السلطة المنهارة لا يصلون الى القرى ولا يهتمون بوضعها الاقتصادي يجد هؤلاء انفسهم مجبرين على مواجهة الوضع بقواهم الذاتية ويشترون المياه والمواد الأساسية من الاسرائيليين في النقب. المياه هي السلعة الأهم بالنسبة لعشرات الألوف من الفلسطينيين جنوبي جبل الخليل، ونقص المياه تسبب في نشوء علاقة مع السماسرة الذين يعملون على سرقة المياه المخصصة للزراعة. التجار اليهود يمتصون المياه من أنابيب الكيبوتزات والقرى الزراعية في النقب ويبيعونها للفلسطينيين في براميل صغيرة تكفي العائلة المكونة من ستة اطفال لسبعة ايام. البراميل تنقل بواسطة المزارعين اليهود أو السائقين للقرى الفلسطينية جنوب جبل الخليل. البراميل توضع في شاحنات مغطاة حتى لا يكتشف الجنود على الحواجز أمرها. والفلسطينيون يدفعون مائة شيكل مقابل البرميل الواحد. الشاحنات تقوم في بعض الأحيان بالالتفاف على حواجز الجيش في منطقة «شمعة» ويفضل السائقون السفر على شارع «لافه» حيث لا توجد دوريات للجيش ويفضي مباشرة الى الظاهرية والى القرى الفلسطينية الصغيرة التي لا تسد السلطة الفلسطينية احتياجاتها. وفي بعض الأحيان يصل الفلسطينيون انفسهم مع حاوياتهم الحمراء للتجمعات السكانية اليهودية حيث يدفعون المال مقابل الحصول على المياه ويعودون أدراجهم الى منازلهم. «ربما لا يبدو ذلك في صورة جيدة، الا انه نظام مريح بالنسبة لي» يقول أحد السكان الذي يشترك مع بعض رفاقه في تجارة بيع المياه للفلسطينيين ويضيف «الوضع الاقتصادي في النقب سيء ويزداد سوء مع الوقت، ولكننا بحاجة للارتزاق وبيع المياه للفلسطينيين هو جزء من هذه القضية. نحن نقوم بذلك منذ اربعة اشهر وهذه تجارة لا بأس بها وهي مثابة ضمان دخل». قرية أم الرجوان هي قرية فلسطينية تحصل على مياهها من التجار اليهود بصورة منتظمة. وفي هذه القرية عدة عشرات من العائلات التي كانت تعيش في السابق في الكهوف الى ان شرعت في السنوات الاخيرة في بناء منازلها على التلال وعلى صخور الجبال. سكان القرية لا يحصلون على المياه الفلسطينية والسلطة لا تكلف نفسها عناء امدادهم بخدماتها الحيوية التي يستحقونها. سكان أم الرجوان وجدوا انفسهم مضطرين لشراء المياه من التجار اليهود في النقب. «الوضع هنا سيء» يقول رئيس المجلس القروي محمد شوامرة ويضيف «لا يوجد عمل ولا مياه، ومن دون الاسرائيليين كنا سنواجه الموت لعدم توفر المياه والطعام. اليهود يبيعوننا ما نحتاجه من المياه مقابل 50-100 شيكل للحاوية، وفي بعض الاحيان يطلبون منا ان نقوم باصلاح سياراتهم مقابل جزء من الثمن. الجميع راض عن هذا النظام لان السلطة أهملتنا. ولاننا لا نملك ما يكفينا من المياه نضطر للاستحمام مرة واحدة في الاسبوع». شوامرة يقول ان صهاريج المياه تصل الى القرية بصورة منتظمة من خلال الطرق الالتفافية من خلال سائقين يهود. ويقول ايضا انهم يعطون الثمن من خلال زيت الزيتون. أحد اعضاء الكبيوتزات الضالع في مبيعات المياه أوضح سبب بيعه المياه للفلسطينيين على الرغم انها مخصصة للزراعة: «وضعنا سيء من الناحية الاقتصادية، صحيح انني أخجل من اننا نبيع المياه لأعدائنا كما يبدو الا انهم بشر وهناك حاجة لمساعدتهم. هناك رفاق كثيرون عارضوا مبيعات المياه، الا انهم صامتون لانهم يقومون ايضا بعمليات بيع غير قانونية من الأغذية للفلسطينيين ومن خلال طرق ملتوية. دون البحث عن وسائل للعيش فاننا سنغلق الكيبوتس ونذهب الى مكتب العمل. الحكومة الاسرائيلية هي التي أوصلتنا الى هذا الوضع». البدو في النقب مشاركون ايضا في مبيعات المياه، فهم يقومون ببيع المياه التي خصصتها لهم شركة مكوروت للفلسطينيين خصوصا في نهاية الاسبوع حاصلين بذلك على عشرات آلاف الشواقل شهريا. في ايام الاغلاق الصعبة حيث ينتشر الجيش في كل المنطقة نجح الفلسطينيون في جنوبي الخليل بربط انفسهم بصورة فردية مع خطوط مكوروت الموجودة في التجمعات السكانية اليهودية المجاورة لهم. وعندها يقومون بتجميع هذه المياه في بئر منزلية لاستخدامها للشؤون المنزلية والشخصية. صحيح ان الجميع راض عن سوق المياه السوداء: اليهود الذين يتغلبون على ضائقتهم وديونهم، والفلسطينيون الذين يسدون حاجتهم لهذه السلعة الأساسية للعيش. سلطة المياه فوجئت لسماعها عن القضية. الناطق بلسانها، أدري شور، قال ان الامر غير معروف لهم وان المسألة غير منطقية ذلك لان المنطقة مليئة بالمياه الآن. مسئولية امداد الفلسطينيين بالمياه تقع على كاهل السلطة حسب الاتفاق وسلطة المياه الاسرائيلية تمد الفلسطينيين بالجزء الذي خصص لهم بل وتزيد عنه. كما انهم يحفرون بمساعدة الاميركيين آبارا جديدة، هذا عدا عن قيامهم بعمليات الربط غير القانونية مع الاسرائيلية. عن «معاريف»