الثلاثاء 26 شوال 1423 هـ الموافق 31 ديسمبر 2002 ارتبط اسم أرييل شارون بالمذابح الدموية طوال حياته، منذ ان انضم، وهو مراهق صغير، إلى عصابة «الهاجاناه» الأمر الذي جعله يحمل عن استحقاق لقب «السفاح». ويستمد هذا الكتاب أهميته من أنه يطلعنا بالتفصيل على تاريخه، وبالتالي يتيح لنا معرفة المزيد عن عدونا وأساليبه مع إيضاح الظروف العربية والدولية التي أتاحت له ولأمثاله من جنرالات اسرائيل أن يصلوا بالقضية الفلسطينية إلى ما وصلت اليه الآن. ومع ثقتنا بوعي القاريء العربي، فإن من واجبنا أن نشير إلى أن الكتاب صدر عن داري نشر أميركيتين هما «أكاديمي شيكاغو» و«أوليف»، كما اشترك في تأليفه ثلاثة كتّاب يناقشون وجهات نظر وطروحات تتناقض مع رؤيتنا العربية بشكل جوهري. يبدأ المؤلفون الثلاثة كتابهم الذي نناقشه هنا بالعودة الى الأيام المبكرة في حياة عائلة أرييل شارون، الذي ولد في 27 فبراير 1928 لأب يهودي روسي يدعى صامويل شيزمان وأم روسية تدعى دفورا، أما جده لأبيه واسمه موردخاي فقد كان مدرسا للغة العبرية في روسيا، وهو شديد التعصب للصهيونية، وأوفده اليهود الى بازل في سويسرا للمشاركة في المؤتمر الصهيوني العالمي عام 1897، ثم قضى عامين في فلسطين من 1910 الى 1912 حيث عمل بالتدريس، غير انه وجد الحياة هناك شاقة بالنسبة لزوجته وأطفاله، فعاد الى روسيا، ولكنه ما لبث ان شد رحاله الى فلسطين مجدداً بعد قليل ليستقر مع عائلته في تل أبيب. وظل يلقن ابنه صامويل مشاعر التعصب للصهيونية، ويعلمه العبرية والتوراة في البيت، وكانت دفورا، أم شارون، قد عجزت عن استكمال دراستها للطب في روسيا، ووجدت صعوبة في استكمالها في فلسطين بعد وصولهم اليها في فبراير عام 1922 لعدم معرفتها أي لغة غير الروسية وعدم رغبتها في العمل في الزراعة مضحية بحلمها في ان تكون طبيبة، ويشير مؤلفو الكتاب الى انها لم تكن تشارك زوجها وجهات نظره على الاطلاق، وانها قالت بعد عدة سنوات انه «حولها الى اعتناق الصهيونية بالقوة». وفي 1921 كانت فلسطين تعاني من اضطرابات شديدة، ونشبت معارك دموية بين اليهود والعرب، فضلا عن وجود صراعات داخلية بين «الرواد اليهود» انفسهم حول مسائل الأمن وزراعة الاراضي. وفي هذا المناخ الشائك في سنة 1922 استقر صامويل وزوجته دفورا في كفار معلال في قطعة أرض اشتراها الصندوق الوطني اليهودي، الذي انشأته المنظمة الصهيونية العالمية، وقد فضل صامويل تلك المزرعة المسماة «موشاف» على الاخرى المسماة «كيبوتز» وهي المستعمرة الجماعية التي يشترك الجميع في ملكية كل شيء فيها. ولما لم يكن صامويل مهتما بالاشتراكية، وكان فردي النزعة بشدة، فقد أراد ان يمتلك ارضه الخاصة به لأن كل عائلة في «الموشاف» تمتلك منزلها على أرضها الخاصة على الرغم من ان المزارعين يعيشون معا في حياة جماعية، ويضم عمليات الزراعة الاساسية والتسويق مجمع واحد. وقد تطورت كفار معلال الان تطورا كبيرا وأصبحت مستوطنة ممتدة، ولكنها عندما وصلتها عائلة سيزمان أول مرة (أي في عام 1922) كانت تفتقر الى الحياة والكهرباء، واضطر صامويل وزوجته الى العيش في خيمة حتى تم بناء كابينة لهما. نزعة دموية مبكرة في اشارة الى نضال الشعب الفلسطيني ومقاومته لمحاولات تهويد أرض فلسطين، يلمح مؤلفو الكتاب الى بعض الأحداث من دون ان يذكروا، بالطبع، كلمتي «مقاومة» أو «نضال» والمثال الواضح على ذلك ما يذكره المؤلفون عن خطورة العيش في تلك القرية وقولهم ان «العرب» كانوا قد دمروها في العام السابق على وصول ذلك الرجل وزوجته المهاجرين من روسيا، ثم اعاد الصهاينة بناءها من جديد، وقد اعتبرت سلطات الانتداب البريطاني قيام اليهود ببناء مزيد من المستوطنات عاملاً جديداً مثيراً للاضطرابات في فلسطين. وفي عام 1929 انفجرت موجة من المظاهرات ضد اليهود احتجاجاً على الهجرة اليهودية وقيام اليهود بالصلاة على الحائط الغربي، في ذلك الوقت قام المستوطنون بتشكيل عصابة ميليشيا جديدة حملت اسم «الهاجاناه». ومن الملاحظ بالنسبة للمنهاج الذي اتبعه المؤلفون، انه في كل مرة يتعرضون فيها لسلوك الصهاينة أو عمليات ارهابية يقومون بها في فلسطين، فانهم يسبقون كلامهم بالاشارة الى ما يصورونه على انه عدوان عربي عليهم، وكأن ما يقوم به المستوطنون الصهاينة هو مجرد رد على تحرك عربي ضدهم وهو الأسلوب نفسه الذي استخدمه الصهاينة ومازالوا يستخدمونه اليوم لتبرير مذابحهم البشعة في فلسطين المحتلة. في هذا السياق يقول المؤلفون، بعد حديثهم عن اندلاع المظاهرات الفلسطينية ضد الهجرة اليهودية، انه في أقل من أسبوع قتل 133 يهوديا وجرح 340، وقتل العديد من سكان الخليل فيما بعد. ويقول المؤلفون ان هذا العنف أدى الى قيام المستوطنين باعادة تنظيم دفاعاتهم من دون الحصول على ترخيص من سلطات الانتداب البريطاني، ولم يعودوا يشعرون بالأمان فحمل صامويل ودفورا السلاح. وكان جيرانهما من المزارعين يعتبرون هذا الرجل متعجرفا وذا نزعة فردية متعصبة، وقد نما شعورهم بالعداء له الى حد منع أسرته من زيارة عيادة المستوطنة ومعبدها أو استخدام شاحنتها التعاونية، ومع نمو الكراهية بينهم أوصى صامويل في وصيته بألا يتحدث في جنازته أحد من سكان كفار معلال، وألا تستخدم الشاحنة اياها في نقل جثته الى المقابر. ويبدو من الكتاب ان نزعة شارون الدموية ظهرت في وقت مبكر، فلم يكد يبلغ الرابعة عشرة من عمره حتى التحق بعصابة «الهاجاناه» وكان يتلقى تدريبه أيام السبت وليلة واحدة في الاسبوع، وسرعان ما نقل الى قوة «الاشارة» وهي تضم نخبة المتدربين، وكان يتلقى التدريب على أيدي رجال شرطة المستوطنة، وكان البريطانيون قد أنشأوا قوة الشرطة هذه لحماية المستوطنات اليهودية والمنشآت البريطانية. وبعد ذلك انضم الى كتائب تدعى «كتائب جادنا» المشكلة من الشباب، وفيها تلقى تدريباً عسكرياً مكثفاً في كيبوتز «روتشاما» في صحراء النقب. ومرة اخرى يكشف مؤلفو الكتاب عن ان تدريب اليهود العسكري كان يتولاه البريطانيون، فضلا عن عصابة «الهاجاناه»، ولكن المؤلفين يعودون فيقولون ان ذلك كان يتم على الرغم من ان البريطانيين كانوا يبذلون كل جهد ممكن لمنع المهاجرين اليهود من دخول فلسطين. ومنذ زمن يعود الى عام 1907 أرسى الصهاينة تقليدا يقضي بحماية المستوطنات اليهودية بواسطة منظمة سرية تسمى «هاشومر»، وكان بن جوريون قد انضم اليها عند وصوله الى فلسطين لأول مرة. وكان أعضاء هذه المنظمة قد اتخذوا الطريق العسكري لا لمجرد تحقيق أهداف عسكرية فحسب، بل وايضا بهدف محو معالم الصورة السائدة عن «اليهودي التائه» ولكي يحلوا محلها صورة «اليهودي الشجاع الجديد القاسي الذي يحمل السلاح عن مستوطنته وعن وطنه». وفي عام 1920 تم تسريح اعضاء منظمة «هاشومر» وحلت محلها «الهاجاناه» التي كانت تحظى بتسامح البريطانيين على الرغم من كونها غير شرعية، وقد انضمت «الهاجاناه» فيما بعد الى الهستدروت أو مؤسسة العمل الوطنية حتى اندلعت الانتفاضة العربية عام 1929. ونتيجة لهذه الانتفاضة تبين لليهود ضرورة تشكيل ميليشيا قوية، وترك أمرها لبن جوريون باعتباره رئيسا للوكالة اليهودية. وبدأت تقوية عصابة «الهاجاناه» بالتدريج وتدريبها بشكل مكثف، وتدفقت عليها الاسلحة بدعم من المجتمعات اليهودية الدولية، وبالاضافة الى ذلك يقول المؤلفون ان هجرة اليهود الى فلسطين تزايدت بشكل ملحوظ بسبب ظهور النازية في أوروبا واغلاق باب الهجرة الى الولايات المتحدة. وفي مايو 1936 دعت اللجنة العربية العليا الى الاضراب العام الذي استمر ستة أشهر، ويزعم مؤلفو الكتاب الذي نستعرضه ان ذلك تسبب في شن هجمات «ارهابية» ضد كل من اليهود والبريطانيين، وبعد معركة مريرة بين الجيش البريطاني والفدائيين «العرب» في مارس 1938 هدأت الاحوال بشكل معقول. وأرجو ان يلاحظ القاريء هنا اصرار المؤلفين الثلاثة على وصف الفدائيين بأنهم «العرب» متحاشين دائما صفتهم كفلسطينيين. ومن دون قصد من المؤلفين يفضح الكتاب مدى التعاون الوثيق الذي قام بين سلطات الانتداب البريطاني وعصابة «الهاجاناه»، اذ يقول المؤلفون انه على الرغم من وقوع هجمات متقطعة عندما بدأت الحرب العالمية الثانية في سبتمبر 1939، فقد ظل مستوى الاضطرابات في حده الأدنى بفضل البريطانيين و«الهاجاناه» التي استفادت فائدة كبيرة من التدريب الممتاز الذي أشرف عليه الكابتن البريطاني أورد وينجت. العصابات الثلاث وفي أواخر الثلاثينيات لم تكن عصابة «الهاجاناه» وحدها هي التي تعمل في فلسطين المحتلة، فقد كانت هناك عصابات اخرى يصفها الكتاب بأنها «منظمات» منها عصابة الارجون تزفاى ليومي «المنظمة العسكرية الوطنية» التي كانت تقوم بعمليات ارهابية ضد العرب والبريطانيين، ولكنها عندما اندلعت الحرب اعلنت انها سوف تتعاون مع البريطانيين ضد المحور، وفي ديسمبر عام 1941 أعيدت الى البحر من ميناء اسطنبول سفينة نقل المواشي القديمة المسماة «ستروما» وعلى متنها 769 مهاجراً يهودياً، بعد ان ظلت تنتظر في الميناء مدة شهرين، كان الاتراك والبريطانيون يتفاوضون خلالهما، وفي نهاية الأمر رفض الاتراك السماح للمهاجرين بدخول فلسطين، وغرقت السفينة وهي في عرض البحر ولقى طاقمها وركابها مصرعهم باستثناء شخص واحد، وحدث انشقاق في صفوف عصابة «الارجون» حول هذا الموضوع، وانفصلت مجموعة متطرفة بقيادة ابراهام شتيرن (أو يائير كما كان يسمى) لتقوم بعمليات ضد البريطانيين، وقد عرفت تلك المجموعة باسم عصابة «شتيرن». وفي رأي مؤلفي الكتاب ان الوكالة اليهودية آنذاك نصحت بالتزام الصبر والتعاون، ولكن عصابة «الهاجاناه» نظمت وحدات خاصة قامت بعمليات سرية مثل التهريب والاغتيالات ضد كل من البريطانيين والعرب، وفي وقت متأخر من عام 1943 كانت كل من عصابتي «شتيرن» و«الارجون» بقيادة مناحم بيجن تقوم بعمليات يصفها مؤلفو الكتاب لأول مرة بأنها ارهابية ضد البريطانيين. وكانت على الساحة في ذلك الوقت ثلاث عصابات عسكرية يهودية هي: «الهاجاناه»، و«ارجون» و«شتيرن». وبنهاية الحرب العالمية الثانية كانت العصابات الثلاث تنوي التخلص من البريطانيين في فلسطين، ولكنها لم تستطع العمل معاً، بل يرى مؤلفو كتاب «شارون» ان الكراهية كانت تسود بينها، وكانت تغير على بعضها البعض. وكانت «الهاجاناه» هي العصابة الوحيدة التي تتمتع بوضع «قانونى» الى حد ما(!) بعد ان تنازل لها البريطانيون عن حماية المستوطنات البعيدة. وعندما أرادت «الهاجاناه» تحاشي انتقام بريطانيا لاغتيال اللورد موين في القاهرة تتبعت آثار اعضاء عصابتي «ارجون» و«شتيرن» الضالعين في حادثة الاغتيال وسلمتهم للسلطات البريطانية. تقسيم الأدوار تفرق طلاب المدارس الثانوية بين هاتين العصابتين المتطرفتين، وكان شارون نفسه يتعاطف مع المتطرفين ويعرب عن غضبه على ما فعلته عصابة «الهاجاناه» واستنكاره لتسليم الجناة الى البريطانيين. وفي عام 1945 انهى دراسة المرحلة الثانوية، وكانت الحرب قد وضعت أوزارها، وعلى الرغم من تحفظاته على عصابة «الهاجاناه» التحق بدورة تدريب سرية نظمتها العصابة لقادة السرايا في كيبوتز بعيد على أطراف صحراء النقب. وبعد شهرين من التدريب رسب، ولم يستطع الحصول على مرتبة عريف، وحصل فقط على مرتبة جندي من الدرجة الأولى، فعاد مرة اخرى الى كفار معلال ليخطط لالتحاقه بعصابة «البالماخ» وهي «قوة الصاعقة» التي شكلتها «الهاجاناه» في عام 1941 لتصبح قوة «النخبة» والتي بلغ عدد أعضائها ثلاثة آلاف فرد. وقد بدت تلك القوة المكان المنطقي للتدرب على استخدام أنواع الاسلحة وتلقي تدريب ميداني تكتيكي، كما انها تعتبر الخطوة الضرورية لأي شخص ذي طموح عسكري. غير ان «البالماخ» ـ باعتبارها قسماً من الهاجاناه ـ كانت تعمل لحساب البريطانيين في مراقبة أنشطة الأعداد المتزايدة من المتطرفين اليهود، وقامت بالفعل بتسليم عدد منهم للسلطات البريطانية مما أثار غضب كثير من المستوطنين ومن بينهم صامويل شيزمان. في الوقت الذي كانت عصابتا «شتيرن» و«الارجون» تقومان بنسف مراكز الشرطة ومواقع الجيش وتدمير الجسور وخطوط السكك الحديدية ومواقع خفر السواحل، وألقي القبض على عدد من هؤلاء المجرمين ونفذ فيهم حكم الاعدام شنقاً. ويقول مؤلفو الكتاب: إن عواطف شارون كانت مع هؤلاء المتطرفين، وكان معجباً بما يقومون به، معتبراً اعمالهم بمثابة «الاخلاص البطولي والتضحية بالنفس»، فتخلى عن فكرة الانضمام الى «البالماخ» وانضم الى شرطة المستوطنات اليهودية التي يشرف عليها البريطانيون، مما وفر له غطاء لعلاقته بعصابة «الهاجاناه» خاصة وان قادة الشرطة البريطانيين كانوا يأتون للتفتيش فقط. كان الموقف السياسي يزداد تعقيداً، وكانت العلاقات بين العرب واليهود تزداد سوءاً يوماً بعد يوم، وفي نهاية عام 1945 انضمت العصابات الثلاث معاً لتمارس عملياتها الارهابية في فلسطين، ويشير مؤلفو الكتاب الى مهمة كل عصابة، فكانت «الهاجاناه» تركز جهدها على تهريب المهاجرين وبناء المستوطنات غير المشروعة وتنظيم المظاهرات، بينما كانت العصابتان الأصغر، وهما «الارجون» و«شتيرن» تتوليان معاً عمليات الاغتيال ونصب الكمائن والقاء المتفجرات والقنابل. وظلت الأحداث تتوالى مسرعة، وفقد البريطانيون حرب العلاقات العامة كما يسميها الكتاب. ويعزو المؤلفون ذلك الى «احتجاز البريطانيين» للناجين من المحرقة خلف الاسلاك الشائكة في فلسطين وقبرص. ويقول المؤلفون الثلاثة ان الأمور ازدادت سوءاً عندما أراد البريطانيون الذين تمردوا على قياداتهم، الانتقام من عصابة «الارجون» لقيامها بنسف قيادة الشرطة البريطانية في فندق الملك داود في القدس يوم 22 يوليو 1946. عندما اكتملت المؤامرة أخيراً، عندما اكتملت المؤامرة الكبرى على فلسطين، وقررت بريطانيا الانسحاب منها متيحة الفرص كلها للعصابات اليهودية، صوتت الأمم المتحدة في 29 نوفمبر 1947 على قرارها بتقسيم فلسطين، وكانت نتيجة التصويت في ذلك اليوم هي: ثلاثة وثلاثون صوتاً لصالح التقسيم، وثلاثة عشر صوتاً ضد القرار، وامتنعت عشر دول عن التصويت. وفي 12 ديسمبر أصبح شارون عضواً في الجيش الاسرائيلي، بعد ان تمت تعبئة جميع العصابات اليهودية، وانضمت وحداتها العسكرية لتشكل ما سمي في النهاية بقوات الدفاع الاسرائيلية. وفي يوم 14 مايو 1948 في الساعة الرابعة والنصف مساء، عقد المجلس الوطني اليهودي جلسة خاصة في تل أبيب حيث أعلن ديفيد بن غوريون ان «دولة اسرائيل سوف تقوم عند منتصف الليل موعد انتهاء الانتداب البريطاني».