الاثنين 25 شوال 1423 هـ الموافق 30 ديسمبر 2002 بعد ما يزيد على نصف قرن من الاغتراب في المنفى، عاد ورثة العائلة الملكية الايطالية المخلوعة، مؤخراً في زيارة إلى روما ليوم واحد لمقابلة البابا في لقاء رسمي. استغل فيكتور ايمانويل البالغ من العمر 64 عاماً، ترافقه زوجته مارينا دوريا ونجله ايمانويل فيليبرتو «30 عاما» فرصة رفع الحظر الدستوري المفروض على عودة سلالة عائلة سافوي من الذكور إلى ايطاليا، ليطأ تراب وطنه لأول مرة منذ 56 عاماً.وكانت زيارته الخاطفة مفاجأة غير متوقعة للصحافيين الايطاليين الذي أخذوا على غرّة، ومبعث انزعاج دبلوماسي، لان وجهته الحقيقية كانت الفاتيكان، ولم تكن وجهته الجمهورية التي غادرها والده الملك أمبرتوا مطروداً ومجللاً بالعار في عام 1946. مرتديا بذلة داكنة وربطة عنق سوداء، انحنى فيكتور ايمانويل ليقبّل خاتم البابا في مستهل لقائهما القصير في الفاتيكان. وتبادل البابا والملكيون السابقون والهدايا والتمنيات الطيبة بمناسبة عيد الميلاد، حيث قدم البابا مسبحة لاعضاء وفد فيكتور ايمانويل مقابل لوحة وكتاب عن تاريخ عائلة سافوي قدمها ابناء العائلة الملكية الايطالية المخلوعة. وقال فيكتور الذي بدا متأثرا خلال حديثه للمراسلين الصحافيين في مطار كيامبينو بروما قبيل صعوده الى طائرته الخاصة لرحلة العودة الى منفاه في جنيف: «هذه اعظم هدية كان يمكن ان نتلقاها في عيد الميلاد». حدق الوفد الملكي باعجاب في اللوحات الجصية البديعة على جدران القصر البابوي وتنزهوا سيرا على الاقدام في حدائق الفاتيكان وحولوا مسار موكب سياراتهم لمشاهدة امتداد الطريق الابيابي والكوليزيوم الروماني القديم. ولم تسنح الزيارة التي نظمت بسرعة خاطفة الفرصة للاتصال بالسلطات الحكومية الايطالية، وسارع الصحافيون الايطاليون لتوجيه توبيخ مدروس متعمد للدولة الجمهورية التي انتظرت كل هذه العقود الطويلة قبل أن تجيز عودة أبناء العائلة المالكة الايطالية. وقال توماس ديبنديتي، المراسل الذي يغطي موضوع الزيارة لصحيفة «ماتينو» الايطالية: لقد بدا الأمير متضايقاً عندما سئل عن سبب عدم ادلائه بأي عبارات أو ايماءات مجاملة للرئيس كارلو كيامبي، يبدو أن هناك رغبة ضمنية من جانبه بعدم الاعتراف بالسلطات الايطالية تماماً. ذهب فيكتور ايمانويل الى المنفى في التاسعة من عمره بعد رفض عائلته الاعتراف بشرعية استفتاء على ملكيتها. كانت سمعة جدة الملك فيكتور ايمانويل الثالث ملطخة بانخراطه مع الفاشية، وموافقته على قوانين موسوليني. وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير هروبه المشين من روما امام زحف القوات الالمانية في الثامن من سبتمبر عام 1943. وبتنازله عن العرش لابنه امبرتو اطال عمر الملكية 27 يوما اخرى فقط. وفي يونيو عام 1946 ادلى 54 بالمئة من الايطاليين بأصواتهم في استفتاء جماهيري لصالح قيام الجمهورية، وتضمن دستور ما بعد الحرب فقرة خاصة تحظر على أي ذكر من ورثة عائلة سافوي ان يطأ التراب الايطالي. وخلال مرحلة المنفى في البرتغال، وبعد ذلك في سويسرا كان تقدم التصالح بين عائلة سافوي وايطاليا الجمهورية بطيئاً جداً، فقد تعرقلت عملية رأب الصدع بسلسلة من الفضائح والاخطاء الدبلوماسية التي قوضت التعاطف الجماهيري مع العائلة المنفيّة. فانخرط فيكتور ايمانويل في تجارة الاسلحة نيابة عن شاه ايران وعضويته في المحفل الماسوني اليميني المحظور «بي 2» ومحاكمته ومن ثم تبرئته في تهمة حادث اطلاق النار على رجل الماني في يخته بالقرب من جزيرة كافلو الفرنسية، كلها امور لم تساعد ابدا في تحسين شعبية العائلة. لكن مع انزواء ذكريات الحرب واضمحلال المخاوف من قدرة عائلة سافوي على التأثير في مجرى السياسة الايطالية، بدأت العائلة تضغط باتجاه ضمان حق اعضائها الذكور بان يعاملوا معاملة المواطنين الأوروبيين الآخرين في ايطاليا. في عام 1988، اعترف فيكتور ايمانويل بالجمهورية بوصفها «واقعاً لا جدال فيه» لكن التصريحات الملكية غير المدروسة بعناية ظلت حجر عثرة في طريق عملية التصالح. ففي عام 1996، ادلى ايمانويل بتصريح يفتقر للباقة حين اعرب عن مناصرته للانظمة الملكية وتفضيلها اياها عن الجمهوريات، حيث قال في حديث مع محطة تلفزيونية سويسرية ان الملكية لاتزال تمثل رمزاً شرعياً وفعالاً لوحدة وديمومة الامة وبعد ذلك بعام واحد أثار السخط عليه عندما اشار خلال حديث مع محطة تلفزيونية ايطالية الى ان قوانين موسوليني العرقية لم تكن «فظيعة الى ذلك الحد» وطبقت بقبضة لينة متساهلة. لكن اعتذاراته الرسمية التي تلت ذلك اعطت مفعولاً قويا الى ان اقترع البرلمان الايطالي في شهر يوليو الماضي على دفع الخطر عن عائلة سافوي. صدر القرار النهائي بإجازة عودتهم الى الوطن في العاشر من نوفمبر الماضي اي بعد 64 عاما بالضبط من سن قوانين موسوليني في عام 1938. واستغرق الامر من العائلة أكثر من شهر حتى استفادوا من الحق الممنوح الذي طال انتظاره بزيارة وطنهم ويعاني الامير من اصابة شديدة في العمود الفقري تعرض لها اثر حادث خلال رالي سيارات في مصر. ربما تكون ايطاليا اليوم غريبة عن الملكيين السابقين، فقد اعترف فيكتور ايمانويل بانه وجد صعوبة في التعرف على النصب التذكارية والصروح القديمة في روما بعد كل هذا الغياب ـ لكن اعضاء العائلة يظهرون بشكل متكرر على شاشات التلفزة الايطالية. وكثيراً ما يظهر ايمانويل فيليبرتو في برامج كرة القدم الحوارية على التلفزيون الايطالي حيث يعتبر من مشاهير عشاق نادي يوفنتوس، وكان آخر ظهور له في اعلان تجاري لمنتج غذائي يوصي به للمشاهدين الذين يريدون ان يجربوا «شعور الملوك». وعد فيكتور ايمانويل بأن يعود عودة حقيقية إلى ايطاليا ـ ربما ابتداء من نابولي ـ خلال ستة اسابيع. لكن البعض غير متحمسين لهذه اللحظة حيث وصف عضو مجلس الشيوخ الايطالي جيافرانكو باجليارولو زيارة الملكيين السابقين بانها قفزة مقلقة الى الماضي. من جانبه لم يجد وزير الشئون الاوروبية المعتدل روكو بوتيغليوني اي سبب يبعث على التحمس. وقال ان الزيارة لم تعزز حتى المشاعر الجمهورية واضاف: «لا أرى اي جانب مهم في الامر انهم مجرد مواطنين مثل بقية الناس». ترجمة: علي محمد عن «غارديان»