الاحد 25 شوال 1423 هـ الموافق 29 ديسمبر 2002 «استباحت الميديا والصحافة دم ادارة بوش»، هكذا بدأ بوب وودوارد الفصل العشرين من الكتاب الذي نناقشه في هذه الحلقات. ظلت الصحافة توجه طعناتها المسمومة بل القاتلة الى اسلوب بوش ومعاونيه في ادارة الحرب في افغانستان. كان بوش يعتز بأن ادارته تنتهج الأسلوب اللائق بالولايات المتحدة بوصفها أكبر قوة في العصر، أسلوب التفكير «على الواسع» كما قد نقول، وأسلوب التصرف على أساس الكبرياء والعزم والحسم الجدير بامبراطورية باذخة، لكن ها هي شبكة «بي.بي.اس» القومية تقول ان بوش يفكر على طريقة بيل كلينتون «على الضيق» متوخيا طموحات صغيرة وأهدافا شديدة التواضع وقرارات لا تعكس الحزم ولا الحسم بقدر ما تفوح منها رائحة التردد والخلط والارتباك. وبلغ الهجوم القاتل ذروته عندما نشرت «نيويورك تايمز» يوم 31 أكتوبر 2001 مقالا للكاتب «ر.آبل» يستهله بسؤال مسموم هو: «هل يمكن ان تصبح افغانستان هي فيتنام الأخرى؟ وهل باتت الولايات المتحدة تواجه طريقا مسدودا آخر عند الجانب الآخر من العالم؟ قد تكون تلك تساؤلات لم يحن ادارتها بعد، ولكنها اسئلة مشروعة في كل حال». كان رامسفيلد قد عمد الى تطمين الاميركيين حول حجم القوات التي ارسلولها الى مسرح العمليات في افغانستان ربما لم يشأ صقر البنتاغون الجارح ان يقول لمواطنيه ان الادارة تنوي ارسال ألوف من ابنائهم الشباب الى ذلك البلد الغامض البعيد كي يلقوا حتفهم في جبال تورا بورا أو في حواري قندهار، لذلك أعلن رامسفيلد ان العمليات العسكرية الاميركية كانت في حدود ضباط اتصال مع عناصر المعارضة ضد طالبان وان حجم العسكرتارية الاميركية لا يتعدى من ثم وحدات صغيرة من القوات الخاصة التابعة للولايات المتحدة، الخ. في هذه النقطة بالذات «اصطاده» الكاتب «ر.آبل» فعاد الى وضع عبارات حارقة على جرح الستينيات الغائر القديم فقال: ان دورهم هذا يدعونا الى الشك في انه يستعيد دور المستشارين (الأميركيين) الذين سبق ارسالهم الى فيتنام في مقتبل الستينيات «وتلك اشارة تعرفها كل الأجيال المخضرمة في أميركا حيث بدأت ورطة ـ تراجيديا فيتنام بمستصغر الشرر على شكل أفواج من المستشارين، ثم مالبثت ان تحولت، بل تضخمت وتورمت الى حيث اندلاع لهيب الحرب واتساع نطاق الصراع مع مقاتلي الشرق الأسيوي في شمال فيتنام وجنوبها مما الحق بالولايات المتحدة خسائر رهيبة في الأرواح والمعدات، وفي الهيبة الدولية، والوجدان القومي على السواء. وبعد جرح فيتنام عمد كاتب «نيويورك تايمز» الى طرح امثولة وعبرة اخرى مستقاة من كارثة الغزو السوفييتي لافغانستان وفي هذا قال الكاتب: ترى هل ننسى ان الاتحاد السوفييتي السابق وقد كان مزودا بدبابات عالية الكفاءة ضخمة الاعداد، لكنه واجه بدوره حاجزاً مسدوداً ومن ثم واجه الهزيمة والاندحار على يد قوات المتمردين الافغان. حرب العلاقات العامة لهذا كان منطقيا ان يدخل الرئيس بوش الى قاعة اجتماع مجلس الأمن القومي في التاسعة والنصف صباحا ويستهل الاجتماع اليومي قائلا: ايها السادة، اننا نخسر حرب العلاقات العامة. ولم يكن الرئيس يقتصر في حديثه على الرأى العام الاميركي ولكن كان يتحدث على نطاق أوسع وأشمل يضم الرأى العام العالمي ومن بينه شعب افغانستان ذاته، أضاف بوش يقول: لا أحد يشكرنا على مانقوم به لصالح الشعب الافغاني، ولذلك فنحن بحاجة الى عقد مؤتمر للمانحين قبل حلول شهر رمضان، وعلينا ان ندعو طالبان الى السماح بمرور شاحنات المعونات الإنسانية والغذائية، و(نهددهم) بأنهم اذا لم يفعلوا يكونون بذلك قد خالفوا تعاليم، الاسلام(!) بدأ مجلس الأمن القومي يتدارس تطورات الموقف على الارض في افغانستان، كانت الخشية من اقتراب فصل الشتاء وهو موسم قارس البرودة «الى حد التوحش» كما يصفه المؤلف وكما كان يعرف المجتمعون، وزاد الأمر سوءاً حين تكلم رجل البنتاغون القوى ـ رامسفيلد عن مشكلات الامداد العسكري، ومنها مثلا محاولة اعادة تزويد قوات المعارضة التي يقودها الجنرال فهيم بمزيد من الأسلحة والعتاد، كان مجهودا جويا يقوم على اسقاط الامدادات اللازمة من الطائرات وفي ساعة الصفر، بدأ الاسقاط بواسطة المظلات، ولكن الباراشوت لم يفتح لسبب مجهول، وكانت كارثة. والمشكلة ان مثل هذه الأمور لا تلبث أن تجد طريقها الى العلن ولا سبيل الى التكتيم أو التعتيم على اخبارها. لذلك عاد الرئيس بوش يقول: نحن نخوض حربا على جبهتين: فأميركا واقعة تحت طائلة التهديد بهجوم في هذا الموقع وذاك وعلينا ان نخوض حربا في الداخل من خلال تدابير الأمن الداخلي، وعلينا في الوقت نفسه ان نخوض حربا فيما وراء البحار نتصدى فيها لمقاتلة الاشرار. يلاحظ المؤلف من هذه العبارات ان الرئيس كان كمن يتكلم الى قوم بسطاء سذج لا يعرفون شيئا ولم يتابعوا شيئا، لذلك جاء حديثه بدوره بديهيا لا جديد فيه. والمهم انهم توصلوا الى ضرورة ان يقولوا شيئا للناس، ان يخاطبوا الرأى العام، ان يحيطوا جماهير الاميركيين بما يدور ربما آلت إليه أمور الحشد الاميركي في افغانستان، وكان رامسفيلد هو المرشح ـ بوصفه وزير الدفاع لأداء هذه المهمة امام شاشات التلفزيون. الخميس أول نوفمبر. وقف الوزير دونالد رامسفيلد امام العدسات وقد احاط به المذيعون والصحافيون ـ القى تحية المساء ثم بدأ حديثه بعبارات تقول: لقد فكرت مليا بشأن التساؤلات المطروحة حول الاشواط التي قطعناها في الحرب حول سرعة ايقاعها ومدى تقدمها، وحول مطالبة الشعب الاميركي بالصبر اذا لم يحدث شيء على الفور في الميدان. بعدها ـ يقول المؤلف ـ لجأ رامسفيلد الى اعطاء دروس في التاريخ، حيث اتخذت نبراته لهجة التلطف أو الاستمالة، قال: تأملوا ـ حضراتكم ـ عبرة التاريخ، بعد 7 ديسمبر عام 1941، أي بعد الهجوم على بيرل هاربور (يقصد تدمير اسطول اميركا على يد اليابان) استغرق الأمر 4 أشهر لكي ترد أميركا على ذلك الهجوم بالغارة التي شنتها على طوكيو في إبريل سنة 1942. واستغرق الأمر 8 شهور لكي يتم أول هجوم بري، واستمر قصف اليابان بالقنابل لمدة ثلاث سنوات ونصف السنة قبل ان تعلن الاستسلام ثم لا تنسوا أن ألمانيا لم تستسلم الا بعد قصف دام أربع سنوات ظل رامسفيلد مسترسلا في طرح دروس التاريخ ومؤكدا وجهة نظره في أن الحرب لا تدور حول الاحصاءات ولا المواقيت الزمنية بل انها تدور حول الارادة والعزم والتصميم، الخ مع هذا كله كان جو المؤتمر الصحافي عدائيا وكان الصحافيون يطرحون الاسئلة بلهجة من التحدي، فيما كان وزير البنتاغون ـ كما يوضح المؤلف ـ يجيب وقد «كز على أسنانه» كي لا يصل الموقف الى درجة الانفجار ربما ساد التساؤل في اجواء قاعة المؤتمر الصحافي. ـ هل نحن امام وزير الحرب ام نحن نستمع الى وزير الدعاية مسئول الاعلام؟ هذا التساؤل عبر عنه احد المراسلين حين توجه الى الوزير قائلا: مستر رامسفيلد. إن بيانك الافتتاحي الذي ألقيته علينا اليوم لم يكن عن ادارة شئون الحرب، بل بدا الأمر انه كان حول بيع سلعة اسمها الحرب ومحاولة اقناع الشعب الاميركي بما تستغرقه من وقت ومايتطلبه الأمر من صبر، والسؤال سيادة الوزير هو: كم من وقتك تخصصه لعمليات البيع والترويج، ومتى تكون تلك المساحة الزمنية التي تكرسها لحكاية الداعية هذه، وهل يقتنع الناس بما تقول؟، هل يشترون ما تبيعه لهم؟ ولم يكن مهما تسجيل مارد به الوزير رامسفيلد حول هذه التساؤلات التي عكست ـ كما المحنا روح التحدي وجو العداء وعدم الاقتناع ـ ويكفي القول ان وزير البنتاغون رد من تحت الضرس قائلا انه يخصص نسبة ضئيلة نسبيا من وقته ـ كوزير للدفاع ـ للرد على استفسارات الميديا وتساؤلات الاعلام. رجل المرحلة فيما كان الوزير رامسفيلد يخصص جانبا من وقته لجهود العلاقات العامة، كان مرؤوسه الجنرال فرانكس يكلف ـ الى جانب واجباته العسكرية ـ بمهام أخرى تدخل في صميم العلاقات السياسية والجهود الدبلوماسية كان الرئيس بوش قد أوفده الى زيارة عدد من الدول التي كان لكل منها دوره المحوري بالنسبة للمجهود الحربي الأميركي في افغانستان. وعاد الجنرال فرانكس من مهمته وبدأ يطرح على أركان ادارة بوش ـ مجلس وزراء الحرب كما كانوا يسمونه ـ أهم نتائج الزيارات التي قام بها: ـ عن السعودية قال الجنرال فرانكس انه دهش ازاء دفء الحفاوة التي استقبلوه بها في المملكة وكانوا متفهمين ان المجهود الحربي (الأميركي) في افغانستان من شأنه ان يستغرق اجلا طويلا، اعترف الجنرال أيضا انه واجه قدرا من المقاومة على مستوى المسئولين الاقل رتبة في حكومة الرياض لكنه بدا مقتنعا أن أي احتكاك ينجم عن ذلك سوف يمكن تسويته بسرعة. ـ عن قطر قال الجنرال ان الاميركيين قدموا طلبات وان المسئولين القطرين يعملون على تلبياتها. عن اوزبكستان اكد الجنرال الاميركي انها بحاجة الى مزيد من الجهود لحل المشكلات المطروحة واقترح ان يقوم وزير الحرب الاميركي رامسفيلد بزيارة الرئيس كريموف في أوزبكستان. ـ عن طاجكستان أوضح فرانكس انه يعد تقديرا للموقف من أجل انشاء قاعدة جوية اميركية هناك. ـ عن باكستان اثنى الجنرال فرانكس على رئيسها الجنرال مشرف الذي بدا امامه رابط الجأش عميق الالتزام مؤكدا على ضرورة ان تراعي واشنطن حساسية الموقف في اسلام اباد ـ بالتحديد في الشارع الباكستاني ومنبها الى ان الجنرال مشرف يطالب بسرعة انجاز أو بالأدق انهاء حرب أميركا في افغانستان ومضيفا انه حين سمع هذا المطلب من رئيس باكستان رد الجنرال الاميركي قائلا: هذا أمر يتوقف عليكم بأكثر مما يتوقف علينا. ما هو اسوأ سيناريو يمكن ان تتعرض له الولايات المتحدة أو حلفاؤها من جراء مخططات الارهاب؟ هذا هو السؤال الذي ظل يطرحه ديك تشيني نائب الرئيس الاميركي الذي كان يحضر الاجتماعات السوبر ـ مهمة في البيت الأبيض ثم يعود ليلوذ بالمخبأ السري الذي اختاروه أو اختاره هو شخصيا كي يختفي فيه تحسبا للمفاجآت. وهذه المفاجأة كانت غير سعيدة بكل تأكيد اذ كانت تعني ان يقع حادث أو يتم تنفيذ مخطط رهيب يودي بحياة رئيس الولايات المتحدة شخصيا ـ ومن ثم كان الامر يستلزم تأمين حياة نائب الرئيس وعدم تواجده مع الرئيس في مكان واحد بما يضمن مايوصف بأنه الاستمرارية الدستورية في قيادة وادارة أكبر بلد في العالم. من المخبأ غير المعروف كان يخرج تشيني ليطرح تساؤلات أكثر من مفزعة من قبيل: ماذا لو كانوا يحوزون أسلحة نووية؟ ـ ماذا لو كانوا قد حصلوا أو يزمعون استخدام اسلحة كيميائية أو مواد بكتريولوجية؟ ولم يكن تشيني يتورع في هذا السياق عن ان يضيف الى هذه الكوابيس قائلا: ان النتائج الاستراتيجية التي قد تنجم عن احتمال استيلاء الراديكالييين على تقاليد الامور في باكستان أو في السعودية سوف تكون عواقب هائلة. أما عن الجبهة الاميركية الداخلية فكان تشيني يقول: لو تعرضنا لضربة اخرى، فلسوف تتقطع حبال الصبر التي مازال الشعب الاميركي يعتصم بها. يقول المؤلف: كان نائب الرئيس يلتزم الصمت في معظم الاجتماعات ولكنه كان يصغي باهتمام شديد ويهز رأسه بين حين وحين، ثم يقول:أتصور ان الوقت في جانبنا، لكن أرى ان من المهم ان ندفع عجلة الأمور بصورة اسرع، وبالنسبة الى يو بي إل (الاختصار الدال على أسامة بن لادن) فكلما طال بقاؤه حرا طليقا، زاد احتمال الخطر بأن يوجه ضربة ثانية الينا. عندما كان الرمز «يو.بي.ال» يتردد في ارجاء القائمة كانت تسدل علينا ستارة من الوجوم الشديد، كل صفات الشيطان الرجيم، كل سمات العدو اللدود اضفوها على هذا ال. «ابن لادن» ثم استراحوا، أو هيئ لهم انهم استراحوا (كأنما جاء ابن لادن ـ في تصورنا ـ بديلا عن الاعداء ـ شياطين الأنس الذين ناصيتهم أميركا والمغرب لدد الخصومة في عقود سبقت من الزمن الماضي، هكذا كان ادولف هتلر وهكذا كان الاتحاد السوفييتي، وهكذا أصبح أسامة بن لادن). اذن لو استمر أسامة بن لادن ـ يو.بي. ال» ـ طليقا أو حيا لاخرج من جعبته كل الشرور وكل الاخطار التي يهون بجانبها ماظل صندوق باندورا الاسطورية يحويه من ويلات وكوارث، اشعاع ذري، اوبئة تتفشى انثراكس يهلك الناس من حيث لا يشعرون سموم تبيد الحرث، الخ. اصغى الجمع الى ماقاله نائب الرئيس ولم يعلقوا. لكن جورج تينيت، رئيس المخابرات المركزية كان له تصورات اخرى، يقول المؤلف: كان تينيت يتصور أن حرية ابن لادن يمكن ان تزيد الخطر ويمكن ايضا ان تقلل احتمالاته لو ظل طليقا فقد يأمر بهجوم آخر، ولكنه لو سقط في الاسر أو لو استطاعوا اغتياله فقد تأتي عناصر اخرى من تنظيم «القاعدة فتقرر الانطلاق الى عمل اخطر يأسا أو انتقاما وقد تكون العواقب افدح وأشد خطورة، هكذا كان يتصور مدير المخابرات لكنه سكت ولم يقل شيئا. جاء دور ولفويتز، نائب وزير الدفاع، كان وزيره رامسفيلد في زيارة الى روسيا والهند واوزبكستان وطاجيكستان وباكستان، حضر نائب الوزير اجتماع مجلس وزراء الحرب، يوم الاثنين، 5 نوفمبر، اراد ان يدلل على مسمع من الرئيس بوش على قدرة البنتاغون على تصعيد المجهود الحربي في افغانستان قال ولفويتز: زادت طلعاتنا الجوية الآن بنسبة 30%. نحن نستخدم طائراتنا اف ـ 16 واف ـ 15 التي تنطلق من ارض الكويت، لكن المسافة طويلة. يعلق المؤلف قائلا: هي مسافة ألف ميل (1800 كيلو متر تقريبا) اما الكويت التي تحررت في حرب الخليج عام 1991 على يد الولايات المتحدة فكانت على استعداد للسماح بقيام الضربات الهجومية من ارضها. بعدها طرح المجتمعون مسألة مواصلة الضربات خلال شهر رمضان وهنا بادر ولفويتز الى القول: ان احد زعماء الشرق الأوسط أبلغ الجنرال فرانكس ان أميركا ليس بحاجة الى وقف حربها خلال رمضان، وان في مدى 37 سنة من السنوات الخمس والاربعين الماضية كانت الحروب تندلع خلال رمضان، وكان معظمها عربا ضد عرب اخرين. وهنا يعلق المؤلف قائلا (ص 294): كان الرئيس بطبيعة الحال ـ قد انتهى فعلا الى قراره بمواصلة القصف خلال الشهر الاسلامي لكن الزعيم (الشرق ـ أوسطي المذكور اعلاه) نبه (كتر ألف خيره!) الى انه ينبغي للأميركيين ان يخففوا الضرب خلال مواقيت الصلاة، وقد افاد ولفويتز ان هذه هي الصيغة التي اتبعوها في البنتاغون. في مساء اليوم نفسه اجتمع الرئيس بوش الى ضيف عربي ـ افريقي زائر هو الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة رئيس الجزائر التي يصفها المؤلف (ص 295) بأنها أكبر بلد في أفريقيا وان الـ «سي.آي.ايه» تقدم دعما باهظاً (أو سخياً) الى مخابراتها حيث تنفق الملايين طلبا لمساعدة (المخابرات الجزائرية) في الحرب ضد تنظيم «القاعدة» وفي ديسمبر عام 1999 ـ يضيف مؤلف الكتاب ـ جاء القبض على «أحمد رسام» وهو عنصر (ارهابي) جزائري، لا ليساعد فقط على احباط المخطط الارهابي المقرر تنفيذه في مطلع الألفية، بل جاء ليحيط المخابرات المركزية علما بشأن وجود شبكة جزائرية تابعة للقاعدة تضم أفارقة من ذوي السحنة السوداء. وكانت النتيجة هي مضاعفة العدد المعروف من اعضاء «القاعدة» في العالم وكان ذلك اكتشافا مهما ومقلقا في آن واحد. أما تينيت مدير المخابرات فقد رأى في الأمر انذارا يحث الـ «سي.آي.ايه» على الا تبحث عن وجوه عربية بل تنشد ايضا وجوها افريقية في عملياتها لمكافحة الارهاب. ثم يضيف كتابنا قائلا: من جانبه وعد بوش الرئيس الجزائري بأن اميركا سوف تنجز مهمتها (في افغانستان) ثم تعود الى وطنها وقال بوش لزائره: مشكلتنا الاكبر هي ان لدينا صحافة نافذة الصبر. يريدون ان تضع الحرب أوزارها بين يوم وليلة، انهم لا يفهمون ابعاد ما يجري. زائر آخر استقبله الرئيس بوش هو الامير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي، بطاقة تعريفه كما يوردها المؤلف تصفه بأنه دارس الاقتصاد وخريج جامعة برنستون المرموقة بالولايات المتحدة. كانت المقابلة شخصية كما يضيف المؤلف وفيما دار الحوار بين الطرفين بعد ان بدأه سعود الفيصل. من واجبنا ان نعرب عن تضامننا من أجل التخلص من الارهابيين في افغانستان. أظن أن أسامة بن لادن يكرهكم بأكثر مما يكرهني شخصيا. شرف لنا ان نكون منضمين الى شخص على شاكلتكم، ولن يبدر منا شئ يضر بالاقتصاد الاميركي. يعلق المؤلف على هذا الحوار ـ يقول (ص302): 15 من مختطفي طائرات 11 سبتمبر التسعة عشر كانوا سعوديين، وكان السعوديون يعتقدون ان ابن لادن تعمد اختيار هؤلاء المختطفين بالتحديد من أجل ان يدق اسفين بين المملكة وبين الولايات المتحدة. كما أن السعوديين ـ يضيف المؤلف ـ يزودون اميركا بنسبة 8 في المئة تقريبا من النفط المستهلك يوميا بالولايات المتحدة وبوسعهم خفض الانتاج ومن ثم الصعود بأسعار البترول ارتفاعا الى عنان السموات. في والدورف استوريا طار الرئيس بوش الى نيويورك، كان مقررا أن يلقي البيان الافتتاحي لاعمال الدورة الجديدة للجمعية العامة للامم المتحدة ونظرا للأحداث المتلاحقة التي ظلت متسارعة لاهثة منذ الحادي عشر من سبتمبر فقد تأخر بيان الرئيس بوش الى شهر نوفمبر بدلا من الاسبوع الثالث من سبتمبر، موعد افتتاح دورة الأمم المتحدة في كل عام. عادة يتسم بيان الرئيس الأميركي بالنبرة التقليدية يأتي أقرب الى الخطاب التقليدي الذي يلقيه رئيس الدولة المضيفة للمنظمة الدولية حيث يستعرض تطورات الاحوال في العالم ويعرض لاهم مشكلاته وقضاياه ويستشرف بعض الامنيات التي تنتاب الشعوب ولا بأس من التغزل ـ قدر الامكان ـ في صون السلام والأمن والتعاون الدولي من أجل الرخاء. خطاب الرئيس بوش هذه المرة كان يحوي عناصر حديث بدأت بالتأكيد على التعاون الدولي، من أجل مكافحة الارهاب وانتهت بحديث عن رؤى أو تصورات بشأن اقامة دولة فلسطينية، وجاءت النغمة الاخيرة لزوم ترطيب الاجواء في الشرق الأوسط. بعد الخطاب توجه جورج بوش الى فندق والدورف في استوريا في شارع لكسنغتون وهو المكان التقليدي لاقامة رؤساء الدول الذين يحضرون الجانب البروتوكولي بالذات من دورة الأمم المتحدة. في الجناح الرئاسي في والدروف استوريا التقى الرئيس بوش لأول مرة مع الجنرال برويز مشرف رئيس باكستان بعد التحيات والترحيبات قال الرئيس بوش: جنرال مشرف، نحن نعرف انك في موقف غاية في الصعوبة لكنك وفقت الى الاختيار السليم. ـ سيادة الرئيس نحن معكم، مهما طال الزمن وأيا كانت الظروف. ـ أريد من جانبي أن تنتهي العمليات مبكرا. (كان بوش يعزف النغمة التي يعرف ان زائره الباكستاني يهتم بها الى اقصى حد) لكن المهم ان نعثر على العدو وله نستغل لذلك كل ما يسعنا من امكانات، وعندي ان المسألة تدعونا الى ان نصغى (يقصد نتنصت) الى كل مكالمة هاتفية تصدر عنهم وان نلاحقهم ونوقف نشاطهم، ومن ثم نحمي العزل والابرياء. يعلق المؤلف عند هذا المنعطف من حوار الرئيسين مشيرا الى ان حكاية رصد المكالمات كانت بعدا جديدا اضافه الرئيس بوش الى القصة ويبدو ان بوش كان مفتونا (تعبير المؤلف) بقدرة وكالة الأمن القومي الاميركية على التنصت على المكالمات الهاتفية وعلى جميع الاتصالات التي تدور في طول الكرة الارضية وعرضها، وكان يتصور انهم اذا ما رصدوا المكالمات لا يمكن ايقاف مخططات الارهاب في المستقبل. من جانبه أعرب الضيف الآتي من باكستان عن رأيه بأن ابن لادن لا يحوز أي أسلحة نووية وعن قلق يساوره من ان يستولى قوات التحالف الشمالي (المعارضة لطالبان) على مقاليد الامور في افغانستان ـ جنرال برويز، انا افهم تماما قلقك بشأن التحالف الشمالي. ـ بصراحة، قلقي الحقيقي، انشغالي العميق ـ سيادة الرئيس ـ هو ان تتخلى أميركا عن باكستان في نهاية المطاف هنالك ـ يقول المؤلف ـ حدق جورج دبليو بوش في عين زائره القادم من اسلام اباد وقال: قل للشعب الباكستاني ان رئيس الولايات المتحدة حدق في عينيك شخصيا وابلغك اننا لن نفعل ذلك على الاطلاق. ـ مارأي فخامتك اذن في هذا المقال الذي كتبه سيمور هيرش ونشرته مجلة «نيويوركر». ـ يوضح المؤلف هذه الملابسات (ص303) قائلا: ان سيمور هيرش الكاتب الصحافي المحقق نشر بحثا في المجلة يدعي فيه ان لدى البنتاغون (الأميركي) خطط طوارئ يتم بموجبها الاستعانة بوحدة عمليات اسرائيلية(!) خاصة الاستيلاء على الأسلحة النووية التي تمتلكها باكستان اذا ما تعرضت باكستان لحالة من زعزعة الاستقرار. عاد الرئيس بوش لينظر محدقا في عين الجنرال مشرف ويقول بغير مواربة، سيمور هيرش رجل كذاب.