السبت 24 شوال 1423 هـ الموافق 28 ديسمبر 2002 ما ان نشاهد العناوين الكبيرة باللون الأحمر حتى يجلل السواد عيوننا. الحرب ضد العراق لم تبدأ بعد، الا ان مستوى جزع الجمهور يفيض على الجانبين. وكيف يمكن ان يكون الامر غير ذلك مع عناوين صحف على شاكلة: «اسرائيليون كثيرون سيغادرون للخارج خلال الهجوم»، و «الولايات المتحدة ستلمح لاسرائيل بموعد الهجوم لافساح المجال أمام تأجيل موعد الانتخابات»، و«في الخامس عشر من يناير ستدخل اسرائيل في حالة تأهب قصوى»، و «يتدارسون تطعيم كل السكان ضد الجمرة الخبيثة»، و «سفارة الولايات المتحدة تنتقل الى ايلات»، و«خطر الموت الأسود»، و«اميركا ستهاجم والرئيس العراقي قد يصب جام غضبه على اسرائيل». هذه الأنباء والأخبار المخيفة لم تولد من تلقاء نفسها، فهي تزحف وتتسرب من الأعلى، من قمة الحكم. الساخرون سيقولون بأن الحرب الآن تدور على كسب صوت الجماهير. الاخافة الجسدية تغطي على عناوين الصحف التي تتحدث عن الفساد في الليكود. فنكلشتاين يقوم بفرك يديه بالتأكيد. تهديد الصواريخ الكيماوية سيغطي على سيطرة المافيا على كتلة الليكود في الكنيست ويُنسي الناس حتى أمر عمري شارون. وهواة الهزل سيضيفون قائلين بأن كل شيء يبدأ وينتهي عند الهجوم على الزعامة. من الأفضل التنبؤ بأسوأ الامور التي لن تحدث ليفيق الواحد ويرى العكس قد حدث. العبرة المستفادة من حرب أكتوبر التي حدث فيها عكس ما توقعه صانعو القرار ما زالت تطاردهم. ولهذا السبب تراهم يدخلون الناس في حالة جزع مخيفة وهستيرية حماية لانفسهم. الشعار الشائع بأننا سنهاجم العراق اذا هاجمنا يهدف الى اقناع الولايات المتحدة بمنح اسرائيل مظلة ضد الهجمات العراقية. وبما ان هذه المظلة قد أُعطيت لنا من خلال تعهد شخصي من بوش فليس من المفهوم لماذا يتوجب تكرار التهديد الذي يغيظ الادارة الاميركية ويرسم انطباعا بأننا مشاركون في الحرب التي لا ترغب الولايات المتحدة مشاركتنا فيها.شارون طالب وزراءه بالكف عن التهديد، الا انه واصل بنفسه تحذير العراقيين كل صباح وأوجد انطباعا بأننا نزج بالقوة في حرب ليست لنا. كما ان وزراءه لم يتغلبوا على رغباتهم في وصف اللوحات التصويرية حول ما يرغب العراق في إلحاقه بنا وكيف سيكون ردنا عليه. هذا عنوان جيد لكل وقت وحين.الا ان الذعر يتغذى ايضا من الرسائل المزدوجة التي تصدر عن القيادة، فهم يقولون لنا من ناحية ان علينا ان لا نخاف واننا على أهبة الاستعداد. رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية «أمان» يقول إنه لا وجود للصواريخ في غربي العراق، وانها لن تكون هناك. أما رئيس هيئة الاركان فيقول بأن التهديد العراقي لا يقلقه لان احتمالات عدم تعرضنا للهجوم جيدة. ومن الناحية الاخرى نجد قادة الاجهزة الامنية يطلقون التهديدات بأننا سنرد اذا تعرضنا للهجوم. واذا كنا مستعدين الى هذه الدرجة فلماذا لا يعبر قادتنا عن المزيد من الأمن والأمان؟ فهل هذا هو الاسلوب الصحيح لادارة الأزمة؟. في جوهر الامر، هناك فوارق ملموسة بين حرب الخليج التي ركزت على تحرير الكويت وبين الحرب الساعية الى دحر الرئيس العراقي صدام حسين. أولا كان تهديده في حينه «بحرق اسرائيل» موجها لجرها للرد بطريقة تفكك التحالف العربي مع امريكا. أما الآن فالرئيس العراقي تحديدا معني بالحفاظ على التحالف الذي يتحفظ من الحرب: الروس والصين وأغلبية اوروبا والوطن العربي. وهؤلاء هم الذين قد يخلصونه في مرحلة معينة من الأزمة. أما اذا قام الرئيس العراقي بإشهار سلاح الابادة الجماعية ضدنا فجأة بعد ان أقنع الجميع انه لا يملك هذه الاسلحة فانه سيخسر كل العالم. من هنا يصبح خطر هجومه علينا أقل احتمالا ومنطقية. وثانيا، اسرائيل أكثر استعدادا عما كانت عليه في حرب الخليج، هذا بينما أصبح العراق أضعف وقلت قوته. وغرب العراق الذي يعتبر منطقة الاطلاق علينا سيكون بيد الاميركيين. والصواريخ القليلة التي سيكون بامكان الرئيس العراقي ان يطلقها سيتم اعتراضها من قبل شبكة الحيتس والباتريوت الدفاعية. والطائرات العراقية ستكتشف من الرادار في وقت مبكر ويتم تدميرها على مسافة آمنة عن اسرائيل. وفي خلفية كل ذلك يوجد تهديد اميركي بمهاجمة العراق نوويا اذا استخدم سلاحه الكيماوي ضدنا وضد حلفاء امريكا. الخبراء يجمعون على ان شعور الرئيس العراقي بأن نهايته قد اقتربت سيدفعه لاطلاق كل ما لديه من اسلحة. والسؤال هنا اذا كان جنرالاته سينفذون أوامره حينئذ. في عام 1991 أطلق العراق على اسرائيل 39 صاروخ سكود، ومات حينئذ 12 شخصا من النوبات القلبية، الا ان هذه الصواريخ لم تقتل أي شخص. أما الآن حيث أصبحنا أكثر استعدادا، وتقلص خطر الهجوم علينا واحتماليته، فيتوجب علينا ان نحافظ على أنفسنا من الاصابة بالخوف الشديد الذي يبثه قادتنا في نفوسنا. عن «هآرتس»