السبت 24 شوال 1423 هـ الموافق 28 ديسمبر 2002 عندما يتظاهر فتية الورود الاميركيون ضد الحرب المقتربة ضد العراق، فانهم يستندون الى صدمة فيتنام. قبل ثلاثين سنة علمنا مقاتلو العصابات المصممون، بأن التفوق الاقتصادي والتقني للولايات المتحدة لا يمكنهما ان يلحقا الهزيمة بنظام عنيد يتمتع بعطف شعبي واسع. امريكا هُزمت. والدرس المرير بقي ندبا عميقا في جسدها. عندما يكتب مثقفون اميركيون ضد الحرب المقتربة ضد العراق، فانهم يستندون أحيانا الى نظرية «الرئيس العراقي الحضارات» لصموئيل هنتنغتون. النظرية التي نالت زخما في بداية التسعينيات وتحظى بالمجد مؤخرا، وصفت عالما من الاحتكاك الثقافي - الديني. ويخشى المستندون الى هنتنغتون بأن تنتهي محاولة اسقاط الرئيس العراقي بصراع مضرج بالدماء من العالم الاسلامي ضد الولايات المتحدة. ولكن هل ان هؤلاء المتخوفين ذوو صلة حقا؟ فبغية الحصول على صورة أكثر صدقا عن الشكل الذي قد تتطور فيه المعركة ضد العراق، يجدر القاء نظرة الى المحاولتين الاخيرتين للاميركيين لاسقاط نظام معاد. الاولى كانت قبل ثلاث سنوات في يوغسلافيا بقيادة سلوبودان ميلوسيفيتش. ما الذي قالته أفضل العقول والمحللين عن الولايات المتحدة عندما انطلقت الى المعركة على مستقبل كوسوفو على رأس حلف الناتو. قالوا ان العملية الاميركية ستثير الحضارة السلافية، ذلك ان روسيا لا يمكنها ان تبقى لامبالية حين تتعرض حليفتها التاريخية للهجوم، وقالوا ان الشعب الصربي العزيز لن يستسلم أبدا، وقالوا انه لا يمكن حسم المعركة بالقوة الجوية وحدها، وعليه فان الولايات المتحدة ستتورط في معركة برية مضرجة بالدماء. إذن قالوا، ولكن المعركة الجوية استمرت 78 يوما فقط. وصربيا استنزفت الى ان استسلمت بلا شروط. وتقريبا لم يقع أي قتيل بين صفوف جنود الناتو. واضطر ميلوسيفيتش الى الانسحاب من اقليم كوسوفو وتسليمه الى قوة من الامم المتحدة. وقد سلم وأُحيل الى المحاكمة لارتكابه جرائم حرب. المحاولة الاميركية الاخرى لاسقاط نظام وقعت قبل عام ضد طغيان طالبان في افغانستان. ما الذي لم يقله أفضل الخبراء والمحللين عندما انطلقت الولايات المتحدة للمعركة؟ قالوا ان العملية الاميركية ستثير الكثير من ردود الافعال وقالوا ان الاميركيين سيغرقون في المستنقع الافغاني مثلما حصل للاتحاد السوفييتي، وقالوا ان الجيش الاميركي سيتورط في حرب قبلية وسيدفع المئات من جنوده الثمن بحياتهم. إذن قالوا، ولكن المعركة في افغانستان استمرت أقل من شهرين. وطالبان هزموا. وتقريبا لم يقع قتلى اميركيون. وزعماء النظام وشريكهم أسامة بن لادن صاروا مجرمين فارين - هذا اذا كانوا بقوا على قيد الحياة أصلا. وفي افغانستان أقيم نظام متعاطف مع الولايات المتحدة. وباستثناء بعض المظاهرات قليلة المشاركين لم تجر أي احتجاجات حقيقية ضد العملية الاميركية. فلماذا حظيت الولايات المتحدة بانتصارات مظفرة وسريعة بهذا القدر في صربيا وفي افغانستان؟ لهذا سببان. ان التفوق الجوي المطلق، والذي يستند الى تطويرات تكنولوجية للسنوات الاخيرة، تتيح اليوم للجيش الاميركي حل البنى التحتية، وتصفية منظومات الاتصال، وتفتيت القوات النظامية والوحدات المتفرقة، وتشويش نمط الحياة بلا رجعة. وخلافا للسبعينيات، فليس للطرف المقابل أي قدرة على التصدي لزمن طويل في وجه الدقة والقوة لمنظومات السلاح الاميركي. والسبب الآخر لانتصارات الاميركيين هو ان العدو لم يكن لديه من يتوجه اليه بطلب المساعدة. ففي عالم القوة العظمى الوحيدة الذي نشأ في أعقاب الحرب الباردة. فان قوة الولايات المتحدة كبيرة لدرجة انه لا تجرؤ أي قوة عظمى اقليمية - بما في ذلك روسيا والصين - على الخروج لحماية أعدائها. فنظام ميلوسيفيتش، مثله مثل نظام طالبان، وجدا نفسيهما منعزلين تماما تقريبا قبالة الولايات المتحدة. من الصعب على المرء ان يرى فيم تختلف عن ذلك الحالة العراقية. تفوق الجيش الاميركي على الجيش العراقي ليس أقل من ذاك الذي كان له على الجيش الصربي. ومثل صربيا وافغانستان، فان العراق ايضا سيجد نفسه منعزلا أمام جبار جاء ليدوسه. وفضلا عن ذلك: نظام الرئيس العراقي - مثله مثل نظام طالبان، وخلافا لنظام ميلوسيفيتش - سيجد نفسه في غضون عدة ايام بعد بدء الحرب يتصدى لتحالف معاد من الداخل، تحالف بحكم اللحظة بين ابناء الجنوب والأكراد في الشمال كفيل بضعضعة القوات الموالية للرئيس العراقي، يكفي ان يضع الآلاف منهم، ممن يخدمون في الوحدات الخاصة، أسلحتهم كي يصار الى ضمان الاطاحة الفورية بالنظام. الحذر مهم دوما. الرئيس العراقي المصمم والداهية من شأنه ان يكون أخطر من ميلوسيفيتش ومن الملا عمر. ولكن لا تندهشوا اذا ما انتهت المعركة في العراق حتى قبل ان نقول «جرثومة خبيثة». «عن معاريف»