السبت 24 شوال 1423 هـ الموافق 28 ديسمبر 2002 من المذهل ان نرى كيف يقود الثلاثي الرائد الاميركي شعبه، وأجزاء مختارة من باقي العالم، نحو حرب لا معنى لها، لا ذريعة ولا منطق لها. ببطء مريح، باحتقار متعاظم للحاجة الى قول الحقيقة أو تكليف النفس عن ايجاد التفسير، بعناد طفل مدلل لن يرفع يده عن لعبته.كل الذرائع التي ألصقت بهذه الحرب بدت مفندة. في البداية بذلت جهود لربط الرئيس العراقي بالقاعدة. ولكن المحاولة فشلت. كما ان زعم الاميركيين بأن ضابط استخبارات عراقياً التقى بمندوب القاعدة في مكان ما في شرقي اوروبا تبين انه كذب (بوب سايمون في «ستون دقيقة» كشف الأحبولة). بعد ذلك جرى صخب اعلامي عال وكأن العراق يواصل جهوده لبناء السلاح النووي بمساعدة «أنابيب المنيوم» عجيبة. أحبولة. كل الخبراء النوويين الذين سئلوا يقولون بالاجماع ان لا أساس من الصحة لذلك. والآن لم يتبق سوى السلاح الكيماوي والبيولوجي. ولكن يبدو ان هذه الفقاعة توشك على التبدد. فمراقبو الامم المتحدة انتهوا من اللعبة التي فرضها عليهم تشيني ورامسفيلد وهم يطالبون - وعن حق - بأن ينقل الاميركيون اليهم أخيرا المعلومات المفصلة التي يدعون وجودها. وللوهلة الاولى، فان الاميركيين أنفسهم كان يجب عليهم ان يبادروا الى مثل هذه الخطوة. ولكن الاميركيين بحمية الغضب ضد تسليم مثل هذه المعلومات. فهم لا يريدون للسلاح، هذا اذا كان موجودا أصلا، ان يكتشف. انهم يريدون الحرب. والضغط الفظ وحده هو الذي حملهم على الموافقة بشفاه مرتجفة على تسليم معلومات ما. لا يوجد بالمناسبة، أي مجال للقلق. فحتى لو لم يكتشف أي شيء في قائمة المواقع التي (ربما) ينقلها الاميركيون لمراقبي الامم المتحدة، فسيدعي تشيني ورامسفيلد انه ها قد ثبت مجددا كم هم خطرون العراقيون، الذين نجحوا في تهريب مخزون السلاح من تحت أنف المراقبين وإخفائه في موقع سري آخر. قد لا تصدقون، ولكن يبدو ان الولايات المتحدة تسير نحو هذه الحرب الخرقاء انطلاقا من واحد أو من كل من الأسباب التالية: 1. الفشل الآخذ في الظهور في افغانستان: بن لادن حي يرزق، والامم المتحدة تقول في تقاريرها ان قواعد القاعدة غدت تعمل هناك من جديد، والسلطة المركزية لم تعد قائمة عمليا، والدولة تسيطر عليها مجددا مليشيات منفلتة تابعة لزعماء القبائل، وصناعة المخدرات تضاعفت وافغانستان قريبة من تزويد 75 في المئة من استهلاك الهيروين العالمي، ومكانة المرأة لم تتغير، والأحداث الارهابية تعود من جديد... (توقع بما سيحصل في العراق في المستقبل). وهكذا فانه في ظل غياب بن لادن معلق على شجرة، تضطر الادارة الاميركية لبديل بن لادن. موجود، مشابه، مكروه، وسهل للاحباط المركز. الرئيس العراقي مرشح رائع. وتحطيمه سيرفع المعنويات، ويُنسي الفشل في افغانستان. 2- كبرياء الأب: بيبي بوش يسعى الى ضرب الرجل الذي أهان بابا بوش. غدد الكبرياء التكساسية منتفخة وملتهبة بقوة وحرارة. 3- الحرب هي أمر رائع: العصبة التي تلتف حول العبقري من البيت الابيض تعرف بوضوح بأن من الأفضل له ان يلوح بالحراب ويقاتل الأعداء الأشرار طوال سنوات رئاسته. فيكفي ان يتوقف للحظة واحدة قصيرة عن المطاردة المجنونة وراء «اولئك العصاة الملاعين» حتى يتبين للعالم أجمع ضحالة فكره واخفاء عيونه الذكية خلف ستار من دخان المعارك - يكون لهم أمل في ان يهندسوا له ولاية جديدة. من سينفي ان انتصارا اميركيا معتبرا سيحقق كل هذه الأهداف بالفعل. ولكنه سيحققها وحدها فقط. وبالمقابل فانه سيؤدي الى تعاظم الارهاب، والى الفوضى التامة في العراق، والى تصاعد النزعة المناهضة لاميركا، والى خطوة غير صغيرة اخرى نحو حرب الجميع ضد الجميع. واذا كان ثمة شيء مذهل أكثر من العناد الاميركي للتسلي بحرب لا داعي لها، فان هذا هو الحماسة التي تنخرط فيها دولة اسرائيل في هذه اللعبة. فنحن فرحون بالعرس أكثر من العريس نفسه. وبالفعل يحتمل ان يصل الجنون بعد عدة ايام الى ذروته: دولة اسرائيل ستعرض حياة وصحة مواطنيها بقرار مجنون تماما بتطعيم جماهيري ضد الجمرة الخبيثة. اعتبار طبي - أمني؟ حُمى. ان احتمال الهجوم البيولوجي (ومن قال انه سيكون بالجمرة الخبيثة بالذات؟) طفيف بمئات الدرجات من احتمال ان يموت بضع عشرات من الاشخاص، أو يمرضوا أو يشوهوا لباقي عمرهم نتيجة لهذا التطعيم اللعين. السياسة الساخرة وحدها هي التي تقف خلف مثل هذا القرار. غايته مزدوجة. اولا - مساعدة الاميركيين في مهمة تسويق الحرب («ها هم الاسرائيليون اقتنعوا»)، وثانيا - الحرص على ان يكون رأس الناخب قلقا في الاسابيع القريبة المقبلة بالهستيريا الأمنية البهيجة والغامضة. فمثل هذه الهستيريا تساعد الناخب دوما على ان يدس في مظروفه بطاقات شارون وما يليه بالذات. عن «يديعوت احرونوت»