السبت 24 شوال 1423 هـ الموافق 28 ديسمبر 2002 في حي متواضع من احياء اسطنبول يعرف باسم كاسيمباسا نشأ رجب الطيب اردوغان زعيم حزب العدالة والتنمية التركي. وكان يطلق عليه في هذا الحي لقب «الامام بيكنباور»، حيث كان يشتهر بموهبته الكروية الفذة التي تشبه موهبة عملاق الكرة الالمانية فرانز بيكنباور، وكان في الوقت نفسه شاباً ورعاً، شديد التدين. وهو الآن يشغل منصباً عاصفاً في الحياة السياسية في تركيا. ولكن فيما يتعلق بالمظهر الخارجي فإنه لما يتمتع به من طول قامة وثقة بالنفس واناقة الملبس، فإنه يبدو اكثر شبهاً بمديري فرق كرة القدم في دول البحر المتوسط من كونه رجل حركة سياسية لا يستهان به.والآن يحاول زعيم حزب العدالة والتنمية، الذي صعد عملياًإلى سدة السلطة في بلاده بنجاح ساحق ان يدخل تركيا المسلمة إلى عالم الثراء المسيحي حتى الآن، والمتمثل في الاتحاد الاوروبي. ان الامر يعد نقلة نوعية وترقية كبيرة لتركيا يعمل هو والاتراك معه باصرار على تحقيقها. وعلى الرغم من انه فاز بالانتخابات ولكن لم يتم تعيينه رئيسا للوزراء بسبب منعه من الدخول إلى البرلمان، وذلك في ضوء قرار صدر ضده عندما كان محافظاً لاسطنبول في منتصف التسعينيات بسبب قيامه بما وصف بأنه «تحريض ديني»، الا ان اردوغان تم استقباله في الاسابيع الاخيرة في العواصم الاوروبية على انه القائد الفعلي التركي من الناحية الرسمية والفعلية. واثناء جولاته الاوروبية اعلن اردوغان بشيء من الهدوء ان من الاجراءات والاصلاحات الدستورية التي ينوي القيام بها ما سيرفع عنه حظر دخول البرلمان وتولى منصب رئيس الوزراء وذلك عن طريق تكريس حرية التعبير والعقيدة والانتماء. وما تلك الا التغيرات الديمقراطية التي يجب على تركيا احداثها حتى يتسنى لها الانضمام إلى الاتحاد الاوروبي، غير ان الرئيس التركي رفض التصديق على التعديلات التي ادخلها البرلمان التركي لهذا الغرض. وبشكل فعلي هناك الآن معادلة حميدة للغاية يمكن ان تربط بين الديمقراطية والاتحاد الاوروبي وحزب اردوغان الحاكم في تركيا الذي لم يختبر بعد. فحزب العدالة والتنمية الذي لم يزد عمره بعد على 15 شهراً، تم تكوينه من حطام حركتين اسلاميتين تم حظرهما بواسطة المؤسسة العلمانية التركية التي يسيطر عليها الجيش، والآن ينظر إلى الحزب على انه ذو عبق ليبرالي من زمرة المحافظين السائدين. والتزام الحزب نحو اوروبا امر لا ينفصل عنه مطلقاً، ذلك لأن القواعد الديمقراطية التي ينص عليها الاتحاد واضحة وبالتالي فإنها تمد الاسلاميين بسلاح تكتيكي لا يمكن الاستغناء عنه يمكنهم من تجنب جنرالات الجيش الاقوياء (الذين يعد انسحابهم من عملية الوصاية على الحكومة التركية شرطاً اضافياً لانضمام تركيا إلى الاتحاد الاوروبي). وسوف تنجح هذه المعادلة او التوازن بين الاطراف الثلاثة سابقة الذكر، فقط في حالة تغلب قادة الاتحاد الاوروبي على اختلافهم فيما يتعلق بانضمام تركيا وفي حال تجنب اردوغان ارسال اي اشارة تفيد بأنه ينوي ان يغير النظام العلماني لتركيا. وقد اكد اردوغان على الضرر الذي سيحدثه الاتحاد الاوروبي بمنعه دولة مسلمة تتمتع بقيم ديمقراطية من الانضمام اليه. وقال في هذا الشأن: «اذا منح الاتحاد الأوروبي لنا موعداً لبدء المفاوضات، فإن رأي العالم الاسلامي في اوروبا سيتحسن. فتركيا سوف تكون نموذجاً يوضح كيف ان الثقافة الاسلامية والديمقراطية يمكنهما ان يتعايشا معاً». ومن اجل ان يقوم باقناع نظرائه من الاتحاد الاوروبي بهذا الامر، بذل اردوغان جهوداً مكثفة في جميع انحاء اوروبا. وعندما تعجب فاليري جيسكارو ديستان رئيس الوزراء الفرنسي الاسبق والذي يتولى رئاسة مؤتمر مستقبل الاتحاد الاوروبي، في مقابلة معه مؤخراً وقال انه لو انضمت تركيا إلى الاتحاد الاوروبي، فإن هذا سيعني «نهاية اوروبا»، رد عليه الزعيم التركي الجديد ببرود، واصفاً ما قاله بأنه قول «انفعالي». وعندما سأله سلفيو برلسكوني رئيس الوزراء الايطالي، عما اذا كانت تركيا تريد «زواج مصلحة» ام زواج حب مع الاتحاد الاوروبي، رد عليه الزعيم التركي الاسلامي بانه يبحث عن «زواج كاثوليكي يدوم إلى الابد». هذا الاداء المطمئن من جانب اردوغان يكذب الادعاءات القائلة بأن زعيم حزب العدالة والتنمية تعوزه الخبرة، وكان لهذا الاداء الواثق والجيد تأثيره الجيد على صورة اردوغان في تركيا. وبصورة اكثر وضوحاً، تحرك اردوغان بشكل سريع ليتابع الاصلاحات التي نادى بها الاتحاد الاوروبي فيما يتعلق بحقوق الاقليات وحقوق الانسان، بما في ذلك الغاء عقوبة الاعدام وحقوق الاكراد فيما يتعلق باللغة والاعلام، وطائفة اخرى من الاصلاحات الديمقراطية تضم 36 نقطة. وحدث ان قامت الحكومة التركية، التي يتولى رئاستها حالياً عبدالله غول، احد حلفاء اردوغان والخبير في الاقتصاد الذي تلقى تعليمه في الغرب، مؤخراً باسقاط قضيتين ملتهبتين من اجندة الاصلاحات. اما الاولى فهي قرار عفو عام عن 10 آلاف طالب تم طردهم من الجامعة بسبب مطالبتهم بتعليم اللغة الكردية، والثانية قرار يسمح باعادة محاكمة خمسة اعضاء في البرلمان من الاكراد كان قد تم اعتقالهم وطردهم من البرلمان عام 1995 على الرغم من ثبات فساد الدعوة لخطأ في الاجراءات. ولكن لاحقاً حدث خلال اجتماع ديمقراطي في مقر الحزب، ان قام اردوغان باعادة النظر والنقاش في القضيتين. فلا شك في ان سلطة اردوغان وشعبيته ليستا في محل شك. غير انه يحاول ان يكون حريصاً اشد الحرص فيما يتعلق بالانقسام الدستوري بين الدين والدولة، ذلك الانقسام الذي كرسه مؤسس تركيا الحديثة مصطفى كمال اتاتورك، وتم تعضيده من قبل من جاء بعده من العلمانيين الذين قادوا تركيا. وقال اردوغان في مقابلة صحافية عشية فوزه بالانتخابات انه يجب ان يبقى الدين والسياسة منفصلين. وقال ايضاً: نحن لا نقبل ان يتم وصفنا بأننا «حزب اسلامي». فهذا التوصيف يحمل في طياته الكثير من سوء الفهم والايحاءات غير الديمقراطية. فإذا اطلقت على نفسك لقب «اسلامي»، فإن الأمر يوحي بأنك تحاول ان تفرض نوعاً من النسق المتشدد الذي لا يمكن احتماله. وعلاوة على ذلك، فإننا نعتقد ان الدين قضية شخصية. وكما انه لا يوجد جنس افضل من جنس، فإنه «لا يوجد دين له افضلية على دين». ولم تمنع هذه الامور التي اظهرها اردوغان وسائل الاعلام من التصريح بأن اقتراح العفو عن الطلاب هو عبارة عن وسيلة لرفع الحظر المفروض على ارتداء الحجاب الاسلامي في الجامعات «وجميع المباني العامة الاخرى»، وهو امر شديد الحساسية ويسبب خلافاً شديداً بين المسجد والدولة في تركيا. وعلى الرغم من ان الامر بدا وكأنه طلقة اطلقتها الكتل الاعلامية التى تسعى وراء مصالحها الخاصة صوب الحكومة، فإن اردوغان وقف ثابتاً وقال ببساطة: «الحجاب ليس مطروحاً على جدول الاعمال». يقول عضو في حزب العدالة والتنمية: «اردوغان هو الوحيد الذي يمكن ان يقول ان الحجاب ليس مطروحاً على جدول الاعمال، لأن الشعب سوف يثق فيه ويعتقد أن لديه سبباً يدفعه إلى هذا القول». ولكن الوضع يحذر من ان هذا القول بمثابة محاولة لاحداث توازن، قائلاً: «بوسعه ان يستمر على هذا النهج، ولكن لفترة معينة، حيث يمكنه ان يطلق وعوداً اخرى للناخبين، مثل حدوث تقدم في الانضمام للاتحاد الاوروبي، او نجاح في الاقتصاد وايجاد الوظائف». ولا يزال هناك قدر كبير من المنهجية السليمة خلف افعال واسلوب اردوغان فعندما كان يتم تكوين حزب العدالة والتنمية قام الحزب باجراء استطلاع رأي شارك فيه 41 الف شخص. وتبين من خلال هذا الاستطلاع ان الانضمام إلى الاتحاد الاوروبي والاوضاع الاقتصادية المتدهورة منذ 1945 هي من ابرز المشكلات التي تستحوذ على قلق الشعب، في حين ان مشكلة الحجاب جاءت في المرتبة التاسعة. وشعار الحزب هو عبارة عن مصباح كهربائي مضيء بسبعة اشعاعات ترمز إلى اقاليم تركيا السبعة، ويعني النور بعد الظلام، وهو موضوع متواتر في العقيدة والادب الاسلامي يشير إلى فترة الجاهلية التي سبقت ظهور الاسلام. ويقول اردوغان في هذا الشأن «هذا شيء يستطيع كل ابناء الاناضول فهمه». ويمكن ان يكون لظهور اردوغان تأثير عميق يمتد إلى ما وراء الاناضول وإلى جميع انحاء العالم الاسلامي اذا استطاع ان يثبت ان التزاوج بين الاسلام والديمقراطية في ضوء قواعد والتزامات الاتحاد الاوروبي، امر يمكن تحقيقه وانجاحه. ويقول احد المسئولين في انقرة، بعيد كل البعد عن اي تعاطف مع اردوغان، انه اذا نجحت هذه التجربة فإن: «الاتحاد الاوروبي يمكن ان يرعى اول (ديمقراطيين مسيحيين) في العالم الاسلامي، وهو الامر الذي سوف «يغير من وجه الارض». ترجمة: حاتم حسين عن «فاينانشال تايمز»