الجمعة 23 شوال 1423 هـ الموافق 27 ديسمبر 2002 قد تبدو الفكرة المتعلقة بمحاولة التنبؤ بنوع الحيوانات التي ستعيش على كوكب الارض بعد ملايين السنين فكرة حمقاء للوهلة الاولى فكيف يمكننا ان نعرف ما الذي يخبئه الزمن للحياة في المستقبل؟ ولكن فريقا مؤلفا من 16 عالما كانوا يعملون على حل هذه المعضلة لصالح مسلسل وثائقي قاموا بتطبيق ماهو اكثر من مجرد التخمين. وبصفتهم اخصائيين في مجالات علمية مختلفة من علم الحيوان الى علم الجيولوجيا، فقد استخدموا فهمهم المشترك للماضي لتحديد البيئات التي ستكون متوفرة للحياة في المستقبل. ومن دراسة العصور الجليدية السابقة وانماط المناخ، استطاعوا ان يعرفوا كيف سيؤثر الطقس على مناطق مختلفة من الكرة الارضية في المستقبل، ومن دراسة الزحف السابق للقارات، استطاعوا ان يتنبأوا بأن مساحات اليابسة في الارض ستجتمع من جديد خلال الـ 200 مليون سنة المقبلة لتشكل قارة عظيمة جديدة، ومن خلال دراسة عملية التطور السابقة، تنبأوا بالكيفية التي ستتأقلم معها الحياة لكي تتلاءم مع المواقع البيئية الجديدة التي احدثتها التغيرات البيئية. يقول البروفيسور بروس تيفاني من جامعة كاليفورنيا، وهو احد العلماء في الفريق: «هنالك سلسلة كاملة من القواعد التي تتحدث عن كيفية تطور الحياة وتغيرها وتأقلمها في الماضي، وبالتالي فان السير في الاتجاه الآخر، اي المضي قدما الى المستقبل لا يعد قفزة كبيرة». ونتيجة البحث هي عبارة عن مجموعة من المخلوقات الغريبة الشكل، ويقول البروفيسور ستيفن بالومبي من جامعة هارفارد: «ولكنك اذا فكرت في الكائنات العضوية اليوم، فانك ستجد انها غريبة الشكل ايضا. انظر الى وحيد القرن على سبيل المثال فلو لم تكن تعرف انه موجود هل كنت سترسم واحدا مثله؟ الرهان الافضل ويعترف العلماء بانهم لايمكنهم ان يكونوا واثقين بشكل مطلق بان الحيوانات ستكون على هذا الشكل ولكن ذلك هو رهانهم الافضل القائم على ما يعرفونه مع شيء من مخيلتهم، وبالتأكيد، فان جميع الحيوانات المتخيلة جديرة بالتصديق، ويقول البروفيسور فيليب كوري من متحف تيريل الملكي لعلم المستحاثات: «طالما تواصل البيئات الجديدة انفتاحها والحيوانات تجد طعاما تأكله وهواء تتنفسه، فانها ستواصل تأقلمها وتغيرها والسماء هي الحد: فليس هناك من حدود لما يمكن ان تفعله الحيوانات في المستقبل». بعد خمسة ملايين عام من الآن، ستكون الارض قد انغمست في اعماق عصر جليدي جديد (فريق العلماء يعرف ذلك من دراسته للانماط المتكررة للعصور الجليدية السابقة) وسيكون الغطاء الجليدي القطبي قد زحف على اوروبا وغطاها بطبقة جليدية بسمك كيلومترين اما الحيوانات القطبية المهددة بالانقراض اليوم مثل الدببة القطبية والذئاب فستكون قد انقرضت منذ زمن بعيد، ولكن اشكالا حياتية اخرى مثل «طواف الثلج» ستكون قد تأقلمت مع ظروف التجمد، وستكون القارات قد زحفت قليلا بشكل يكفي لان تصطدم اوروبا بافريقيا مما يغلق مضيق جبل طارق، ولان مناخ العصر الجليدي هو مناخ جاف جدا، فان البحر المتوسط، وبعد ان يعزل عن المحيط الاطلسي سيكون قد جف مخلفا بحيرة ملحية كبيرة لا يبقى فيها سوى جيوب من الماء شديد الملوحة وستكون غابات الامازون الماطرة قد يبست بسبب نقص الامطار لتحل محلها مساحات من الاعشاب وستصبح اميركا الشمالية صحراء جرداء ولكن ستكون قد تطورت انواع جديدة من الحيوانات لملء هذه الاماكن البيئية. طواف الثلج وبحسب تصور العلماء فان «طواف الثلج» سيكون حيوانا شبيها بالذئاب يمكنه تحمل درجات حرارة منخفضة حتى 50 درجة مئوية تحت الصفر وهو قريب من فصيلة ابناء عرس ولكنه اكبر منها وله نابات طويلان يستخدمهما في قتل فريسته. ويعتقد العلماء ان بعض انواع القرود سينجو من موت الغابة الاستوائية الماطرة ويتأقلم مع المروج العشبية ويعد حيوان «البابوكاريس» احد تلك الانواع وهو قرد ذكي يستطيع ان يصنع مصايد معقدة تشبه السلة لصيد السمك في البحيرات الضحلة وله وجه خال من الشعر ويعيش في مجموعات. ومن الحيوانات التي يتوقع ان تقطن المسطحات الملحية للبحر المتوسط نوع من السحالي يدعى كريبتايل، وهي تتقاسم الصحراء الملحية مع اعداد هائلة من الذباب الملحي الذي يعتبر مصدرها الوحيد للغذاء وهي تصطادها في اهداب رقبتها المرنة باقتحام مجمعاتها الضخمة والامساك بها بواسطة لسانها الطويل ثم التهامها في الفم. واما اكبر الحيوانات التي ستجوب الارض فسيكون اكبر من اعظم الديناصورات ويدعى توراتون وسينحدر من السلاحف الحالية وسيعيش في المستنقعات الواسعة بالقرب من البحار ويمكن ان يزن 120 طنا، اي 24 ضعف وزن الفيل وهو حيوان آكل للعشب يلتهم الغطاء النباتي المتوفر. وبعد 100 مليون سنة من الآن، سيكون العصر الجليدي قد انتهى نتيجة للنشاط البركاني الذي يطلق غازات رافعة للحرارة في الغلاف الجوي وسيرفع ذوبان الغطاء الجليدي من منسوب مياه البحار مما يؤدي الى غمر الاراضي المنخفضة وستنجرف القارات بدرجة كبيرة وسيتسبب المناخ الدافيء في ظهور الغابات على الجزء الاكبر من اليابسة وحتى القارة القطبية الجنوبية التي ستكون قد انجرفت من موقعها على القطب الجنوبي باتجاه الشمال وصولا الى المناطق المدارية ستكون مغطاة بغابات كثيفة. وبعد 200 مليون سنة من الآن، يعتقد العلماء ان الحياة ستعود من جديد الى الارض بعد انقراضها الجماعي بفعل النشاط البركاني المكثف بعد 100 مليون سنة من الآن ويقول البروفيسور ستيفن بالومبي ان «بيولوجيا العالم تكون بين فترة واخرى على موعد مع حدث بيئي فظيع، وتؤدي هذه الاحداث البيئية الى ابادة ما بين 80ـ 95% من الاجناس الحياتية في العالم وهذه العملية تدعى الابادة الجماعية. وفي هذه الفترة سيكون للمخلوقات البحرية دور كبير في اعادة الحياة الى كوكب الارض حيث تتأقلم انواع منها على العيش على اليابسة في الغابات الماطرة التي ستتشكل في الزاوية الشمالية الغربية من القارة العظيمة. ضرار عمير