الخميس 22 شوال 1423 هـ الموافق 26 ديسمبر 2002 تعد اليابان من ابرز النماذج الفريدة واللافتة للنظر في التاريخ المعاصر. فهذه الدولة أرست في خضم فترة غير كبيرة المعايير الحقيقية والرائعة لحالة انتقال كبيرة من مجتمع شبه اقطاعي ومنعزل الى مجتمع متطور وقوي على الصعيدين العسكري والاقتصادي. ولم يأت هذا التحول الذي شمل مختلف مناحي الحياة وليد الصدفة أو الساعة، أو مخاضا لتوجه عسكري هائل جعل من البلاد امبراطورية عسكرية أخفقت بعد عقود من الزمن الى ترجمة هذا التفوق العسكري الى واقع اقتصادي، كما حصل مع العديد من الامبراطوريات التي ظهرت ونشأت بحكم فرض القوة على شعوبها أولا ومن ثم على غيرها من الدول، فكانت النتيجة الحتمية أن تختفي هذه الامبراطوريات مرة والى الأبد. ومن هنا فلابد لفهم تحول اليابان من الوقوف على العوامل التي حدت بهذا البلد، الذي كانت تحدق به الأخطار على أشكالها المختلفة، وجعلت منه مسرحا لحالة تكاد تكون ثورة في مختلف مناحي الحياة: الاجتماعية والسياسية والثقافية والحضارية، والأهم من ذلك كله، التحول الكبير لفرض ايقاع سياسي عالمي ولتكون دولة كبرى لها تأثيرها ودورها الكبيران على الساحة العالمية وبين بقية الدول الكبرى. وفي الكتاب الذي نناقشه هنا، الذي تزيد صفحاته عن أكثر من تسعمائة، يلقى الضوء على أهم فترات تاريخ اليابان المعاصر، وهي النصف الثاني من القرن التاسع عشر. لم تكن هذه السنون من أهم السنوات الحاسمة لوجود الأمة اليابانية التي تزيد على الألف عام فحسب، بل كانت غير مسبوقة في تاريخ بقية الأمم والدول والشعوب. ففي عقود قليلة من الزمن، استطاعت اليابان أن تتحول من دولة شبه اقطاعية تخضع للحكم العسكري الى امبراطورية متطورة صناعيا وتجاريا وذات حكم دستوري وقانوني. ومن هنا لجأ المؤلف دونالد كين في عمله الضخم هذا الى محاكاة هذه الفترة الهامة سنة بعد سنة منذ أن تربع الأمبراطور ميجي على الحكم. ولم يغفل المؤلف عن الحديث عن الفترة السابقة التي تمثلت بحكم الامبراطور كومي، والد الامبراطور ميجي، في مسعى منه على ما يبدو لاظهار الارهاصات السياسية والاقتصادية التي كانت تواجه اليابان، الى جانب التحديات الأخرى العسكرية التي كان تفرضها القوى العظمى أو دول الجوار، في تلك الفترة وطبيعة المهمات التي ستلقى على كاهل الامبراطور الجديد عندما يتبوأ منصبه الجديد. وعلى الرغم من أن الكتاب يتحدث كثيرا عن الحياة الامبراطورية في البلاط، والحياة الاجتماعية للامبراطور، سواء مع عائلته أو أولاده، فانه يلقي الضوء في الوقت ذاته على الكثير من الجانب الاجتماعي للحياة اليابانية في ذلك الوقت، سواء السياسية منها أو الاجتماعية والثقافية. ولذلك سيلاحظ القاريء الكثير من الأسماء والمسميات والألقاب والشخصيات والتقاليد والأعراق، الى جانب القصائد الكثيرة التي كتبها الامبراطور بنفسه. أما الملاحظة الأهم فهي ان الامبراطور قد يبدو شخصا غير مبهم بالنسبة للقاريء على عكس ما هو متوقع، ويعلل المؤلف ذلك بالقول بأن الجوانب الشخصية البحتة من حياة الامبراطور قد ظلت مبهمة حتى بالنسبة للمقربين منه في البلاط الحاكم. ومن هنا يلاحظ القاريء ان الوزراء والمسئولين ورجال الدولة كان لهم دور كبير في صنع القرارات والسياسات الداخلية منها والخارجية وتأثيرها على تاريخ اليابان. وهو الأمر الذي لم تألفه اليابان من قبل، ليكون الامبرراطور ميجي بحق مهندس هذه النهضة الشاملة التي نقلت اليابان قرونا الى الأمام. تهديدات كبرى يتطرق الكاتب الى العديد من التهديدات التي كانت تعصف في اليابان في الفترة الأولى من تولي الامبراطور ميجي سدة الحكم. وعلى الرغم من كون هذه التهديدات قديمة تراكمت بمرور الزمن بباعث من طبيعة ونمط الاسلوب الذي كانت تحكم فيه الاسرة الحاكمة وتحدد صلاحيتها وعدم تدخلها في الكثير من القضايا، الأمر الذي عزز بدوره من استفحال نظام الشوغون الاقطاعي، الا أن هذه المشكلات قد تراكمت وتزايدت في الفترة الأولى من حكم ميجي، بسبب رغبة الشوغون بالسيطرة على الدولة مستغلين عمر الامبراطور الصغير. ولذلك يمكن تقسيم هذه التهديدات الى داخلية (اقتصادية: كالفقر والجوع والأمراض المهلكة والبطالة والتضخم، أو سياسية كحالات التمرد والحرب الأهلية والسيطرة شبه الاقطاعية) أو خارجية تمثلت بالحروب المتعددة والطويلة مع العديد من دول الجوار كروسيا والصين وكوريا وتايوان، ناهيك عن تهديدات الدول الكبرى كالولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ومحاولة هذه الدول بسط نفوذها على اليابان. ولا يغفل المؤلف عن التطرق الى أهم التهديدات التي واجهت اليابان أيضا، وتمثلت بالثورات الداخلية التي ربما كانت من أشد وأعتى التهديدات التي واجهت اليابان، كما حصل في تمرد ساغا، وتمرد ساستوما (1877)، والأهم والأكثر تهديدا تمرد الشوغون الذي شكل حربا أهلية بكل ما في الكلمة من معنى. فقد استنزف هذا التهديد الكثير من مقدرات الدولة ولجأ الامبراطور الى التعامل معه بحكمة وبخوض حروب متفرقة ومتعددة للقضاء على نفوذهم الذي كان مستشريا، ولبسط نظام جديد يوفر الحماية للجميع. وفي البداية أدرك الامبراطور الذي تولى منصبه الجديد أن الحكمة وحدها هي العامل الوحيد الذي سيخرج اليابان مما كانت ترزح تحت وطأته، فشاء أن يتولى تلك المهام الجسام بنفسه وأن تكون قراراته جماعية بمشاركة كبار وزرائه، وأن تخضع اليابان للون جديد من الحكم الذي يقوم على أساس دستور يحترمه الجميع. ومع ان المشكلات التي خلفتها الكوارث الطبيعية لم يكن في مستطاعه التدخل فيها، كالأمراض المعدية التي فتكت بآلاف، مثل الكوليرا والجدري والحصبة والسل الرئوي، والتي حصدت معها العديد من أفراد الأسرة الحاكمة، الا أن توجه الامبراطور قد تمثل في التخلص من مخلفات هذه الكوارث، من خلال نهضة اقتصادية وتجارية تعمل على الارتقاء بمستوى المعيشة للشعب وتطوير مختلف مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتعليمية والصناعية. فعلى صعيد الحكم الداخلي، لجأ الامبراطور أول الأمر في مراسيم مهيبة الى تقسيم سلطات البلاد الى ثلاثة فروع ـ الحكومة والمحكمة والدايميو (النبلاء اليابانيين). وكان المقصود من الحكومة السلطة الادارية التي سيتولى رئاستها كبير عائلة توكاجاوا، حيث سيقوم بانشاء الحكومة في أوساكا ويعمل على حكم البلاد بكامللها إداريا من خلال الموظفين الذين يختارهم جميعا باستثناء كبير المسئولين الذين يجمع على اختياره مجلس النبلاء. أما مجلس النبلاء فكان المسئول عن الجانب التشريعي للحكومة، ويتألف من مجلسين: المجلس الأعلى الذي يضم طبقة النبلاء والاستقراطيين، والمجلس الذي يتألف من الساموراي «طبقة المحاربين الارستقراطية». وكان هذا المجلس مسئولا عن المناقشة والتصويت على العديد من القضايا المهمة كالقوانين، والميزانية والسياسة الخارجية وقضايا الحرب والسلام. ويتمتع الفرع الثالث من الحكومة بأهمية اسمية، اذ يصادق الامبراطور على القوانين التي توافق عليها الهيئة التشريعية، من دون أن يكون له حق النقض «الفيتو» على هذه القوانين. وكانت هذه المرحلة الأولى التي شهدت بعد ذلك تحولا كبيرا تمثل في عملية الانتقال الثانية من النظام الاقطاعي الى دولة مركزية، وهو التحول الأهم الذي ينعته المؤلف بالتحول السلس على نحو مذهل. ففي 29 اغسطس من عام 1871 أرسل الامبراطور في طلب أربعة من حكام الأقاليم الذين اقترحوا نظام الولايات والولايات الصغيرة بدلا من الأقاليم وعبر عن تأييده لاقتراحاتهم. وفي تلك الظهيرة طلب من حكام الأقاليم الآخرين الموجودين في طوكيو والذين يزيد عددهم على 56 حاكما وأعلمهم عن خطة التغيير الكبيرة. ومن هنا باتت كافة سلطات وقرارات طبقة النبلاء خاضعة للامبراطور، وكذلك ممثليهم في المقاطعات المختلفة. وكانت هذه المرة الأولى منذ أكثر من اثني عشر قرنا من تاريخ اليابان التي تحدد فيها عدد الامتيازات الممنوحة الى طبقة النبلاء وأتباعهم. ويشير كين هنا بأن خطة الامبراطور وقراره الجديد الذي فرض على الطبقة التي هي أعلى طبقات البلاد لم تلق أية معارضة بسبب التمهيد المحنك للخطة وتوقيتها السليم، بعد أن نال الامبراطور ثقة الكثيرين. التعليم أولاً أفضى هذا التحول، وفقا لما ذهب اليه كين، الى تعزيز سلطة الامبراطور كثيرا، فبات حقا من حيث المبدأ على الأقل، الحاكم الوحيد للبلاد مستبدلا بذلك العديد من الحكام شبه الاقطاعيين الذين حكموا مقاطعاتهم بشكل مستقل تقريبا. ولم يكن هذا بالتغيير الوحيد، اذ أقدم الامبراطور على تحقيق تغيير ثاني كان يعني في فحواه تقليل تأثير الطبقات الحاكمة والارستقراطية والسعي الى اشراك الكثير من ابناء الشعب في السلطات وفي الهيئات الحكومية. وتمثل هذا التحول في تقليل صلاحيات وسلطات أفراد طبقة النبلاء التي كانوا يتمتعون بها لقرون عديدة وتشكيل طبقة جديدة من الموظفين من عامة الشعب. وأنيطت بهم مهمة جدية كان يراها الامبراطور في غاية الأهمية، وتمثلت في الاضطلاع بمختلف القضايا، القديمة والحديثة، والتي تحصل في شرق البلاد وغربها، وفي الدول الأجنبية المحيطة باليابان وتهمها. ولم يقتصر الأمر على الامبراطور وحده، بل شمل الأمر كذلك الامبراطورة وسيدات البلاط اللاتي أدرك الامبراطور الحاجة الى أن يكن على دراية بما يحصل في اليابان والصين وسائر الدول. وألقى الدور الذي يضطلع به كبار العسكريين مشكلة على كاهل ميجي الذي أيقن أن المهارة العسكرية والشجاعة في ساحات القتال لا تعني أبدا قدرة هؤلاء الرجال وكفاءتهم على تأدية أفضل الأعمال في المكاتب والمؤسسات السياسية. ولذلك عارض الامبراطور الأسلوب المتبع في اختيار أعضاء الوزارات عبر كفاءتهم العسكرية وليس من خلال المهارة السياسية. وتمثل هذا الفشل في الطريقة التي يظهر من خلالها النبلاء العسكريين ضجرهم الكبير عندما تتم مناقشة التقارير الادارية والقضايا المدنية. وعبر الامبراطور عن ملاحظته في هذا المضمار، حيث سلط الضوء على عجز العسكريين عن ايجاد حلول عملية للمشكلات والقضايا المدنية، وأصدر أمرا منع بموجبه العسكريين مهما كانت رتبهم من التدخل في السياسة. لذلك يقول المؤلف ان الدستور الياباني الذي لقي الكثير من التعديلات والاصلاحات التي تصب في صالح المواطن العادي وفي مصلحة البلاد في المحصلة، قد بات يشكل في عام 1889 أكثر الدساتير تطورا في آسيا وأعظمها تحررا من العديد من الدول الأوروبية، حيث شكل على الرغم من السلطات الكثيرة التي بات يتمتع بها الامبراطور، بداية لحكومة تمثيلية في اليابان. وشغل التعليم حيزا كبيرا من فكر الامبراطور الذي سعى الى تطويره في الكثير من الميادين. وكانت القضايا التي تتبادر الى تفكيره تتعلق بالتوجهات العملية للارتقاء بالتعليم وجعله الزاميا. وسعى ايضا الى تلقي الفتيات التعليم ذاته الذي كان يناله الفتية، الى جانب الوقوف على مناهج التعليم الغربية المعنية بالعلوم المختلفة (كالعلوم الطبيعية والقانون والطب والرياضيات) وكيف تكون هذه العلوم تدريبا للطلاب، الى جانب التركيز على المهارات الفنية اليابانية. وعمد الامبراطور وكذلك الامبراطورة الى استخدام المال المخصص للعائلة المالكة في الأغراض غير الشخصية، كتخفيف معاناة المحتاجين والمرضى وبناء المدارس في المدن والقرى النائية التي تعرضت الى الحرائق أو الكوارث الطبيعية المختلفة كالزلازل والبراكين وما شابه ذلك. وكان ثمة توجه أيضا من قبل الامبراطور، الذي يعشق الفن والأدب وخاصة الشعر، حيث يعج الكتاب بالكثير من قصائده المترجمة، الى انفاق الكثير من المال على تشجيع الفن، حيث أقدمت الامبراطورة في عام 1891 على التبرع بما يقرب 10 الآف ين لتطوير المعارض الفنية اليابانية التي كانت تقام خارج البلاد، خاصة في أوروبا وأميركا. أما أماكن العبادة التي تم اهمالها لقرون عديدة فقد شرعت تأخذ حصتها من هذه المبالغ المالية لتصليح البنايات وتطوير الرسوم والأعمال الفنية التي تزخر بها. وجاهد اليابانيون جهادا مريرا وسريعا للتحول نحو المدنية، فتم توسيع السكك الحديدية وخطوط التلغراف على نحو سريع الى مختلف أرجاء اليابان، وشهد كل يوم ظهور شيء جديد يضاهي ما للغرب تماما، كأن تكون قطعة ملابس مصنعة بنمط جديد، أو شيئاً للأكل، أو ماكينة متطورة، أو كتاباً مليء بالصور. وعلى الرغم من هذه النظرة المتطلعة الى التحضر والتطور التي سعى الامبراطور الشاب الى جلبها الى أمته، وولعه بكل ما هو جديد، لم تكن تلك الرغبة وذلك الطموح على حساب التاريخ والتقاليد العريقة التي تتسم بها دولة مثل اليابان، اذ دأب الامبراطور على ايجاد محل لكل من القديم والجديد في حياته، مزاوجا بينهما بأسلوب متوازن. وحتى في ظل ولعه بمدينة مثل كيوتو نشأ فيها وترعرع وكانت مركزاً لحكم البلاد على مدى قرون عديدة، أيقن الامبراطور بأن اليابان الجديدة يتحتم عليها أن تبدأ بشكل مختلف وبعيدا عن التقاليد القديمة، مع أنه يستهجن الكثير من غث الحضارة الغربية. التهديدات الخارجية كانت اليابان، كما يذكر المؤلف، بلدا يشكل مطمعا للكثير من الدول الكبرى ومسرحا للكثير من الحروب بسبب موقعها الجغرافي وما تتمتع به من خيرات. من هنا خاضت الكثير من الحروب التي كانت مع جيرانها، كالصين وكوريا، أو سائر الدول والقوى الكبرى، كالولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا وفرنسا وألمانيا. ولم تكن هذه الحروب والصراعات وليدة الحاضر، أو بدأت مع تولي الامبراطور ميجي سدة الحكم، بل كانت قديمة ولكن الامبراطور الجديد خاض الكثير منها، وحقق النصر في أغلبها. ومع ذلك، عمد ميجي، كما يلاحظ المؤلف، الى تفادي النزاع مع الدول الكبرى قدر الامكان، من خلال المعاهدات التجارية أو الأحلاف العسكرية أو تعزيز كافة العلاقات معها، في الوقت الذي خاض غمار معارك طاحنة مع الصين وكوريا وحتى روسيا، أفضت في المحصلة الى بسط نفوذ اليابان كدولة قوية. ففي أبريل من عام 1887 أصدر الامبراطور قراراً تم بموجبه منح امتيازات كبيرة للغاية الى الأجانب، وفي ظل المصادقة على الكثير من الاتفاقيات الثنائية بين اليابان والقوى الدول الغربية الأخرى، ستكون اليابان مفتوحة للأجانب، اذ سينالون الحقوق والامتيازات ذاتها التي ينعم بها اليابانيون عندما يقيمون في البلاد. وفي أقل من عامين بات النظام القانوني الياباني مطابقا تماما وفي مختلف ميادينه لممارسات الدستور الغربي. وتمت ترجمة نصوص هذه القوانين الى الانجليزية وأرسلت الى شتى الدول والحكومات الأجنبية. وهكذا رغب اليابانيون التعبير بأن كراهيتهم للأجانب لم تعد موجودة وأن هؤلاء الأجانب لهم الحق والحرية والأمان في اليابان. وفيما يتعلق بالمعاهدات التجارية، فقد سعى الامبراطور الى احترامها على الرغم من أن الشوغون قد قاموا بتوقيعها، وأدرك بأن من الأهمية بمكان السعي الى ابرام معاهدات أخرى مع الولايات المتحدة. ومع ذلك فإن الكثير من الدول كبريطانيا وفرنسا رفض تجديد المعاهدات بسبب اقدام الامبراطور على الغاء دور الشوغون (الذي كان يمنح الدول العظمى الكثير من الامتيازات). ولحل هذا الاشكال من دون المجازفة بأية حرب، وافق الامبراطور على رأي وزير خارجيته أوكوما، القائل بأن ابرام معاهدة مع الولايات المتحدة من دون اجراء تعديلات على المعاهدات السابقة مع بريطانيا وفرنسا لن تجدي نفعا. ولكن اذا ما علمت هذه الدول بأن اليابان في صدد ابرام معاهدة تجارية واقتصادية جديدة مع الولايات المتحدة، ستشجع هذه الاتفاقية الدول الأوروبية الى ابرام معاهدات مماثلة. ولذلك أرخت معاهدة الصداقة والتجارة والتعاون البحري التي قام بتوقيعها كل من أوكوما ووزير خارجية أميركا ريتشارد هبارد خطوة جديدة في انتقال اليابان صوب الدول الكبرى. وتمثلت المهمة التالية في السعي الى اقناع البريطانيين بضروة تعديل المعاهدات السابقة التي تمنحهم الكثير من الامتيازات. وفي البداية، وحتى بعد توقيع المعاهدة بين اليابان والولايات المتحدة، رفضت بريطانيا تعديل المعاهدة على الرغم من جهود اليابانيين الحثيثة لاقناع البريطانيين للقيام بذلك. ولتحقيق ذلك عمد أوكوما الى تذكير البريطانيين بأن بريطانيا هي الدولة التي تستورد منها اليابان أكثر منتجاتها وان اجمالي التجارة بين الدولتين قد بلغ أكثر من ثلث اجمالي تجارة اليابان الخارجية. وفي المقابل شكل البريطانيون أكثر من نصف الأجانب المقيمين في اليابان لذلك فان مصالحهم تفوق جميع الأجانب الآخرين. زد على ذلك فان بريطانيا، في حال قبول تعديل الاتفاقيات، ستحذو الدول الأخرى حذوها في تعديل الاتفاقيات، وبالتالي تخلص اليابان من الكثير من المشكلات الاقتصادية التي ترزح تحتها. وهكذا باتت الدولة الجديدة، التي يبلغ عدد سكانها 40 مليونا وجيشا قوامه 180 ألفا، وبأسطول بحري يتألف من بعض السفن الحربية، حليف أكبر امبراطورية في التاريخ المعاصر. وشهدت العلاقات مع الأجانب تحولا في عهد الامبراطور. وفي هذا الصدد يقول المؤلف أن الامبراطور نفسه قد ترك انطباعا لدى الغرب والعالم الخارجي بأنه شخص مختلف تماما عن من سبقه. وكان في تعامله مع الأجانب، من غير السياسيين أو الوزراء ورؤساء وملوك الدول الأخرى، مهذبا الى درجة كبيرة ومتواضعا يحظى باحترام ومودة الجميع، من خلال المصافحة الودية مع كل شخص يتم تقديمه اليه. وكان وديا تماما مع ملك هاواي، على الرغم من اعتراضه على خطة الأخير في انشاء عصبة الدول الآسيوية. وكان احترامه الكبير وتعامله الودي مع ولي العهد الروسي نيقولا الذي تعرض لاصابة بالغة نابعا من تعاطفه مع هذا الأمير الشاب التي تعرض للاصابة وهو في بلد أجنبي وليس من خوفه من احتمال تعرض بلاده الى هجوم روسي. وأيقن كذلك جميع أعضاء الأجانب الموجودين في البلاط الملكي، من خلال الأسلوب الذي دأب به الامبراطور على استقبالهم به بأنها هذه هي المرة الأولى التي يلقى فيها الأجانب مثل هذه المعاملة. ولم تكن هذه اللقاءات لتقتصر على كبار الشخصيات. فلم يمر يوم واحد من دون أن يلتقي الامبراطور بالتقنيين أو المدرسين الأجانب الذي يهمون بمغادرة البلاد. وبدورهم، قام العديد من العسكريين الأجانب، ممن ليسوا من الرتب العالية، بزيارة الامبراطور للتعبير عن شكرهم وامتنانهم للفترة التي بقوا فيها في اليابان، حيث عمد الامبراطور الى استقبالهم وشكرهم أيضا. ونال الكثير من الأجانب أوسمة عالية المستوى من الحكومة اليابانية، وفي هذا السياق، يقول المؤلف أن اليابان كانت من أكثر الدول على الاطلاق سخاء في منح الأوسمة للناس، وخاصة في عهد ميجي. الانجازات والتاريخ يرى المؤلف، بعد استعراضه للكثير مما تم تحقيقه على يد الامبراطور ميجي، أن هذا الامبراطور، وعلى عكس الكثيرين ممن سبقه الذين حكموا اليابان لأكثر من 500 سنة، لم ينس حتى بعد وفاته. ولأن أسمه كان يعني «القائد المتنور» فقد تزاوج هذا الاسم مع الكثير من الدراسات والتاريخ والثقافة التي بات يشار اليها أو نعتها باسمه. وبسبب رغبته بأن لا يكون دائما محطاً للأنظار أو التمجيد الشخصي، سعى الامبراطور الى أن يكون مجرد اسم، ولذلك ارتبطت صورته بالكثير من انتصاراته العسكرية أو المدنية، وحتى عمليات التحول والتطور التي شهدتها البلاد بالعديد من القادة العسكريين أو المسئولين المدنيين الذي كانوا تحت امرته.