الثلاثاء 20 شوال 1423 هـ الموافق 24 ديسمبر 2002 «كتاب أبيض» كان وزير الخارجية باول يطالب باصداره فيما كان وزير الدفاع رامسفيلد يرفض هذه الفكرة من الأساس. كان باول ـ كما نتصور ـ وبوصفه وزيرا للخارجية هو المسئول الذي يتعرض أكثر من سواه للتفاعل والتعامل مع أطراف خارجية ومسئولين كبار، منهم رؤساء دول ورؤساء وزارات ومن في حكمهم في أنحاء شتى من العالم، وكان يواجه من هؤلاء جميعا سؤالا في غاية البساطة والخطورة: هل لديكم من القرائن ما يثبت حقا أن ابن لادن هو الذي ارتكب حادثة سبتمبر؟ وكان المقصود من «الكتاب الأبيض» أن يثبت أن ابن لادن وتنظيم القاعدة كانا وراء هجمات سبتمبر. ينتقل المؤلف لتعليقات رامسفيلد الذي تساءل صراحة: هل نحن نريد أو نحتاج الى اصدار كتاب أبيض؟ مثل هذا العمل يمكن أن يرسي سابقة في غاية السوء، ولنفرض أننا أردنا أن نشن ضربة عسكرية اجهاضية ضد الارهابيين أو على دولة ترعى الارهاب؟ ساعتها سنجد هناك من يتوقع اصدار كتاب أبيض (لتبرير ما نفعل) والحاصل أن قرارات الأمن القومي ـ يضيف رامسفيلد ـ التي تصدر بعمل عسكري يقتضي الأمر في غالب الأحيان ـ أن تصدر على أساس أفضل قرائن متاحة، وقد تكون هذه القرائن أقل من أن تصمد كدليل تأخذ به المحكمة، بهذا نكون قد أوقعنا أنفسنا في فخ أو كمين من صنع أيدينا. في هذا السياق بالذات نلاحظ أن مؤلف الكتاب يسهب في إغناء هذه النقطة التي يراها ونحن نراها أيضا محورية بصدد مرتكبي أحداث سبتمبر، المؤلف يضيف ما يلي وهو يلمح الى أنه لا يزال يحيل الى آراء وزير الدفاع رامسفيلد وغيره من حضور الادارة الأميركية في ذلك الاجتماع الرئاسي بالبيت الأبيض: عندما شرعت دوائر المخابرات في أميركا وحلفائها في إماطة اللثام وامساك الخيوط بصدد هجمات سبتمبر، كانت القرائن عرضية ـ ظنية كما يقول المصطلح القانوني العربي بل كانت مشتتة ومتناثرة برغم احتوائها على بعض الجوانب الصلبة. ومن ثم فالخطر من اصدار كتاب أبيض يحوي القرائن والأدلة كان يتمثل في أنه قد يدفع البعض الى تصور أن الحرب ضد الارهاب هي إحدى عمليات انفاذ القانون وأنها تتم بالتالي ضمن اطار النظام القضائي حسب الأصول المتعارف عليها قضائيا من تقويم الأدلة ومن عبء اثبات التهمة الذي يقع بالضرورة على عاتق الحكومة (ممثل الاتهام) ومن تقديم دليل دامغ لا يرقى اليه الظن ولا الشك من قريب أو بعيد، وكان هذا كله أمرا لا سبيل الى تلبيته بحال. عند الجانب الآخر من القضية ـ كان وزير الخارجية باول ـ كما يضيف المؤلف (ص136) ـ يريد كتابا أبيض ـ وثيقة اثبات تصدر بشكل أو بآخر، لماذا؟ لأنه كان يتعين عليه أن يتعامل مع دول أوروبية ودول عربية كان قادتها وزعماؤها يريدون قرائن وأدلة. حرب بلا سيناريو والذي حدث أنه لم يصدر كتاب لا أبيض ولا أسود بل اقتضى الأمر ـ كما يقول المؤلف ـ أن يكتشف الرئيس بوش ومعاونوه أنهم يخوضون حربا من نوع جديد تماما، حربا بغير نص معتمد أو مسبوق. مع ذلك فالمؤلف يشير ضمنا الى أن رجال البنتاغون لم يكن همهم مقتصرا على حرب أفغانستان، كان واضحا (ص137) أن رامسفيلد كبير أهل البنتاغون لا يريد أن يدور النجاح على محور أفغانستان، الأهداف فيها محدودة بل ضئيلة الى حد أن جأر رامسفيلد بالشكوى في ذروة اندلاع العمليات الاميركية في كهوف وجبال أفغانستان فقال: أيها السادة، لقد أصبحنا نعاني نقصا فادحا في الأهداف (التي نقصد لضربها). مرة أخرى يعلق المؤلف في هذا السياق، يقول: ظل اهتمام الرئيس بوش مركزا على أفغانستان وقد تحدث الرئيس ضمن ذكرياته التي أسر بها الى مؤلف الكتاب فقال: من الواضح انه كان هناك (ضمن معاونيه) من ناقش موضوع ضرب العراق (عقب أحداث سبتمبر مباشرة) أما رامسفيلد فكان يريد اثبات أن الحرب على الارهاب هي حرب تشمل كوكب الأرض بأسره (حرب العولمة ضد الارهاب) كان وزير الحرب يريد أن يؤكد أن العسكر الأميركيين ينفذون عملياتهم في مناطق أخرى من العالم. هكذا، وبحكم هذا التركيز الرئاسي، تقرر أن تكون أفغانستان هي مسرح العمليات، وكان من الطبيعي أن يسند دور الطليعة أو المقدمة الى المخابرات المركزية الأميركية. الثانية عشرة ونصف من ظهر الأربعاء 26 سبتمبر حلقت طائرات مروحية روسية فوق الجبال عند وادي بانشير في شمال شرقي أفغانستان، كان يقودها «جاري» البالغ من العمر 59 عاما، وهو من مخضرمي عناصر السي. آي. إيه (المؤلف يقتصر على الاسم الأول في سطور الكتاب عند الحديث حول ضباط وجواسيس المخابرات المركزية)، كان «جاري» يستعد للتقاعد ولكنهم استدعوه ليستغلوا خبرته الطويلة التي زادت على 32 سنة امضاها مسئولا عن محطات الاستخبارات في طهران واسلام أباد وكابل وبعض عواصم الخليج، لم يكن غريبا أن يقود رجل مخابرات أميركي طائرة عمودية روسية، فالمؤلف يخبرنا أنهم كانوا قد اشتروا الطيارة ـ السوفييتية السابقة بأسعار لم تقبل منافسة (ربما في مزاد للخصخصة أو لمخلفات الجيش السوفييتي)، كانت المهمة هي فتح ممر «أنجومان» وتأمينه لصالح العمليات العسكرية الوشيكة ومن ثم تأمين ولاء القبائل والعناصر العرقية التي تعيش على جانبيه. تحت قدمي «جاري» كانت تقبع حقيبة قديمة من قماش عتيق لكنها كانت منتفخة بحكم ما كانت تحمله وهو 3 ملايين دولار من فئة المئة دولار، لكن أهم ما كان يحمله رجل المخابرات هو نص التعليمات التي حفظها ظهرا عن قلب منذ أن أبلغها له رئيسه في مقر الوكالة المركزية العتيد في ضاحية لانجلي قرب واشنطن: جاري، أنت مكلف بمهمة واحدة، اذهب وابحث عن القاعدة، واقتلهم، نحن في طريقنا الى أن نبيدهم، اعثر على ابن لادن واقبض عليه، أريد رأسه في صندوق. ـ تتكلم جد؟ كان «جاري» يعرف ميل رئيسه الى دراما الاثارة وكان يعرف أيضا (ص141) القيود الرئاسية (الصادرة بمراسيم جمهورية) بشأن عمليات القتل أو الاغتيال المباشر، لكنه فوجئ برد رئيسه يقول بشكل قاطع: أنا جاد تماما، السلطة الجديدة المخولة لنا واضحة، نعم نريد رأس ابن لادن، وأنا أريد أن آخذ رأسه كي يشاهدها الرئيس. أول مقابلة لرجل المخابرات جاري كانت مع المهندس محمد عارف مسئول مخابرات التحالف الشمالي (المعارض لطالبان) في أفغانستان، وضع أمامه رزما من البنكنوت يصل مبلغها الى 500 ألف دولار، كان يتصور أن هذا المبلغ أفضل تأثيرا من مبلغ ال200 ألف دولار الذي اعتاد أن يقدمه الى أصدقاء أميركا (يقصد عملاءها) وكان المعنى ـ يضيف المؤلف ـ هو أن تلك أفضل طريقة يقول بها الأميركيون: نحن هنا، نحن جادون، وها هي الفلوس، ونحن نعرف كم أنتم بحاجة اليها. قال رجل المخابرات المركزية: نريدكم أن تستخدموا هذه النقود، اشتروا طعاما وأسلحة، وأي شئ تحتاجه لدعم قواتكم، وادفعوا لمصادركم وعملائكم، ولعلمكم هناك من هذه الأموال المتاح، وهناك المزيد. قال المهندس الأفغاني (الصديق): إن التحالف الشمالي يرحب بكم. شرح الأميركي الخطة وكانت تتمثل في اعداد المسرح لدخول القوات الأميركية أرض أفغانستان قائلا: لست أدري كيف سيدخلون ولا كم عددهم، لكننا نبحث عن قوات خاصة، عن وحدات صغيرة عن أفراد وعناصر تساعدكم وينسق رجالها بين قواتكم والقوات الأميركية. قال المهندس الأفغاني: عظيم. الأيام الأخيرة من سبتمبر 2001 كانت حافلة بنشاط محموم قامت به المخابرات الأميركية في مواقع شتى بالعالم، كان المطلوب أن يتابع الشعب الأميركي بالذات كيف أن حكومته قد نهضت ونشطت في ملاحقة الارهابيين أو من كانت تعتبرهم ارهابيين، البرنامج الذي اعتمدته المخابرات المركزية في هذا الصدد كان يحمل اسما له دلالته التي لا تخفى: برنامج التسليم (بمعنى تسليم المشتبه فيهم). وكان البرنامج ـ يهدف ـ كما أكد تينيت مدير المخابرات المركزية الى وقف اكبر عدد ممكن من الارهابيين المشبوهين عن العمل، أو اخراجهم من الخدمة وابعادهم عن النشاط، هنا يقول مؤلف الكتاب (ص146): معظم محطات المخابرات المركزية كان لديها قوائم والمعلومات عن المشتبه بهم ممن ينتمون الى تنظيم «القاعدة» في بلادهم. وكم من البلدان (في الشرق الأوسط وأفريقيا) من كانت أجهزة مخابراته على أتم استعداد لتلبية طلبات السي. آي. إيه. وهنا يضيف تينيت قائلا للرئيس بوش: نحن نتابع ما يحدث في السودان، وما يحدث في بلغاريا وما قد يشارك فيه العراقيون وما قد يشارك فيه حزب الله (في لبنان) وكذلك ما يحدث في أميركا الجنوبية. ولم يفت تينيت أيضا أن يوضح لرئيسه أن برنامج التسليم إياه ليس عالميا وحسب بل أنه فضفاض لكي يشمل جماعات ارهابية (أو يرونها كذلك من وجهة نظرهم) بخلاف تنظيم القاعدة. يقول مؤلف الكتاب: وكان الرئيس بادي الاغتباط وقد تساءل قائلا: متى نشعر بالارتياح حين نتناول هذه النقطة؟ وكان الرئيس يقصد أن أمامه فرصة متاحة يمكن الاعلان عن مضمونها لجماهير الشعب الأميركي. بيد أن العمليات ـ يضيف المؤلف ـ كانت حساسة وكانت غالبية الدول تعارض معارضة شديدة بل وعنيفة لأي كشف أو دعاية أو اعلان يهتك المستور فإذا بها كمن ضبطوها في مخدع واحد مع مخابرات أميركا المركزية. لهذا عاد مدير المخابرات ليركز أحاديثه حول انجازات رجاله داخل أفغانستان (الحائط المائل كما يقول المثل الدارج) ولم يتورع عن كشف التعاون الذي أبداه البريطانيون في هذا الصدد وهو تعاون كان معلنا بغير مواربة أو تحفظات. أوضح أن البريطانيين كان لهم بعض مصادرهم التي جندوها في جنوب أفغانستان وأن تعاونهم مع الأميركيين قد يؤدي الى انشقاقات في صفوف طالبان أو خيانات لهم، والمهم هو التنسيق بين جهود أميركا في الشمال ومصادر بريطانيا في الجنوب. الى هذه المعلومات الاستخباراتية، استمع الاجتماع الصباحي لمجلس الأمن القومي، بعدها اتجهت الأنظار الى وزير الخارجية باول الذي أدلى بافادات يلخصها مؤلف الكتاب في التالي (ص149 وما بعدها). اتصلنا مع طاجيكستان وأبدى رئيسها استعداده لتلبية كل طلباتنا، إنه يريد التعاون معنا مباشرة وليس من خلال طرف وسيط، لكنه يريد أن يبقي هذا التعاون طي الكتمان. نعمل مع قطر لتكون محطة متوسطة للقوات الأميركية تتوقف عندها قواتنا ومنها يمكن أن تثب على متن حاملات الطائرات الأميركية باتجاه أفغانستان (يضيف المؤلف أيضا أن نائب الرئيس تشيني كان مكلفا بدوره بالاتصال مع قطر ـ موضحا أن كانت تربطه بقطر علاقات منذ أيام حرب الخليج عام 1991). رغم أن السودان يشكل ملاذا فظيعا للارهابيين (في رأي باول) فقد بدت الخرطوم متعاونة مع المخابرات المركزية (في رأي باول أيضا) وتبدى هذا التعاون في استجابة الخرطوم إزاء تجميد أرصدة تمويل الارهاب، أخيرا قال وزير الخارجية الأميركية: نحن نتوقع قرارا ايجابيا بشأن الارهاب يصدر عن منظمة المؤتمر الاسلامي، وكان باول يشير بهذا كما يوضح كتابنا «الى الجماعة التي تمثل مصالح 57 دولة مسلمة». وبحكم فرق التوقيت (أفغانستان تسبق أميركا بتسع ساعات) كانت واشنطن لا تزال غارقة في النوم بينما كان وادي بانشير الأفغاني حافلا بنشاط الظهيرة (صرحت لورا عقيلة الرئيس بوش أنها أمضت ليالي عديدة بعد أحداث سبتمبر وقد جفاها النوم من فرط القلق وإجهاد التوتر). اجتمع صاحبنا المخابراتي «جاري» الى اثنين من أركان التحالف الشمالي هما الدكتور عبدالله عبدالله ـ وزير خارجية التحالف والجنرال فهيم (أصبح وزيرا للدفاع في حكومة قرضاي الحالية). يقول المؤلف (ص153): وضع «جاري» مليون دولار على الطاولة وقال ان بوسعهم استخدام المبلغ حسب ما يرون ثم أردف يقول: إن الرئيس بوش يريدكم أن تعرفوا أن قوات أميركا آتية ونحن نريد تعاونكم وهو ما يعني الرئيس شخصيا، وبالمناسبة كل ما أكتبه عن نشاطنا معا يصل الى واشنطن، ويطلع عليه الرئيس شخصيا، إننا أيها السادة نقف على المسرح العالمي. رد الجنرال فهيم: نحن نرحب بكم وسوف نفعل ما في وسعنا فمتى إذن تبدأ الحرب؟ وكان ذلك يوم الخميس 27 سبتمبر 2001. متى تبدأ الحرب؟ السؤال نفسه كان يتردد في واشنطن ولكن في نغمة أخرى، كان الرئيس يستعجل وبدا نافد الصبر، وربما بدأ يضيق بكثرة الاجتماعات التي كان يعقدها معاونوه، وشد ما كانت دهشة مستشارته الأولى، الدكتورة كوندوليزا رايس حين فاجأتها مكالمته إذ كانت في زيارة عمل الى «لانجلي» - مقر المخابرات المركزية: «كوني» (اسم التدليل) متى تعودين (الى البيت الأبيض). حالما تريدني أن أعود. أريد أن أعرف ما سوف أسمعه منكم غدا. أرجو أن نكمل مكالمتنا عندما أصل للسيارة (كانت قد تلفتت حولها فرأت جمعا من المسئولين والموظفين لا يجوز لهم أن يسمعوا حديثا مع رئيس الدولة والقائد الأعلى لقواتها المسلحة). صحيح أن المكالمة انقطعت أكثر من مرة خلال مسير السيارة، إلا أن أهم ما تخلل الحوار كان رد كوندوليزا: سيادة الرئيس إنهم يبذلون قصاراهم لكي يستعدوا لكل شئ، لكن عليك أن تتذكر باستمرار أن الأمر صعب وليس بالهين أو اليسير. لماذا؟.. هذا أمر غير مقبول. هنالك شعرت كوندوليزا رايس بقدر من التوتر والعصبية يساور الرئيس، وكان شعورها صادقا وهو ما فسره بوش بنفسه في حديثه الشخصي الذي سجله مؤلف الكتاب في سطور قال فيها الرئيس الأميركي: كان ينتابني قدر من نفاد الصبر، وأنا بصراحة يمكن أن أكون شخصا نافد الصبر، بل مع «كوندي» بالذات يمكن أن أتصرف على سجيتي وبغير سابق إنذار، تلك هي بالضبط مهمتها: أن تستوعب ما أبديه وتقول، حسنا سيادة الرئيس أنا أتفهم جيدا ما تقول، لكن أظن أن عليك أن تفكر على أساس كذا وكذا. لهذا كله اجتمع كبار المستشارين في مساء اليوم نفسه ولكن في غير حضور الرئيس، استعرضوا الموقف وأبدى وزير الدفاع انه في تمام الاستعداد، وقال نائب الرئيس ـ تشيني ـ انه تحادث مع أمير قطر ولكنه حذر من الاستسلام لاغراء العمل لارضاء خبراء الدعاية والاعلان أو العلاقات العامة. أبلغهم باول بنجاح الاتصالات مع الأمم المتحدة، فقد أصدر مجلس الأمن الدولي قرارا بشأن تجميد أرصدة تمويل الارهاب في طول العالم وعرضه جاء حديث الاعلام والدعاية مناسبة للتطرق الى حكاية قناة الجزيرة، في هذا السياق بالذات تقول كلمات المؤلف (ص160): كانت قناة الجزيرة تسبب صداعا (للمسئولين الأميركيين لأنها فتحت أبوابها على مصاريعها أمام دعاية ابن لادن حيث كانت تذيع كل بياناته التي كانت تعيد التقاطها ومن ثم ترويجها ـ ولو أجزاء منها ـ شبكات التليفزيون بالولايات المتحدة، وكان هؤلاء المسئولون في حال من الصراع: هم من ناحية كانت لهم مطالب عند قطر، وهم من ناحية أخرى لم ترق لهم تلك الحرية الممنوحة لقناة الجزيرة. شطائر وقنابل ومنشورات الجمعة، 28 سبتمبر اقتربت ساعة الصفر، هكذا كان يشعر أعضاء مجلس الأمن القومي وكانوا بمثابة مجلس الحرب الأعلى في البيت الأبيض، في ثنايا الحوار المحتدم بينهم أثار رامسفيلد أحد المواضيع التي كانت مفضلة لدى الرئيس بوش شخصيا، قال وزير البنتاغون انهم أعدوا اثنتين من طائرات سي ـ 17 العملاقة بحمولة 37 ألف وجبة غذائية لشعب أفغانستان على أساس أن يتم القاء الوجبات بعد نحو 24 ساعة من القصف. لكن ها هو الجنرال «شلتون» رئيس الأركان يقول: بل سنكون مستعدين لالقاء الأغذية في وقت واحد مع الضربة العسكرية(!).وهنا أيضا يفسر المؤلف هذه العبارات قائلا بالحرف: والمعنى هو أن كان بوسعهم (الأميركيون) أن يسقطوا القنابل مع المؤن الغذائية في الوقت نفسه.الى جانب اسقاط الامدادات الغذائية، كان هناك أيضا اسقاطات «السيوب» - وهو اختصار في المصطلح الأميركي يعني العمليات السيكلوجية، وكانت محتوياته عبارة عن منشورات يسقطونها بدورها (مع القنابل والسندويتشات حتى لا ننسى) لتشرح كما يوضح المؤلف (ص165) أن الولايات المتحدة جاءت من أجل أن تحرر الشعب الأفغاني من غزو ابن لادن والقاعدة (لأراضيه) وأن هذه لم تكن حربا ضد الاسلام. ثم يضيف المؤلف قائلا: كان أفضل هدف لدى العسكريين الأميركيين يقع الى الشمال من العاصمة لأفغانية كابول. ومن واقع معلومات المخابرات كان الهدف يبدو وكأنه الموقع الذي يقوم فيه تنظيم القاعدة بتطوير الأسلحة الكيميائية، أو البيولوجية. على أن مؤلفنا لا يلبث أن يفتح قوسا كبيرا بعد هذه العبارات ليقول في موضوعية، محمودة: وبعد ذلك اكتشفت المخابرات الأميركية أنه كان مصنعا لانتاج السماد الزراعي. (ولنا من جانبنا أن نفتح قوسا من أجل التذكير بالخطأ نفسه الذي وقع فيه الأميركيون حين ضربوا مصنع الشفاء لانتاج الأدوية في السودان الشقيق). من سطور الكتاب (ص167 وما بعدها) يشعر القارئ ـ ناهيك بالمحلل المتعمق ـ كيف كان الرئيس بوش متحمسا بشدة لاندلاع الحرب في أفغانستان، كان يقول لأركان ادارته من سياسيين وعسكريين: ما سنفعله في أفغانستان هو جزء مهم من جهودنا ولسوف يشكل إشارة أمام سائر الدول تدل على مدى جديتنا في مواجهة الارهاب. بعدها أشار الرئيس بوش الى كل من سوريا وايران بوصفهما من رعاة الارهاب لوقت طويل، ثم عاد ليقول على نحو ما ينقل المؤلف: الكثيرون يعتقدون ان الرئيس العراقي ضالع في الأمر لكنها ليست قضية مطروحة الآن، فإذا ما ضبطناه متورطا فلسوف نتصرف، وربما كان وراء هذا الأمر في نهاية المطاف. تعاون مذهل بعد اجتماع الصباح، توجه الرئيس بوش الى لقاء مع العاهل الاردني الملك عبدالله وفي هذا الصدد يقول مؤلف الكتاب: كان الأردن يتعاون بشكل مذهل في مجال معلومات المخابرات، وكان الهدف هو محاصرة الارهابيين المشتبه بهم، وبمناسبة حكاية الاشتباه ينقل المؤلف عن المدعي العام أشكروفت قوله:إننا نفكر في نظام لمراقبة الأحياء والمواقع السكنية في طول البلاد وعرضها، وفي إطارها يبلغ المواطنون عن أي سلوك غريب. لكن الرئيس بوش رد عليه لفوره محذرا: تأكد ألا تشن حملة معادية للعرب يكون لها عواقبها في هذا البلد، فلو جلس ثلاثة عرب يتكلمون فسينهال سيل البلاغات. من واقع محاضر مجلس الأمن القومي الأميركي، التي اطلع عليها مؤلف الكتاب ولا يفتأ يحيل اليها توثيقا لما يسطره من وقائع وما يرصده من مواقف، نخلص الى أن الرئيس بوش كان موقفه يتأرجح بين اتجاهين أساسيين: ـ اتجاه التوازن بين العمل الدبلوماسي والاجراء العسكري وكان يمثله وزير الخارجية «كولن باول» الذي كان يردد باستمرار رأيه بضرورة استنفاد السبل الدبلوماسية من جهة وضرورة ألا يكون من شأن العمليات العسكرية إثارة متاعب مع أوروبا أو الدول العربية من جهة أخرى. ـ اتجاه التشدد الذي كان يمثله في الداخل أشكروفت المسئول عن وزارة العدل وجهاز المباحث ويكاد يحول مواطنيه الى بصاصين ومخبرين في اطار توسيع دائرة الاشتباه، فيما يمثله على مستوى الخارج رامسفيلد ورجال البنتاغون الذين كانوا يستعجلون ضرب أفغانستان ولا يتورعون عن اعلان آرائهم في استهداف أقطار وأطراف أخرى وخاصة العراق. بالمناسبة، كانت كوندي ـ كوندوليزا ـ تمارس لعبتها المفضلة بين الطرفين، تبدي تفهما لآراء الوزير باول وتبادله الضحكات داخل الاجتماعات، لكنها تنحاز في التحليل الأخير الى معسكر الغلاة، المتشددين، لزوم الحرب والضرب وإسقاط القنابل مع شطائر الهامبورغر على رؤوس الأفغان. تأليف: بوب وودوارد _ عرض ومناقشة: محمد الخولي