الاثنين 19 شوال 1423 هـ الموافق 23 ديسمبر 2002 إصرار حكومة اسرائيل على عدم انسحاب الجيش الاسرائيلي من بيت لحم قبل عيد الميلاد، لا يثير اهتماما خاصا. فبعد عامين من العنف الفظيع يصعب زعزعة الامر بذريعة التشويش على مراسيم الأعياد الدينية، خصوصا اذا كانت هذه الأعياد مسيحية. احتفالات عيد الميلاد ستجري اذن في ظل الدبابات الموضوعة في المواقع الاستراتيجية في المدينة لمنع الاعمال الارهابية، وستكون المدينة خاضعة للاغلاق المشدد بسبب وجود انذارات ساخنة لتنفيذ عمليات.وحقا، لماذا يتوجب التأثر والانفعال من عدم تمكن بضعة آلاف من المسيحيين من الاحتفال بعيدهم كما يجدر؟ لماذا يتوجب الاكتراث لأمرهم أكثر من مئات الألوف من المسلمين في المدينة الذين اضطروا قبل مدة وجيزة للاحتفال بعيد الفطر في ظل الطوق والاغلاق؟ وعموما يأتي تهديد المسيحيين في المدينة بعدم إحياء العيد علنيا بسبب حظر التجول وفقدان الدخل والهدم والاعتقالات العشوائية، فقط من اجل نشر رائحة عفنة لاسرائيل في العالم. لن يكسبوا من ذلك كثيرا، ذلك لان مكانة اسرائيل في العالم هي في الدرك الأسفل أصلا، ومن هنا لن يقدم توجيه اتهام آخر لها ولن يؤخر شيئا في مكانتها في نظر العالم. واحتجاج السكان على الحظر الذي فرضته اسرائيل على مشاركة ياسر عرفات في احتفالات عيد الميلاد يبرهن هو الآخر على ان الفلسطينيين يرغبون بزج السياسة في الدين. المستوى السياسي الاسرائيلي أطلق كعادته يد قادة الجيش لتطبيق سياسة مكافحة الارهاب متجاهلين تماما أي اعتبارات اخرى ـ سياسيا أو اعلاميا أو اخلاقيا أو قيميا ـ ومستندين الى ان الاغلبية الحاسمة من الجمهور لا تبالي بهذه الاعتبارات. ليس في هذا أي شيء جديد، ومع ذلك لماذا تثير الدبابات المتمركزة في ساحة المهد كل هذا الانزعاج والمعارضة اللذين تتجاوزان الاعتبارات المنفعية الناجمة عن الضرر الاعلامي؟ لا شك في ان هذه الردود ترتبط بان قسما من الجمهور في اسرائيل «ربما كان قسما آخذا في التناقص» يرى نفسه منتميا للثقافة الغربية اليهودية المسيحية، وعيد الميلاد وقداسه هما بالنسبة له جزء من طقوس واحتفالات موسيقية ورياضية ممتعة. هم لا يشاركون فيها فعليا، ولكنها جزء لا يتجزأ من التراث والتركة الثقافية التي تربطنا بالعالم الغربي. ووضع دبابة تحت شجرة الأنوار في ساحة المهد في بيت لحم «وحتى اذا انتشر الجيش بصورة غير بارزة كما يدعون» يعتبر تدنيسا لقيمة شمولية عامة. وحقيقة ان قادة المستوى السياسي ليسوا حساسين لحاجة الفصل ولو لليلة واحدة بين رسالة السلام فوق الارض التي ينطوي عليها عيد الميلاد في بيت لحم وبين الجبروت الفظ الكامن في وجود دبابة «المركافا» هي مسألة مثيرة لقلق عميق فعلا. وهذا ينطوي على مؤثر، الا ان الاسرائيليين آخذون في فقدان ما تبقى لديهم من الشحنة والتركة الثقافية التي تربطهم بأوروبا والغرب حسبما يحاولون القول والادعاء. واذا أضفنا الى ذلك مؤثرات رموز مقلقة اخرى في مجال التربية والهجرة والسياسة والحوار الجماهيري الدائر في اسرائيل، فاننا سنجد انفسنا أمام فكرة معززة تبعث على القنوط واليأس، وهي ان الدبابة في باحة المهد ووضع الحصار والواقع العنيف قد أديا الى تفريغ المجتمع الاسرائيلي من الحساسية الاخلاقية ومن التفوق الثقافي وحوله الى جزيرة منبوذة منقطعة عن محيطها الجغرافي والروحي ايضا.عيد الميلاد كان في صراعات اخرى ذريعة وسببا للاعلان عن الهدنة، وكان يغير في بعض الاحيان من المناخ السائد، لا بل وأدى احيانا الى فتح صفحة جديدة. أما في الأجواء السائدة في اسرائيل فلا توجد أي احتمالية للحصول على دعم وتأييد لمبادرة الهدنة. ولكن ربما كان من الممكن التجرؤ والأمل في ان يقوموا على الأقل باخراج الدبابات من بيت لحم وان يتركوا سكانها يحتفلون بعيدهم من دون الاصطدام بجنود الاحتلال. وهذا مهم ليس فقط لأبناء بيت لحم وللعالم المسيحي كله، وانما ايضا لاولئك الاسرائيليين الذين لم يتنازلوا بعد عن ارتباطهم الثقافي مع العالم الغربي. بقلم: ميرون بنفنستي _ عن «هآرتس»