الاثنين 19 شوال 1423 هـ الموافق 23 ديسمبر 2002 يسكن جورج تينيت، مدير المخابرات المركزية، في ضاحية هادئة قرب العاصمة واشنطن. حين صحا من نوم مضطرب بعد أيام قلائل من أحداث سبتمبر، دخل غرفة مكتبه وانكب على مذكرة تحوي تعليمات موجزة موجهة الى مستشاريه، وكانت المذكرة تحمل عنوانا من عبارة واحدة هي: نحن في حالة حرب. وفي معرض التفصيل أكد مدير مخابرات أميركا أهمية أن ينطلق مع مرؤوسيه من موقف مشبوب بالحماس ومن يقظة لا يغمض لها جفن، ولكن أيضا من عقل يحسب كل حساباته على البارد. في معرض التفصيل أيضا يلمح مدير المخابرات الى أنه مع مرؤوسيه يتحملون قدرا يسيرا أو جسيما من مسئولية ما أصاب الولايات المتحدة في سبتمبر 2001، وربما كانت المذكرة التي نلمح اليها نوعا من الاقرار بالذنب أو الاعتراف النسبي بالتقصير. حكاية الغزوة الصليبية في عصر اليوم نفسه، وصل الرئيس بوش الى البيت الأبيض قادما من منتجع كامب ديفيد، التقى الصحافيين في الحديقة الجنوبية بالمقر الرئاسي، وتحدث معهم ـ في بيان عام موجه الى الكافة ـ عن تقويمه للأحداث، (يلاحظ أن هذا التقويم بدأ يعكس ذهنية بوش التي اختلط فيها العامل السياسي بعوامل دينية أو فلسفية) لقد تحدث بوش عن «الشر» وعن الأشرار مرتكبي الأفعال الشريرة. مرة أخرى يلاحظ أنه كان يستعيد في هذا السياق ما سبقه اليه سلفه ـ الجمهوري ـ رونالد ريغان حين تحدث عن امبراطورية الشر والظلام في معرض توصيفه آنذاك للاتحاد السوفييتي، والمهم ـ يقول مؤلف كتابنا ـ أن جورج بوش استخدم تعابير الشر والأشرار سبع مرات في سياق بيانه القصير، فيما ظل يعرب عن دهشته ازاء طبيعة هجمات سبتمبر، وكرر هذا الاعراب عن الدهشة ثلاث مرات مستخدما مصطلح البربرية (الوحشية الفظيعة غير المتحضرة)، لكن الأخطر والأنكى في بيان بوش المذكور كان في استخدامه تعبيرا أكثر فداحة وأشد جسامة حين قال بالحرف (ص 94): ان هذه الغزوة الصليبية، هذه الحرب على الارهاب سوف تستغرق فترة من الزمن. بعدها جاء مصطلح «الصليبية» وهو «كروسيد» في المتن الانجليزي ليثير زوابع وأعاصير، بل ويوقظ أوجاعا تاريخية لم يكن لها اي لزوم. وعلى الرغم من أن جمهرة من معلقي أميركا نهضوا لفورهم الى التخفيف من أثر هذا الاستخدام, وأشار بعضهم الى أن مصطلح «كروسيد» لا يقتصر على الحروب الصليبية في معناها وسياقها التاريخي المعروف، بل سبق واستخدمها قادة وزعماء كثيرون، منهم الرئيس الأسبق ايزنهاور حين كان يستحث جنوده على خوض آخر معارك الحرب العالمية الثانية فيما كان يعرف باسم عملية الانزال في نورماندي ـ شمالي فرنسا ـ ويومها قال الجنرال ايزنهاور ـ قائد جيوش الحلفاء ـ لجنوده أنهم في طريقهم الى غزوة ـ كروسيد ـ بمعنى الى معركة فاصلة ونبيلة من أجل الحضارة وضد الفاشية والنازية (ضد هتلر في المانيا). ـ على الرغم من هذا كله فقد ظل لاستخدام تعبير الحرب الصليبية وقعه السلبي على أسماع وأفهم شتى، وفي هذا يقول مؤلف الكتاب بالحرف: ـ ان توصيف الحرب بعد سبتمبر 2001 بأنها «صليبية» جاء في رأي الكثيرين بوصفه خطأ فادحا بحكم الدلالات السلبية الخطيرة التي أثارها في العالم الاسلامي، حيث لا يزال مرتبطا بما حدث من اجتياح جيوش أوروبا المسيحية (للشرق العربي المسلم) ابان العصور الوسطى، ولذلك تعّين على معاوني الرئيس بوش أن يحذفوا هذا التعليق ويقدموا بسببه الاعتذار. وربما كان الرئيس بوش يصدر في استعمال مصطلح «الصليبية» عن نية حسنة، منساقا في ذلك الى شيوع هذا الاستخدام ليدل على أي جهد شجاع أو دؤوب لتحقيق أهداف عليا. وربما كان الرجل يعاني وقتها ما كان يعانيه أبناء شعبه من توتر نفسي من جراء ضربات سبتمبر، خاصة وقد استعاد الوجدان الجمعي الأميركي ـ وكان بوش جزءا منه بطبيعة الحال ـ أكبر ضربة سبق وتلقتها أميركا وهي تحطيم أسطولها بالكامل خلال الحرب العالمية الثانية في «بيرل هاربور» على يد الانتحاريين اليابانيين، وما زالت ضربة «بيرل هاربور» موجعة وتشكل ندبة غائرة أو جرحا عميقا في بنية الكيان القومي الأميركي منذ أن أطلق رئيسهم الأسبق روزفلت وصف «اليوم الشائن» الذي لا ينسى، بل ان ضربات 11 سبتمبر جاءت ـ كما يوضح مؤلف كتابنا ـ أفدح خطرا وأعمق تأثيرا. ـ لماذا؟ ـ لأنها فاقت بيرل هاربور من حيث عدد الضحايا. ـ ولأنها ـ وهذا هو الأهم ـ جاءت في عصر «الصورة» ـ العصر الذي باتت فيه «الميديا» هي سيدة الموقف، تنقل الحدث ربما لحظة وقوعه وتتابع الكارثة ابان حدوثها، لقد تسامع الأميركيون في الأربعينيات بكارثة «بيرل هاربور» ربما في اليوم التالي لوقوعها، وقصارى الأمر كان صورا نقلتها صفحات الجرائد مشفوعة طبعا بتعليقات المراسلين. أين هذا من الغول الاعلامي الذي بسط أذرعه العملاقة مثل «هايدرا» ذات الألف ألف ذراع، فاذا به يغطي أحداث المركز التجاري والبنتاغون من كل حدب وصوب ومن كل ركن وزاوية، وبتفصيل التفصيل. هكذا أضيفت دراما الاعلام والاتصال في فاتح القرن الحادي والعشرين الى الأحداث التي وقعت لكي تعمق أثرها الذي لن ينسى في نفوس الجماهير، ثم أن بيرل هاربور وقعت في ركن قصي ناءٍ وبعيد عن حدود أميركا، ولكن أحداث سبتمبر وقعت في قلب أميركا شخصيا، وأصابت رموزا لمنعة الاقتصاد في نيويورك ورموزا للقوة العسكرية الجبارة التي لا تقهر، أو التي تصورت أنها كذلك في قلب العاصمة واشنطن. لا عجب اذن أن يكون للاعلام والاتصال الجماهيري نصيب الأسد ـ كما يقولون ـ في التعامل مع أحداث سبتمبر وما تبعها من مواقف، لهذا دعا الرئيس بوش أركان حربه في مجال الاعلام والاتصال لاجتماع مهم عقده في قاعة المعاهدات بالطابق الثاني من السكن الرئاسي بالبيت الأبيض، ضم الاجتماع كبيرة مستشاريه الاعلاميين كارين هيوز وسكرتيره الصحفي (وهو بمثابة وزير الاعلام) آري فلايشر ودان بارتليت كاتب الخطب الرئاسية، وكان الى جوار الرئيس بوش أيضا مستشارته للأمن القومي كوندوليزا رايس، وفي الاجتماع أصدر الرئيس توجيهه الى كبيرة مستشاريه الاعلاميين قائلا: كارين، أنت من الآن مسئولة عن أسلوب التغطية الاعلامية لهذه الحرب. توزيع الأدوار يقول المؤلف: كان بوش يدرك تماما أهمية تجميع الصفوف خلف الجهد الحربي ، كان يقول: أنا من نتاج فترة حرب فيتنام، وأذكر كيف كان الرؤساء يبذلون قصارهم حين يشنون حربا تفتقر الى تأييد الشعب، فاذا بها تفضي الى انقسام الصفوف، لهذا كان التركيز في الاجتماع الاعلامي بقاعة المعاهدات على أهمية شرح أبعاد الحرب الموشكة الاندلاع تحت شعار مكافحة الارهاب ابتداء من أفغانستان. بعد ذلك بدأ توزيع الأدوار، تم التوزيع في اجتماع بدأ في التاسعة وخمس وثلاثين دقيقة من صباح 17 سبتمبر بقاعة مجلس الوزراء المطلة على حديقة الورود بالبيت الأبيض: بدأ التوزيع بمهام وكالة المخابرات المركزية (يلاحظ ـ من جانبنا ـ أن الرئيس بوش كان ولا يزال يولي عملياتها اهتماما خاصا، لهذا وافق الرئيس بوش على جميع مطالب المخابرات في اطلاق يدها لممارسة كل ما يتراءى لها من عمليات سرية بشكل مطلق الصلاحيات). ـ تم تكليف المدعي العام (أشكروفت) ومكتب المباحث الفيدرالية التابع له بتطبيق سياسة من شأنها الحيلولة دون تعرض أميركا مرة أخرى للمزيد من الهجمات، وكانت السياسة الجديدة تقضي ـ كما يقول كتابنا ـ باتباع نهج اجهاضي أو استباقي بدلا من أسلوب اجراء التحقيقات والتحريات وجمع الأدلة واعداد لوائح الاتهام (قد نلاحظ هنا أن المسألة تحولت الى ما يسمى في علوم الشرطة بأنه توسيع دائرة الاشتباه بدلا من اتباع الاجراءات الأصولية التي لا تلاحق الناس ـ دع عنك توقيفهم ـ الا بناء على تحريات سليمة وأدلة موثوقة) لا عجب اذن أن يضيف المؤلف في هذا السياق قائلا: لقد وجه الرئيس بوش المدعي العام أشكروفت الى أن يطلب سلطة قانونية جديدة من الكونغرس لصالح مكتب المباحث، لكي يلاحق الارهابيين (يقصد طبعا المشتبه بهم) ولكي يقتفي آثارهم ويسجل ويصور مكالماتهم وتحركاتهم. أما وزير الدفاع رامسفيلد فكان التوجيه الرئاسي له يقول بالحرف: «نحن بحاجة الى خطط تكفل حماية القوات والمنشآت الأميركية الموجودة في الخارج». وزير الخارجية كولن باول كانت مهمته أكثر صعوبة، بل وغرابة ـ كان مطلوبا منه (ص98) أن يجهز «انذارا». يوجه في اليوم نفسه الى حكومة طالبان في أفغانستان، لوحظ أيضا أن الرئيس بوش كانت لهجته في غاية الفظاظة والخشونة وهو يتحدث عن ذلك الانذار، قال الرئيس: أريد أن أنذرهم لكي يسلموا ابن لادن وتنظيم القاعدة التابع له، والا عليهم أن يواجهوا العواقب، واذا لم يرضخوا فلسوف نهاجمهم، صحيح أن هدفنا ليس تدمير الطالبان ولكن قد تكون تلك هي النتيجة، وسوف نهاجمهم بالصواريخ والقاذفات (الجوية) والمدافع الأرضية. وعند هذه النقطة أحال الرئيس الأميركي الى تصورات الجنرال شلتون رئيس الأركان، فأضاف قائلا: فلنوجه اليهم ضربة موجعة، نريد بها أن ندلل على ما استجد من تغيير عما سبق في الماضي نريد أن ندفع بلدانا أخرى مثل سوريا وايران على تغيير آرائها، نريد أن نضرب بأسرع ما يمكن، وعليه، فقد تم تكليف البنتاغون باغناء خطة هذه الحرب بما يلزمه الأمر من تفاصيل. ومرة أخرى، يجمل الرئيس بوش هذه التفاصيل في عبارة قال فيها: سوف نمطر عليهم حمما من الجحيم. من جانبه ـ يوضح كتابنا ـ كان لوزير الخارجية باول رأي آخر بالنسبة للانذار المطلوب توجيهه فورا الى طالبان، وهكذا طلب ساعات من التأجيل بالنسبة للتوقيت من أجل مزيد من تدبر عواقب الانذار بالنسبة لباكستان (وكانت هي القناة المرشحة لتوصيل الانذار الى طالبان التي لم تربطها علاقات دبلوماسية قط مع أميركا) وعلى الرغم من أن الرئيس وافق على التأجيل الا أنه ظل مصرا على خشونة الصياغة، قائلا بالحرف: أريد أن تميد الأرض بهم من تحت أقدامهم، ولكن بالنسبة لباكستان أريد خطة تكفل استقرار أوضاعها وحمايتها (يقصد حماية نظامها) ضد نتائج تأييدها للولايات المتحدة. هكذا استعرض الاجتماع قضايا الحماية في الداخل وقضايا انذار طالبان وكفالة الاستقرار في باكستان. بقيت لديهم القضية المعلقة دائما، ويلخصها السؤال المطروح بغير انقطاع: ثم ماذا عن الرئيس العراقي؟ في هذا الخصوص يقول المؤلف (ص99): أنهى الرئيس بوش المناقشة قائلا: أنا أعتقد أن العراق كان ضالعا(!) ولكنني لن أضربهم الآن، ليس لدي قرائن في هذه المرحلة. ويضيف المؤلف أيضا: ذكر بوش أنه يريدهم أن يواصلوا جهودهم بشأن العمل في العراق، ولكنه أوضح أن لديهم فسحة واسعة من الوقت لذلك، وفيما عداه عليهم أن يشرعوا في خطتهم فورا. كان المقصود بتلك الفورية هو ضرب أفغانستان، وقد رشح من تفاصيل هذه الخطة ـ على نحو ما يفيد به المؤلف ـ اجراء كان يقضي «بتسميم» الامدادات الغذائية، وقد ثار حول الاجراء جدل بين المساعدين والمستشارين من دون أن يعرض قط على أنظار الرئيس، على أن المؤلف لم يتابع هذه النقطة الى مداها، وان كان قد أشار الى رغبة الادارة الأميركية في الحصول على ابن لادن حيا أو ميتا، هكذا كان يردد الرئيس بوش شخصيا، بل وصرح أيضا بأنه بسبيل توقيع وثيقة ترمي الى الاتيان بابن لادن مأسورا أو مقتولا، والحق أن الرئيس بوش اعترف (في أحاديثه مع المؤلف) أنه كان مبالغا في أحاديثه التي أدلى بها في هذا الخصوص، والحق أيضا أنه حين أطلعت قرينته لورا بوش على تلك التصريحات لم تكن سعيدة على الاطلاق، وقالت لزوجها الرئيس: خفف الوطء يا عزيزي! «بيرل ـ سري للغاية» يوم 17/9/2001 قدموا للرئيس بوش مذكرتين خطيرتين من أجل التوقيع: الأولى تقضي ـ كما ألمحنا ـ باعطاء سلطات مطلقة في مجال العمليات السرية لصالح المخابرات المركزية، التي أطلقت يدها تماما للعمل في أفغانستان مستخدمة مجموعات عملائها وضباطها المستترين وطائرات الاستطلاع بلا طيار التي تمارس بها التجسس من أجواز الفضاء. الوثيقة الثانية ـ وكانت من صفحتين ونصف الصفحة ـ كانت تعرض لتفاصيل خطة الحرب الشاملة طبقا لأوامر الرئيس وكانت الأوامر تشمل الضغوط المالية والاجراءات الدبلوماسية والخطط العسكرية والعمليات السرية. حملت هذه الوثيقة رمزا كوديا هو «بيرل ـ سري للغاية» وكان الرمز «بيرل» قد اختير بصورة عشوائية (ربما كان الاختيار مايردد ـ عن غير قصد ـ اصداء كارثة بيرل هاربور) والمهم أنه كان الاطلاع على الوثيقة، فائقة السرية ـ مقصورا على عدد هو اقل من القليل من اركان ادارة الرئيس بوش وحسب قائمة حصرية الحقت بالوثيقة ذاتها. بعدها دارت عجلة الاتصالات الدولية.. وكان طبيعيا ان يبدأ بروسيا ولأسباب شتى: منها أن لروسيا تجربتها السابقة، المريرة، وربما الكارثية في افغانستان، ومنها ان روسيا مازال لها نفوذها في اقليم الجوار لافغانستان ـ في دول وسط اسيا ـ الجمهوريات السوفييتية سابقا ـ ومنها ان روسيا لابد وان يحسب لها حساب، على الرغم من كل شيء، في موازين الحرب والسلام في العالم. هكذا أوفدوا كلا من ارميتاج نائب وزير الخارجية وكوفر بلاك مساعد مدير المخابرات الذي لم يتورع عن أن يقول للروس في صراحة جارحة: سوف نضرب افغانستان. سوف نفعلها بصرف النظر عما تفعلون، سوف نقتلهم ونضع رؤوسهم على أسنة الحراب سوف نهز قوائم العالم. أوضح الوفد الأميركي ان أهم مايستطيع الروس ان يقدموه من خدمة هو ان يغضوا الطرف، وكأنهم لا يرون ماتفعله المخابرات الاميركية في ربوع جوارهم الافغاني، وربما اثيرت دهشة الأميركيين عندما كان الروس عند حسن الظن بتعاونهم، وكما يقول المؤلف. ـ سرعان ما أرسل الروس فريقا الى المخابرات المركزية الاميركية لتزويدها بمعلومات عن طبيعة الأرض ولاسيما جوانب الطوبوغرافيا (التضاريس) وعن الكهوف والمغارات في انحاء افغانستان. أعدت الخطط أذن، وتم توقيع واعتماد المستندات، لكن ظل الخوف ماثلا، ليس من خطر الارهاب بل من اخطار تسرب المعلومات، وخاصة فيما يتعلق بالاتفاقات السرية التي ابرمتها أميركا مع هذه الدولة أو تلك استعدادا لمهاجمة افغانستان. أكبر الشكائين من حكاية تسرب المعلومات كان رجل السرية الأول في واشنطن ـ تينيت رئيس المخابرات الذي دخل اجتماع مجلس الأمن القومي يوم 21 سبتمبر وهو يجأر بالشكوى. ـ أيها السادة احذركم من تسرب المعلومات. انني قلق بالذات بشأن موضوع اوزبكستان، لقد عقدنا معها اتفاقا سريا يسمح للـ «سي. آي. أيه» باطلاق طائراتها التجسسية بدون طيار (طائر اليعسوب كما قد تسمى) فوق مجالها الجوي، وها نحن نسمع عن تسرب هذه المعلومات السرية الى الاعلام، والذي اخشاه ان يستغل اسلام كريموف رئيس أوزبكستان هذه الفرصة لكي «يخلع» من هذا الاتفاق. بعدها عرض مدير المخابرات قائمة مخيفة حقا بالاهداف التي اعربت وكالته عن خشيتها بشأن تعرضها للهجمات الارهابية، القائمة كانت تضم 100 هدف معرضة للخطر: سفارات وأسواق مركزية ومدن كبرى وصغرى وأماكن تشهد تجمع مواطني أميركا بالألوف في هذا الموقع أو ذاك، الخ. بنات أفكار رامسفيلد لكن المهم كانت المناقشة التي دارت وعرضها المؤلف (ص 114 ومابعدها) بشأن بدء المعارك داخل افغانستان، تحدث أعضاء مجلس الأمن القومي، وهم ـ كما أسلفنا ـ أركان ادارة الرئيس بوش الحاكمة في البيت الأبيض، عن الاستعانة بالقبائل الافغانية، في المعارك المقبلة، وبالأدق عن استغلال الصراعات العرقية بين تلك القبائل والشعوب التي تضمها البلاد. أما الأهم فقد جسدته نصيحة خبراء الوكالة المركزية، وتوجزه عبارات قالوا فيها: علينا ان نصور الأمر وكأنه صراع (دموي طبعا) بين الافغان والعرب (المقيمين في افغانستان) وليس صراعا بين الافغان والغربيين، ومن ثم نصور الحرب وكأنها تحريرية للافغان ولبلادهم من ربقة العرب الأجانب الآتين مع ابن لادن والقاعدة ـ كانوا قد جاءوا بالآلاف للتدريب في القاعدة ـ وقد حان الوقت لتصويرهم دخلاء على البلاد، بل ومصدر خطر على أمن أهلها. وبين استغلال الصراع القبلي، وبين تصوير الحرب على انها تحرير للافغان من سطوة العرب الدخلاء، دار الحوار في مجلس الأمن القومي، ونالت مقترحات المخابرات المركزية موافقة اجماعية واستحسانا بغير حدود. في هذا السياق يعلق مؤلف الكتاب قائلا: عدد كبير من اعضاء المجلس أكدوا على ضرورة ان تولي الولايات المتحدة اهتماما عميقا بعمليات الدبلوماسية العامة (الجماهيرية) وهو تعبير ملطف للحرب الدعائية، وكانت عمليات «البروباجاندا» هذه تدور حول نقطتين: الأولى أنها ليست حربا على الاسلام. الثانية انها ليست حربا ضد الشعب الافغاني، بل ضد طالبان وحلفائهم العرب ـ الافغان، أو فلنقل ضد ابن لادن وشركاه. أما القاعدة العامة في هذا كله فكانت تتمثل ـ كما يقول المؤلف في المبدأ التالي: على الأميركيين ان يدرسوا مافعله السوفييت من قبل، على أن يفعلوا عكسه على طول الخط. بالمناسبة كان الأميركيون يستعدون لمحاربة القوات التي كانت تعرف في افغانستان باسم «الفيلق رقم55أو باسم «الفيلق العربي»(!) وكان مؤلفا من ألف مقاتل تم تجنيدهم واعدادهم في تعاون مشترك بين طالبان، وتنظيم القاعدة. وبالمناسبة أيضا كانت المخابرات الأميركية قد جندت عددا من المعلقين أو الوعاظ والخطباء المسلمين الذين كانوا على استعداد (ص 123لتأييد تصرفات أميركا في افغانستان)، وقد لخص تينيت أهم محاور الخطة القتالية حين قال: نريد أن نحكم اغلاق الحدود ومن ثم نتأكد من أنه لم يعد امام هؤلاء العرب أي سبيل للهروب. لم يرق الاسم الرمزي لعملية افغانستان الى عدد من الدوائر الاسلامية، كانت في البدء تحمل اسم «العدالة المطلقة»، وفهم الأميركيين ـ وكان فهمهم صحيحا ـ ان المسلمين لا يرون العدالة المطلقة الا من جانب الله سبحانه، لذلك قرروا ان يعيدوا تسمية العملية فاختاروا اسما كوديا جديدا هو: «الحرية الدائمة». وكان الاسم من بنات أفكار وزير الحرب دونالد رامسفيلد. بقيت مشكلة محورية اخرى، كانت تحمل بدورها عنوانا في غاية الاهمية هو: « الكتاب.. الأبيض». تأليف: بوب وودوارد _ عرض ومناقشة: محمد الخولي