الاحد 18 شوال 1423 هـ الموافق 22 ديسمبر 2002 الرعب من «خراب البيت الثالث» لم يكف عن اسرائيل منذ قيامها. ففترة الانتظار قبل حرب يونيو 1967، والايام الاولى من حرب اكتوبر، والفزع في حرب الخليج، هي علامات على الطريق عن الصدمة القومية. وما يجري منذ الحادي عشر من سبتمبر يندرج في هذا الشأن ضمن صرخة فريدة من نوعها. فاسرائيل تبدو كأنها تعيش حالة من انعدام الأحاسيس ـ الهستيريا «الوجودية»، سكرة القوة وفقدان المراسي الاخلاقية. يبدو ان خطر الانقراض القومي يحدق من كل صوب: من العنف الفلسطيني، من الصواريخ العراقية، من الصواريخ الايرانية، من قذائف القاعدة، وللمهنيين يهمسون عن «الفضية الحمراء»، التي تبيد المدن. ويعبر عن روح الامور افرايم هليفي، رئيس الموساد السابق. فبتقديره فاننا نقف أمام «ارهاب عظيم» جوهره «ابادة شعب، ابادة دولة وهدم أسسها». واذا بتنا نتحدث عن الابادة، اذا فحتى النهاية. مفهوم ان اسرائيل لا يمكنها ان تتجاهل بأن مكانتها الجغرافية ـ السياسية تستدعي المخاطر الامنية التي من شأنها، في ظروف معينة، ان تعرض للخطر سيادتها بل ووجودها. غير ان الوضع الحالي ليس فقط على خلاف ذلك، وعمليا فان التطورات الاقليمية والعالمية قد رفعت عنها مخاطر محتملة خطيرة: الجبهة الشرقية انحلت. وصقور البنتاغون يعالجون موضوع العراق، وكذا ايران، تحظى هي الاخرى بمتابعة حثيثة. ومهم بذات القدر، فان الولايات المتحدة تعمل بقوة كبرى لتقريب الباكستان، موقع القنبلة الاسلامية ، من المعسكر المؤيد لامريكا. والخلاصة هي انه رغم تهديد الإرهاب المتطرف. ورغم ان النزاع الاقليمي لا يقترب من حله ورغم ان التكنولوجيا الحديثة من شأنها ان تقدم للساعين الى قتل اسرائيل وسائل غير تقليدية كالارهاب البيولوجي والاشعاعي، فانه طالما انه لا يلوح خطر فقدان الاحتكار النووي لاسرائيل في المنطقة ـ فان صرخات الخطر الوجودي لا تقوم على الواقع الامني والسياقات المتوقعة. في «مؤتمر هرتسليا» لم يكرس ولو محاضرة واحدة لفحص المعاضل القيمية في اوضاع التهديد القومي. فمن الصعب على المرء ان يجد في العالم المتطور مؤتمرا مشابها يعاني من مثل هذا الامتناع، وعارض آخر للمرض هو السهولة المنفرة التي يحول فيها السياسيون ورجال الاعلام مدنا بل وشعوبا الى اهداف: وأمل الليكود، تساحي هنغبي، يكتفي في هذه الاثناء بالتلويح بخيار «النكبة» للفلسطينيين. وزعيم «الاتحاد القومي» يبث الرعب غير الغامض نحو طهران وأسوان. وفي «معرخوت» تدرس النجاعة الردعية للتهديد بتدمير مكة والمدينة. والأخطر من ذلك هو ان الاندماج المسكر للفزع القومي وسياسة القوة يولد شرعية متعاظمة لخيار «الضربة الثانية»، فكل ما يمكن قوله عن ذلك هو ان دولة تخطط وتخطط لنشر وسائل «الضربة الثانية» عندما لا يكون لأعدائها المحتملين (على افتراض أننا لا نتحدث عن الباكستان والصين وروسيا)، أي ذرة قدرة على «الضربة الاولى، فانها دولة تفقد عقلها السوي وتعمل ضد المعايير الدولية لعدم نشر الاسلحة النووية. اسرائيل اليوم هي دولة يوجه الفهم اليميني الاصولي سيرها في التاريخ، دولة تعيش حالة صدام لا هوادة فيها مع جيرانها، خائفة من خطر الابادة القومية وتلوح بقدرتها على التدمير الاقليمي، على أقل تقدير. واذا لم نستفق، فان خيارنا التاريخي سيكون بين «خيار هورودوت (الاستناد الى القوة العظمى العالمية) و«خيار شمشون». وهذان ليسا خيارين للمدى البعيد. عن «يديعوت أحرونوت»