السبت 17 شوال 1423 هـ الموافق 21 ديسمبر 2002 اجرت صحيفة «لوس انجلوس تايمز» مؤخراً حواراً مع جيمس وولسي الذي شغل منصب مدير وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية (سي آي ايه) في الفترة من عام 1993 حتى 1995 خلال ادارة الرئيس الاميركي السابق بيل كلينتون. وقد تحدث في هذا الحوار عن المبررات الاميركية للتشكيك مسبقاً في مضمون التقرير الذي قدمه العراق للامم المتحدة حول برامج تسلحه مستشهداً بآراء كلينتون بالموضوع مشيراً إلى ان افضل مصدر للحصول على المعلومات الدقيقة هو العلماء العراقيون المنشقون. وفيما يلي نص الحوار كاملاً:ـ بالطبع لا يعرف بعد مضمون الاعلان العراقي المرسل إلى الامم المتحدة، لكن العراقيين قالوا ان تلك الوثائق تثبت انهم لا يملكون اسلحة تدمير شامل. الا ان الاشخاص الذي اتيح لهم الاطلاع على المعلومات الاستخباراتية في العقد الماضي ـ مثل الرئيس السابق بيل كلينتون ـ يبدون شكوكاً كبيرة في صدقية العراق. كلينتون قال مؤخراً: «اعتقد ان الرئيس العراقي يمتلك مخزوناً مهماً من الاسلحة الكيماوية والبيولوجية. اعتقد ان لديه اشخاصاً عملوا طيلة السنوات الاربع الماضية في المختبرات لتطوير «الخيار النووي». فهل من المرجح ان يكون لدى الولايات المتحدة معلومات استخبارية تتجاوز مضمون الاعلان العراقي؟ ـ الولايات المتحدة لديها معلومات استخبارية، لكن على الارجح فإنها معلومات استخباراتية لا يمكن الكشف عنها من دون تعريض مصادر واساليب وكالة الاستخبارات المركزية للشبهات والخطر. هناك فقط نوعان من الناس يصدقان اي شيء غير ما قاله الرئيس السابق كلينتون، وهما اولئك الذين يعملون لحساب الرئيس العراقي واولئك الذي يتبنون اسلوب النعامة بدفن رأسها في الرمال عند مواجهة الاخطار. هذا كله ليس سوى تمثيلية. والجميع يعرف ان الرئيس العراقي يملك اسلحة كيماوية وبيولوجية. فقد رفض التصريح عن مئات الاطنان من غاز «في إكس» ومادة السارين والوف اللترات من عصيات الجمركة الخبيثة والمواد السامة. وعندما اكتشف مفتشو الامم المتحدة ذلك بعد انشقاق الرئيس السابق لبرنامج التسلح العراقي عن بغداد في عام 1995، قال الرئيس العراقي «حسناً، تلك الاسلحة البيولوجية». لذلك فمن السخف الشديدة ان نصدقه الآن. ربما لن نملك ادلة إلى ان يتم تحرير العراق والكشف عن تجهيزات تصنيع الغاز وزجاجات الانثراكس وعبوات غاز «في إكس» المدفونة. تشير وجهة نظر كلينتون ايضاً إلى ان العراقيين في اعلانهم الموجه للامم المتحدة «سوف يظهرون شيئاً من التعاون لكنهم لن يكونوا صادقين تماماً مما يجعل من الصعب على الامم المتحدة اثبات تورطهم في انتهاك ملموس لقانون التسلح. من الواضح ان الاعلان لا ينم عن اي تعاون ولا يقارب الحقيقة بأي شكل. فما جاء في الاعلان هو التصريح عن كل المنشآت ذات الاستخدام المزدوج مثل مصانع الادوية التي يمكن نظرياً استخدامها لانتاج اسلحة بيولوجية. لكن ذلك ليس بيت القصيد. النقطة الاساسية هي ان المختبرات البيولوجية العراقية محمولة على شاحنات متحركة. ولا يوجد ادلة على ان كميات غاز «في اكس» وعصيات الجمرة الخبيثة ووسائط النمو الحيوي واشياء اخرى اكتشفها المفتشون السابقون تم بالفعل تدميرها. الآن يقول العراقيون انهم احرقوها. لكنهم لا يملكون اي سجلات توثق ذلك هل يعقل هذا؟ ـ حسناً إلى جانب العاملين لحساب الرئيس العراقي واصحاب اسلوب النعامة، هناك آخرون يصدقون الاعلان العراقي وهم الروس الذين قالوا ان الاعلان يشكل اساساً جيداً لتسوية القضية العراقية بطرق سلمية. ـ ربما يكون لدى الروس سبب اقتصادي في الوقت الراهن يدفعهم للتصرف كالنعام. فهم يأملون بالحصول على المزيد من التعويضات المالية في غمار تطوير نفط العراق في المستقبل، او بالحصول على ضمانات لتسديد ديون العراق القديمة، في حال وصول حكومة جديدة إلى سدة السلطة. في الواقع انني اشك في ان ضباط الـ «الكي جي بي» السابقين الذين يديرون روسيا الآن والذين يتمتعون بالذكاء والنظرة الثاقبة يمكن ان يقولوا: «انه فعلاً اعلان جيد. فنحن لا نعرف ماذا يملك الرئيس العراقي من الاسلحة. والآن ها هو ذا يخبرنا عن برامج تسلحه بكل رحابة صدر». فلنكن صريحين ان هذه سخافة مثيرة للضحك. ـ هل من المحتمل ان ينقسم الائتلاف المتحالف وراء قرار الامم المتحدة الاخير الخاص بفرق التفتيش بسبب اختلاف التقويمات للاعلان العراقي واختلاف التصورات حول امكانية او عدم امكانية اثبات خرق العراق لقانون التسلح بادلة ملموسة؟ ـ لسنا مضطرين لاثبات الانتهاك الطرفي. وعبء الاثبات ملقى على عاتق الرئيس العراقي الذي عليه ان يبرهن على نزع اسلحته. وهو لم يفعل ذلك. واذا كان ذلك يعني ان بعض البلدان التي قالت انها تؤيد نزع اسلحة العراق سوف تنفصل عن سرب الائتلاف في حال عدم وجود «دليل ملموس» واضح كالشمس «يدين العراق، فلتفعل ما يحلو لها. البلدان الوحيدة المهمة هي بريطانيا وتركيا والكويت والبحرين وقطر. ولا ضير اذا قرر الرئيس بوش غزو العراق تاركاً الفرنسيين والروس يهزون رؤوسهم امتعاضاً لبضعة اسابيع إلى ان تتمكن القوات الاميركية الغازية من الكشف عن الاسلحة المخبأة التي عثروا عليها ليثبتوا للعالم ان الرئيس العراقي كان يكذب. ـ هل سيكون هناك اي معنى لمهام التفتيش، طالما لم ينفذ المفتشون خيار نقل العلماء وعوائلهم بعيداً عن قبضة صدام؟ ـ ان امل المفتشين الوحيد في العثور على اي شيء مرتبط بنقل العلماء خارج العراق. عدد المفتشين الآن يتراوح من 80 إلى 100 مفتش ـ اي بحجم قوة الشرطة في بلدة صغيرة ـ وهم يعملون في بلد كبير بحثاً عن اسلحة يمكن بسهولة وضعها في شاحنات مغلقة والتنقل بها في انحاء البلد في أي وقت. ولقد كان امام الرئيس العراقي اربعة اعوام لاخفاء هذه الاسلحة. على الارجح ان 90 بالمئة من المعلومات التي عرفناها في التسعينيات عن اسلحة العراق حصلنا عليها من العلماء المنشقين. ليس هناك سبيل للحديث بصراحة وصدق مع العلماء الذين دأبوا مؤخراً على اخفاء السلاح من دون اخراجهم مع عائلاتهم من العراق ليكونوا في مأمن من السلطات العراقية. ان الاختبار الحقيقي لاخلاص هانز بليكس بوصفه كبير المفتشين يكمن فيما اذا كان راغباً في اخراج هؤلاء من العراق للتحدث اليهم بعيداً عن العراق. وإذا لم يفعل ذلك، فإن فرصة قليلة جدا من ان تأخذ الحكومة الاميركية عمله على محمل الجد. ـ أخيراً سؤال عن تركيا، هل يمكن للاسلام المعتدل الذي يتبناه حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب اردوغان ان يكون جزءا من ائتلاف عميق مع الغرب ضد الاسلاميين المتشددين بحيث يكون هذا الائتلاف ربما اهم من كون تركيا عضواً في «الناتو»؟ ـ إذا كان اردوغان في صدد ايجاد نسخة اسلامية عن الاحزاب الديمقراطية المسيحية الاوروبية ـ اي ايجاد حزب مرتبط جزئياً بالعقيدة الدينية، لكنه ملتزم بالديمقراطية العلانية فإن ذلك سيكون تطورا هائلا. وسيقدم نموذجا لامكانية وكيفية دمج الاسلام مع الحداثة والليبرالية السياسية في دولة مهمة جداً مثل تركيا. ترجمة: علي محمد خدمة «لوس انجلوس تايمز» خاص لـ «البيان»