الثلاثاء 13 شوال 1423 هـ الموافق 17 ديسمبر 2002 قبل سبعة اشهر، كانت العلامات الوحيدة على وجود الحضارة فوق هذه الرابية الجرداء الواقعة على بعد 10 أميال الى الشمال من القدس هي هوائي خاص بالهواتف الخلوية وسقيفة صغيرة للصيانة. اما اليوم، فهناك شريط من الاسفلت الناعم الذي يصعد سفح التلة الوعرة وصولا الى واحدة من احدث المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية والمؤلفة من 33 منزلا جاهزا تم تجميعها وسط مساحات من مرجة مزروعة حديثا، وكنيس متواضع وحضانة اطفال مسترسلة في صخب مرح وملعب للاطفال. وبحسب سجلات تحتفظ بها منظمات مراقبة، فان العامين الماضيين ـ منذ اندلاع الانتفاضة الفلسطينية والانتخاب اللاحق لرئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون.. وقد شهد تزايد اعداد المراكز الاستيطانية الجديدة بشكل كبير في الضفة الغربية، بما فاق وتيرة نموها قبيل عام 2001. لقد برز 66 مركزا استيطانيا يهوديا جديدا على الاقل على سلاسل الجبال وقمم التلال في هذين العامين مقارنة مع تأسيس 44 مركزا خلال الاعوام الخمسة السابقة مجتمعة، وذلك بحسب حركة السلام الآن، وهي حركة تعارض انشاء المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية وقطاع غزة. وقد تمت اقامة اكثر من ثلثي هذه المراكز الجديدة في الشهور الـ 11 الماضية، وهي الفترة التي تعتبر الاكثر احتداما في الصراع. يقول المعارضون للاستيطان ان المراكز الجديدة ـ وبالتأكيد جميع المستوطنات ـ تنتهك العديد من قرارات الامم المتحدة والقوانين الدولية، بما في ذلك اتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر على قوة الاحتلال نقل مواطنيها المدنيين الى المناطق التي تحتلها. ولقد ذهبت اسرائيل الى القول انها لا تحتل الضفة الغربية او قطاع غزة، ورفضت الاعتراف بسريان مفعول الضوابط الدولية على هذه الاراضي. ان سياسة الحكومة الاسرائيلية تمنع الآن انشاء مستوطنات جديدة. ولكن معارضي الاستيطان يقولون ان حكومة شارون قد التفت على هذه السياسة من خلال السماح بعمليات توسع كبيرة في المستوطنات القائمة، مستخدمة في الغالب مراكز جاهزة لانشاء احياء جديدة تكون في بعض الاحيان على بعد أميال من المستوطنة الاصلية. ويعترف مسئولون اسرائيليون بأن نسبة عالية من تلك المراكز تنتهك سياسة الحكومة الاسرائيلية المعلنة. يقول دور اتكيس، الذي يتولى رئاسة برامج مراقبة الاستيطان التابع للسلام الآن والذي قام بتوثيق المراكز الاستيطانية المنتشرة كالفطر: «انها ظاهرة فظيعة، فما لا تستطيع الحكومة القيام به رسميا، يمكنها ان تدفع المستوطنين الى القيام به بالنيابة عنها، هذا هو الشرق المتوحش، منطقة الانحطاط، والقانون يعتبر موضع شك». ومن جانبه، يقول بين كاتزاوفير، زعيم حركة الاستيطان في الضفة الغربية، الذي تتراوح احصائيته للمواقع الاستيطانية الجديدة في العام بين 40 الى 50 موقعا: «المسألة هي ليست ماذا كانت «المستوطنات» قانونية او غير قانونية. وانما هي هل يترك المرء هذه التلال للهرب ام سيسكن اليهود عليها؟ تلك هي المسألة. اما مسألة الشرعية القانونية فهي مسألة ثانوية». وفي حرب تشغل مزاعم قديمة بخصوص ملكية الارض، لم تكن هناك من قضية محورية بالنسبة للعنف والعداء بين اليهود والعرب اكثر من قضية توسع المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية. كما انها كانت القضية المسببة للخلاف داخل اسرائيل. فقد كان تمويل التوسع الاستيطاني هو السبب الذي تذرع به حزب العمل للانسحاب من الائتلاف الحكومي مع شارون. بعد احتلال الضفة الغربية في حرب عام 1967، صادرت اسرائيل مساحات واسعة من الارض للمستوطنات ولمحميات تابعة للدولة وبدأت حملة استيطان ظلت تمضي قدما بصرف النظر عن هوية الحزب السياسي الموجود في السلطة، ومنذ توقيع اتفاقيات اوسلو للسلام في عام 1993، قامت كل الحكومات ومن ضمنها حكومة حزب العمل برئاسة ايهود باراك، بتمويل عملية توسع استيطاني شرسة اتاحت تزايد اعداد اليهود في الضفة الغربية من حوالي 100 ألف مستوطن الى قرابة 200 ألف بحسب بيانات قامت بجمعها جماعات تعارض التوسع الاستيطاني واستخدمت كل حكومة منها مبررات مختلفة قليلا للنمو، سواء كان ذلك لتحقيق رؤية توارتية «لارض اسرائيل» او لتعزيز الامن الاسرائيلي او لاتاحة المجال امام النمو الطبيعي للتجمعات الاستيطانية اليهودية. لقد كان شارون منذ زمن بعيد من اشد المناصرين للتوسع الاستيطاني فقد اقترح في عام 1977 خطة لضم ما يصل الى 70% من الضفة الغربية ولكنها لم تنفذ ابدا وبعد عقدين على ذلك، وبصفته وزيرا للخارجية آنذاك اقترح ان يقوم المستوطنون «بالسيطرة على قمم التلال» قبل ان يفوز بها الفلسطينيون في اي مفاوضات سلمية، واليوم بصفته رئيسا للوزراء فانه يعتبر مدافعا عنيدا عن الاستيطان وتوسع المراكز الاستيطانية. وقد ادى العنف والاقتصاد الاسرائيلي المتداعي الى ابطاء وتيرة بناء المنازل والشقق الجديدة في المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية، حيث يعيش المستوطنون وسط ما يقدر بمليوني فلسطيني. بعض سكان المستوطنات الخائفين نزحوا من المستوطنات القائمة ولكن جيلا جديدا من المستوطنين الشباب يقوم بوضع موطيء قدم جديدة على الطبوغرافيا الصخرية والمقفرة، محولين قمم التلال الجرداء الى مجمعات مزدحمة في غضون اشهر قلائل. وتقوم عصابات من المستوطنين الشباب المسلحين والعنيفين عادة، والذين يوصفون بـ «فتية التلال» من قبل المستوطنين الاقدم ـ يقومون بحراسة العديد من المراكز الجديدة المعزولة والمعرضة للخطر، وغالبية هؤلاء الشبان هم من المراهقين او شبان عزاب في العشرينيات من عمرهم او نساء عزباوات. وقد تمت تربية الكثيرين منهم في مستوطنات اكثر استقرارا وقد جاءوا من خلفيات دينية وفي الاشهر الاخيرة، كانوا في طليعة المواجهات مع العرب ومع الصحافيين واحيانا مع الجيش الاسرائيلي. وقبل ستة اشهر انتقل ايتاي زار (27 عاما) وزوجته وولداه بالاضافة الى 10 من «فتية التلال» الى مساكن جاهزة على تلة جرداء تقع على بعد اميال قليلة الى الجنوب الغرب من مدينة نابلس بالضفة الغربية وعندما حضر الجيش الاسرائيلي في الشهر الماضي لتفكيك النقطة الاستيطانية المسماة «مزرعة» اندفع المئات من المستوطنين الشباب الآخرين الى الموقع واخذوا يقذفون الحجارة واللعنات على الجنود. يقول زار، الذي عادت عائلته ورفاقه من الشباب الى المزرعة في غضون ايام من المواجهة مع الجيش الاسرائيلي: «ان من يقول اننا محتلون هو شخص منافق ستكون هذه المستوطنة الاولى من بين ست مستوطنات نعتزم بناءها هنا، وحتى تصبح جميع ارض اسرائيل تابعة لشعب اسرائيل، بحسب الوعد الوارد في التوراة فلن يكون هناك سلام». ترجمة: ضرار عمير _ عن «واشنطن بوست»