الاثنين 12 شوال 1423 هـ الموافق 16 ديسمبر 2002 كانت كاميرا من النوع الرخيص الذي يستخدم لمرة واحدة فقط، اما بالنسبة لسيرجي اوداشين، فقد كانت حلا وسط، حيث كانت زوجته «نينا» منزعجة منه لتطوعه بالذهاب الى جمهورية الشيشان مع الجيش الروسي فقام بشراء الكاميرا، واخبرها بانه سيعود في غضون بضعة اشهر سليما ومعافى، مع بعض الصور الرائعة التي تبين كيف خدم زوجها الشجاع بلاده. في فبراير من عام 2000 مشاهد مماثلة كانت تتكرر في جميع انحاء بيرزنيكي وهي مدينة صناعية ملوثة تقع شمالي جبال الاورال مع استعداد سكانها لتوديع كتيبة من قوات الامن الروسية قوامها 100 عنصر كانت في طريقها الى جمهورية الشيشان كان عدد كبير من الجنود قد سبق له ان خدم في الشيشان ولكن زوجاتهن كان لديهن شعور ينذر بالشر ازاء هذه الجولة من الخدمة مما جعلهن يتشبثن برجالهن ويبكين بفزع كبير. فاليري مونتيان دس غيتارته في حقيبته، واحتضن زوجته «يوليا» وقال لها: «لا تقلقي سأعود قريبا!». ثم طبع على وجنة ابنه الصغير قبلة الوداع، واخبره بان يعتني بوالدته، وفي الطريق نفسها كان ميخائيل لوماكين يقدم كلمات طمأنه مشابهة لزوجته وابنته بينما قام الكسندر غاريس البالغ من العمر 23 عاما بتجفيف دموع امه الباكية. اما عائلة مراد شيخ رضييف، وهو ضابط متمرس يكبر غاريس بـ 12 عاما فقد كانت اكثر رزانة، وتمنت له الحظ الطيب ووعد فيتالي سيرجييف والدته بانه واوداشين سيعتنيان ببعضهما البعض قائلا: «نحن ابناء عمومة يا أمي، ونحن نبقى دائما معا!». تعتبر بيرزنيكي مدينة كئيبة ففي كل صباح تلفظ مباني الشقق السكنية الاسمنتية البشعة والمتآكلة وهي تعد من بقايا الشيوعية بنظر الروس الحديثين تلفظ المئات من الرجال والنساء الى الشوارع، لكي يشقوا طريقهم الى مصنع استخراج البوتاسيوم العملاق في المدينة ولا توجد جامعة بها واذا اراد اي من سكانها البالغ عددهم 300 ألف نسمة ان يمضي قدما في التعليم، فعليه ان يسافر اكثر من 100 ميل لهذا الغرض، ثلة فقط من الرجال هي التي تهتم بهذا الامر واولئك الذين يهتمون به، مثل بوريس يلتسين اشهر ابناء المدينة لايعودون ابدا. لم يكن لدى غالبية الشبان المئة الذين غادروا بيرزنيكي في ذلك اليوم ادنى فكرة عن التاريخ الدموي للبلد الذي سيحاربونه. يعود تاريخ الكراهية بين الدولتين الى ما قبل 300 عام تقريبا عندما واجهت الامبراطورية الروسية شراسة المقاومة الشيشانية لاول مرة وكان الجرح المفتوح لروسيا لايزال يسبب المشكلات التي ثارت في عام 1918، مما ادى الى بناء مخفر عسكري كبير اصبح فيما بعد غروزني العاصمة الشيشانية وبؤرة الغضب الروسي بعد قرابة 200 عام. ففي عام 1991 وفي اوج انهيار الاتحاد السوفييتي السابق اعلنت جمهورية الشيشان استقلالها ولكنها دخلت في حالة من الفوضى والاضطراب وفي ديسمبر من عام 1994، امر الرئيس الروسي بوريس يلتسين الجيش الروسي بغزو البلاد لاعادة النظام في الظاهر، ولكن حقيقة اهدافه كانت تتمثل في حماية مصالح روسيا في حقول نفط بحر قزوين التي اعتبرها مهددة بحالة عدم الاستقرار في الشيشان، غير ان الروس جوبهوا بهزيمة نكراء، واضطروا الى الانسحاب بعد توقيع هدنة مع الشيشان في عام 1996 اعترفوا فيها رسميا بالاستقلال الفعلي للجمهورية القوقازية. وتنفست زوجات الرجال كسيرجي اوداشين وفاليري مونتيان، الصعداء عندما انسحب الروس فلم تكن الحملة على الشيشان تتمتع ابدا بالتأييد الشعبي وبالنسبة للكثيرين منهم فان الحرب ضد الشيشان لم تكن الا ذريعة ليلتسين كي يستعرض عضلاته امام باقي دول العالم. وفي اواخر صيف عام 1999، نقل المقاتلون المعركة الى روسيا، بتنفيذ سلسلة من التفجيرات في مبان سكنية بموسكو ادت الى مقتل اكثر من 300 شخص. وفي سبتمبر من العام نفسه، عبرت قوة كبيرة من المقاتلين الاسلاميين من الشيشان الى جمهورية داغستان المجاورة بنية اقامة دولة اسلامية وكان يقود تلك القوة المقاتل الشيشاني شامل باسييف والقائد خطاب، وهو مقاتل سعودي المولد حارب في افغانستان في الثمانينيات وكان الرد الروسي على ذلك هو قصف المقاتلين واجبارهم على العودة الى الشيشان ولكن في اكتوبر من عام 1999، ارتكب الرئيس بوتين الخطأ نفسه الذي ارتكبه سلفه يلتسين حيث امر قواته بغزو جمهورية الشيشان. حل شهر مارس من عام 2000 وحتى ذلك الوقت كانت فترة الخدمة العسكرية تمر بدون حارثة تعكر صفوها. جلس مونتيان ليكتب رسالة الى اهله من قاعدتهم في مبنى لحضانة اطفال شيشانية سابقة في بلدة فيدينو. وقال في رسالته: «مرحبا يا ملاكي الحارسين، انا على مايرام انه مكان جميل جدا ولا اثر للمتمردين!» وكان يفكر بزوجته وولده، وتساءل عما اذا كان يتعامل معهما بصورة مسلم بها في بعض الاحيان، واضاف في رسالته قائلا: «تذكري يايوليا شوركا انني احبك كثيرا جدا سامحيني لنسياني اخبارك بذلك! وضع الرسالة داخل مغلف كان قد صنعه من الورق وشريط لاصق وتركها على سريره. وفي صباح اليوم التالي الموافق 29 مارس غادرت قافلة من السيارات تضم 33 جنديا من وحدة بيرزنيكي وستة عناصر آخرين من الجيش و10 من رجال الشرطة، غادرت القاعدة في دورية اعتيادية لقرية تسنتوروي. خرج الكولونيل سيرجي غابا، ضابط القيادة في الوحدة، من مقره ليشاهد الدورية وهي تغادر وتبادل بضع كلمات سريعة مع الميجور فالنتين سيمونوف قائد الدورية ونظر باندهاش الى اوداشين، الحريص على الاحتفاظ بسجل من الصور لزوجته، وهو يقف امام عربة مدرعة لالتقاط صورة مع ابن عمه. وبعد الساعة التاسعة صباحا بقليل بدأت درجة الحرارة ترتفع في مبرد (رادييتر) احدى الشاحنات فأمر سيمونوف بايقاف الرتل، وقام رجلان باصلاح العطل في السيارة بينما كان الباقون يدورون حول جانب الطريق يدخنون ويثرثرون او يأخذون قيلولة في الجزء الخلفي من الشاحنات ويبدو ان سيمونوف هو وحده الذي كان متيقظا. ولدى اقترابه من حظيرة اغنام تبعد 100 قدم عن الشارع، قام بفتح الباب ولوهلة اختفى عن الانظار ثم قذفت به صلية من بندقية رشاشة الى الخارج ليلفظ انفاسه امام الوجوه المرتعبة لرجاله. كان الشيشانيون تحت قيادة خطاب قد خططوا للايقاع بقافلة اكبر كان من المقرر ان تمر في وقت لاحق من ذلك الصباح، ولكنهم قرروا ان لديهم ما يكفي من الرجال لشن هجوم على الرتل كان الامر اشبه بفيلم سينمائي غربي فقد كان الشيشانيون ينقضون مثل هنود الاباتشي على القافلة الجانحة. اتصل الرتل المحاصر بالقاعدة وفي غضون ربع ساعة كان الكولونيل غابا في طريقه الى المكان مع التعزيزات، ولكنهم ايضا تعرضوا لكمين. وقال غابا فيما بعد انه: «عندما دخل الطريق الى ممر ضيق احرق المتمردون الشاحنة الاولى من شاحناتنا الستة وحاولوا تفجير الاخيرة لمنع اي مجال للهرب فكان علينا ان ننسحب. جاءت انباء هذا الكمين الثاني لتمثل ضربة قوية لاوداشين ورفاقه، ففي هذه اللحظة ادركوا انه لا احد سيأتي لنجدتهم ومالم يتمكنوا من شق طريق الى خارج الكمين فانهم سيواجهون اما الموت او الاسر. قاتل عناصر الرتل بضراوة لمدة تزيد عن ست ساعات ولكنهم اضطروا في النهاية الى وقف القتال، بعد ان قتل جانب منهم واستسلم الجانب الآخر بينما نجح سبعة منهم باختراق خطوط الشيشان والنجاة بأرواحهم ومن بينهم ابن بيرزنيكي ألكسندر غاريس. وقاتل سيرجي اوداشين وفاليري مونيتان وفيتالي سيرجييف وميخائيل لوماكين حتى النهاية، واثناء تفتيش المتمردين في جيوبهم عثروا على كاميرا اوداشين، فالتقطوا بها بعض الصور واخذوها ولم تظهر تلك الصور الا في ربيع عام 2002 عندما عرضت لفة فيلم فوتوغرافي على صحيفة روسية فتبين انها مأخوذة من كاميرة اوداشين. ترجمة: ضرار عمير عن «اسكواير»