الاحد 11 شوال 1423 هـ الموافق 15 ديسمبر 2002 امين هويدي واحد من شهود العيان على اهم الاحداث التي شهدتها مصر والمنطقة العربية في اخطر فتراتها التاريخية. شغل هويدي منصب رئيس جهاز المخابرات العامة ووزير الدفاع، ووزير الارشاد القومي وقبلها سفيراً لدى بغداد والرباط وأحد الضباط الصغار في حركة الضباط الاحرار، الحلقات التالية مقتطفات من كتاب يصدره قريباً مركز الاهرام للترجمة والنشر بعنوان «50 عاماً من العواصف.. ما رأيته قلته». ينشر بترتيب مع وكالة الاهرام للصحافة بدأ الرئيس عبدالسلام عارف يشعر بالعزلة، ولأنه كان يعرف بنية عارف عبدالرزاق الانقلاب عليه عينه رئيسا للوزراء حتى يتمم انقلابه وهو مستعد لاحباطه وبالفعل حاول عبدالرازق الانقلاب اثناء حضور عبدالسلام عارف مؤتمر قمة عربي في الرباط، وكان الرئيس عبدالناصر اول من اخبره بنبأ الانقلاب ثم امنت له مصر طريق العودة الى بغداد عبر القاهرة ومع ذلك كانت نفسه مليئة بالشكوك والوساوس. وتردد ان هويدي الذي كان يشغل منصب سفير مصر هو مدبر الانقلاب على الرئيس الذي اعادته القاهرة حتى يتمكن من السيطرة على الأمور في عاصمة العراق. أقرر هنا للتاريخ. وليت الرئيس عارف يسمع هذا وهو في قبره ـ أننا لم نكن ندرى بالانقلاب إلا بعد 12 ساعة من وقوعه. بل لم تكن القاهرة تدرى بدورها حينما وصل إليها عارف عبد الرزاق بالطائرة في قصر الطاهرة، وحينما علمت بالانقلاب تغير مكان الضيافة ليصبح فندق شبرد. بدأ الحرس القومى البعثى ينزل إلى الشوارع في كثافة مقلقة، وتمركز البعض منهم حول مبنى سفارة ج.ع.م. ودار السفير، إذ كان الفراغ في بغداد مشجعا لأى فئة قادرة لكى تستولى على السلطة. وقد قام إبراهيم العرابي بحراسة السفارة ودار السفير ببعض دباباته. وبعد ظهر ذلك اليوم أخبرني صديق من موظفي الإذاعة العراقية بأن العقيد بشير الطالب الذي يتولى حراسة مبنى الإذاعة يردد وسط ضباطه أن سفير الجمهورية العربية المتحدة هو الذي دبر الانقلاب!!! وأن معه شريطا مسجلا لاتصال تم بينى وبين العقيد عارف عبد الرزاق مساء يوم الانقلاب!!! جرعة أخرى كان علي أن أتجرعها في ذلك اليوم الطويل، وكأن ما سبق أن شربته من جرعات في ذلك اليوم لم يكن يكفي!!! وفي المساء حضر بعض الوزراء العراقيين إلى السفارة ومعهم برقية فيها معلومات بحدوث الانقلاب يريدون إرسالها عن طريقنا إلى الرئيس عارف في الدار البيضاء. وفعلا تولينا إرسالها نيابة عنهم بعد إرسال معلوماتنا إلى الرئيس عبد الناصر بما لا يقل عن عشر ساعات. وبدأت رحلة العودة للرئيس عارف من الدار البيضاء إلى بغداد عن طريق القاهرة كما سبق أن أوضحنا. أمناه في القاهرة وأمناه إلى أن وصل بغداد، وكنا الوحيدين في استقباله في مطار بغداد وحيث لا يمكن التمييز بين عدو وصديق في تلك الظروف. ووجدت علاوة على ذلك أن من واجبى أن أتصل به تليفونيا في المساء وفعلت.. هنأته بسلامة الوصول. وأخبرته وأنا أضحك أنه قد آن لنا أن ننام الليلة إذ عادت الطمأنينة للجميع في وجوده ليباشر سلطاته بحنكته المعهودة بعد ليال صعبة لم نذق فيها للنوم طعما. إلا أنه رد بطريقته الفريدة: «إن رجل القاهرة في الموضوع»!!! نفس الاتهامات التي رددها قاسم وهو في الحكم، ونفس الاتهامات التي رددها البعث قبل أن يبعد عن السلطة!!! وقلبى معك يا قاهرة على كثرة ما تلقينه من اتهامات من الأصدقاء والأعداء على حد سواء. وعرفت أن بشير الطالب وإخوانه لم يقصروا في استغلال الموقف. ورددت على الرئيس عارف «بأن هذا ليس مهما الآن، فالأهم معالجة الموضوع في جدية، فالموقف خطير والحرس البعثى يملأ الشوارع والناس خائفون على مصائرهم واحتمالات كثيرة خطيرة مازالت قائمة... هذا هو الذي يجب أن ينال عنايتك. وأما بخصوص اتهاماتك فعليك ألا تقع فيما يدبره البعض لك لإتمام عزلك بالوقيعة بينك وبين القاهرة، وستثبت لك الأيام ماذا فعلت القاهرة المفترى عليها من أجلك. وعلى أي حال فلى لك رسالة سبق أن أبلغتها لأخيك اللواء عبد الرحمن عارف في غيابك.. فقواتنا العربية تحت تصرفك لاستخدامها في أى وقت تشاء»... وتواعدنا على اللقاء في مكتبه بالقصر الجمهورى في اليوم التالي. وفي يوم 22/9/1965 تمت المقابلة، وأثبت هنا للتاريخ ما تم في هذا اللقاء: 1- هنأته بفشل الانقلاب وبسلامة الوصول وشرحت له في اختصار الموقف كما نراه. 2- وبدأت أنصت إلى ما سيقوله الرئيس عارف في هدوء وصبر وكان نص حديثه كالآتي: عرف بخبر الانقلاب من مراسل الأهرام بنيويورك إذ أنه كان أول من أذاع الخبر، وأكد أنه عميل أميركي، وعلم أيضا بالخبر من الرئيس جمال عبد الناصر في اليوم التالى «هذا غير حقيقي.. فأول من أخطره بشهادة كل من حضر مؤتمر القمة كان الرئيس عبد الناصر». وقال انه ثبت لدي ضلوع الاميركان في المؤامرة. 3ـ هاجم الفئات القومية، وذكر أن القاهرة متورطة معهم، مدللا على ذلك بأنه عندما اتصل بى ليبلغنى إسناده رئاسة الوزراء إلى عارف عبد الرزاق كنت حريصا على إشراك صبحى عبد الحميد في الوزارة، وهذا يعنى في نظره الشيء الكثير «الذي حدث كما سبق أن ذكرت أننى كنت أشير عليه بأن يجمع الفئات القومية في الوزارة، ومن ضمن من ذكرت صبحى عبد الحميد». 4ـ كان يعلم أن عارف عبد الرزاق يدبر انقلابا فأسند إليه رئاسة الوزارة لإبعاده عن القوات الجوية وهي سلاح خطير في يده، ولدفعه إلى القيام بالانقلاب قبل أن تنضج ترتيباته، ولم يسافر إلى الدار البيضاء إلا بعد أن أجرى كافة استعداداته لمواجهة الانقلاب المنتظر.. وتساءل: ألم تكن تعلم بتدبيرات عارف عبد الرزاق؟ ألم تتناول معه طعام العشاء في منزل عبد الكريم فرحان؟ 5ـ التي أكدت له حدوث الانقلاب كانت إحدى السيدات، إذ زارته قبل سفره وقصت عليه حلما مزعجا بالنسبة له، إذ رأته يسبح في نهر دجلة وظهرت عليه علامات التعب بحيث أوشك على الغرق، وفجأة رأت كوخا ينصب فوق الماء وهو يحاول عبثا أن يتمسك به وإذا برجل يلبس ملابس بيضاء ينتشله من الماء وظهر أنه النبى عليه الصلاة والسلام!!! «كان الرئيس عارف يؤمن بالأحلام، وقص علي الكثير منها في المناسبات المختلفة». 6ـ لما علم بخبر المؤامرة رأى في غفوة نوم أقرب إلى اليقظة كافة تفصيلات المؤامرة. ونقلها كما حدثت لمرافقه العميد زاهد قبل وصول أى تفصيلات عن الموضوع، وظهر أن ما أملاه كان مطابقا لما كان يرد من معلومات. 7ـ هاجم اتصالاتي بكافة الاتجاهات... وأن نشاطى أصبح أكبر من اللازم وبالرغم من ذلك فإننى لا أطلعه على نتيجة اتصالاتي، ثم أضاف: «اقفل بابك يا أمين».. وكرر ذلك أكثر من مرة بلهجة التهديد. 8 ـ يتساءل العراقيون وهو منهم كيف قبلت القاهرة هؤلاء المتآمرين، ثم كيف تبقى عليهم عندها بعد كل ما حدث؟ إن لجنة التحقيق التي شكلها لبحث الموضوع ستطلب استدعاء هؤلاء لأخذ أقوالهم. 9ـ هاجم صحف القاهرة وإذاعتها، فهي لم تشجب المؤامرة بل التزمت الصمت ولم تعلق عليها. «ونسى في غمرة غضبه أن القاهرة هي التي قامت بكل الترتيبات لتأمين عودته إلى بغداد». ما دخل القاهرة؟ أجبت الرئيس عارف بالآتي: «أ» يبدو أن الأعداء نجحوا هذه المرة في إثارة شكوكه نحو القاهرة بعد محاولات فاشلة استمرت سنوات كنا نعالج فيها أمورنا في ثقة متبادلة ورحابة صدر.. وإننى أعتبر ذلك إن صح نذير سوء أدعو الله أن تتجنبه كل من بغداد والقاهرة. «ب» لماذا نتسرع هكذا في الاتهامات طالما أن لجنة التحقيق لم تبدأ عملها بعد؟ ماذا عليه لو تمهل قليلا قبل أن يلقى بهذه الاتهامات الغليظة؟ كيف نوفق بين اتهاماته للاميركان بأنهم وراء ما تم وبين اتهامه هذا للقاهرة؟ فالأميركان وراءنا ككلاب الصيد. «ج» ما الذي يحققه أى انقلاب يتم ضده لحساب القاهرة؟ ما الذي يمكن أن يعطيه مثل هذا الانقلاب لصالح العلاقات بين البلدين أكثر مما يعطيه نظام الحكم ببغداد برئاستك؟ إننا نعتبر أى انقلاب ضدك هو بمثابة انقلاب ضد القاهرة لأنه يكون خطوة إلى الوراء أو نكسة لها رد فعلها الخطير على كل من البلدين. «د» ما دخل القاهرة فيما حدث؟ أنت الذي وضعت ثقتك الكاملة في عارف عبد الرزاق فعينته قائدا للقوة الجوية ثم رئيسا للوزراء؟!! كيف تطلب منا نحن أن نمنع حدوث انقلاب في بغداد وغيرها؟ كيف يمكن للسفارة أن تمنع عارف عبد الرزاق من استقلال طائرة يتجه بها إلى أى مكان؟ وحتى لو توفرت القدرة على ذلك، فبأى حق نتدخل في هذا الموضوع؟ أين كانت قواتك؟ أين كان أنصارك؟ أين هي الاستعدادات التي تحرص على أن تردد أنك اتخذتها في كل جملة تقولها؟! «ه» ماذا تقول صحافة القاهرة؟ إننا لا نعرف حتى الآن تفصيلات ما تم. الصحافة العراقية نفسها لم تذكر شيئا عن المؤامرة... حتى البيان الذي ألقيته مؤخرا كان عاما لم يوضح شيئا للرأى العام... فمثلا كان البيان خاليا من ذكر تفصيلات ما حدث، وكان خاليا من تحديد الأشخاص الذين قاموا بالانقلاب، وكان خاليا من نفي كنا ننتظره للإشاعات التي بثها المغرضون عن دور القاهرة فيما تم، فعن أى شيء تتحدث صحافة القاهرة؟ ما الذي تحدثت به صحافة بغداد لم تتحدث به صحافة القاهرة؟ «و» كان من رأيى أثناء غيابك أن يصدر المجلس الجمهورى بيانا يوضح الأمور للرأى العام، ومازال هذا هو رأيى... لماذا لا يكلف رئيس الوزراء عبد الرحمن البزاز بعقد مؤتمر صحفي يوضح فيه للرأى العام المحلى والعربى والعالمى الموقف ليخرج الرأى العام من الحيرة التي يجد نفسه فيها ويبث الطمأنينة في النفوس، ويظهر في الوقت نفسه مدى سيطرة الحكم على مقاليد الأمور؟ «ز» إنه يهاجمنى لأننى استقبل الفئات القومية... والفئات القومية تهاجمنى بدعوى أننى لا أثق إلا فيك.. والفئات الرجعية تنهشنى لأننى لا أتعامل معها... بل أحس الآن أن الاتهامات وصلت إلى حد التهديد لشخصى وأنا في بغداد ولعائلتى وأولادى في القاهرة... وبالرغم من كل هذه الضغوط الثقيلة تمسكت بأن أكون عاملا مساعدا للتوفيق بين الجميع.. هذا ما حاوله الرئيس عبد الناصر دائما وهذا ما أحاوله بدورى باستمرار... فما هو المطلوب منى أكثر من ذلك؟ «ح» وتساءلت بعد ذلك هل وضعنى الرئيس تحت المراقبة؟ كيف يطلب منى أن أخبره بنتيجة اتصالاتي مع الأفراد أو الهيئات؟ إن ذلك خارج عن مهام منصبي وحدوده. «ط» وفي النهاية تساءلت: هل يعنى بحديثه أنه يطالب بتسليم عارف عبد الرزاق وزملائه لمواجهة لجنة التحقيق؟ إن كان يعنى ذلك فإنني سأرسل للقاهرة للإفادة بالرأى. وقال الرئيس عارف: لنتأني قليلا في طلب حضور المتآمرين حتى تتضح الأمور. إنه يعزني كصديق فهو وأنا في مركب واحدة، والهجوم كما هو مسلط على فهو مسلط عليه، وأنه تعب من أهل العراق الذين قتلوا الحسين وأخذوا يبكون عليه. وخرجت من عند الرجل والشك يقتله، ولم يقتصر شكه على القاهرة وحدها بل فقد «أبو أحمد» الثقة في أقرب الناس إليه. وفي الطريق لمقابلة الدكتور عبد الرحمن البزاز رئيس الوزراء في مكتبه قررت أن استمرار وجودى في بغداد بعيد عن الحكمة.. ضرره أكثر من نفعه. وصح عزمى على السفر إلى القاهرة في القريب العاجل لأقنع الرئيس بذلك، خاصة أننى كررت مثل هذا الطلب مرارا من قبل بعد أن أثار مركزي ومنزلتي لدى إخواني العراقيين الكثير من الحقد والحسد في كثير من الدوائر في كل من القاهرة وبغداد على حد سواء. وتذكرت موقفا مماثلا واجهته وأنا سفير لبلادى في الرباط.. في ذلك الوقت وكان لم يمض على بقائى هناك أكثر من ثلاثة أشهر شعرت بأن وجودى لا يتفق والمصلحة العامة، فطالبت دون تردد بأن انسحب من مسرح الأحداث وقد كان. ووصلت إلى رئاسة الوزراء ووجدت وفود المهنئين تحتشد لتهنيء رئيس الوزراء الجديد بمنصبه.. الوجوه نفسها هنأت عبد السلام عارف، وهنأت أحمد حسن البكر وطاهر يحيى وعارف عبد الرزاق دون تغيير. بل لاحظت على شفاه المهنئين نفس الابتسامات العريضة، وسمعتهم وهم يتمتمون بنفس كلمات التهنئة ونفس الدعوات!!! وتذكرت وأنا أشاهد ما يجرى أن هذا لا يحدث في بغداد فحسب ولكنه يحدث في كل مكان وزمان فهذا حال الدنيا!!! درس ديمقراطية بعد أن دخلت على الدكتور البزاز في مكتبه اتصل به الرئيس عارف هاتفيا ليحدثه عن ضرورة عقد مؤتمر صحفي عاجل لشرح الموقف ولتوضيح سياسة الحكومة. ورد عليه الدكتور البزاز بأنه سيعقد المؤتمر الصحفي بعد اجتماعه بزملائه الوزراء حتى يكون ما يقوله معبرا عن رأى المجلس. وانتهت المحادثة التليفونية... وبدأ الدكتور البزاز في حديثه قائلا: إن الرئيس عارف كان يطلب منه عقد مؤتمر صحفي لتوضيح الأمور بالنسبة للمؤامرة ولشرح سياسة الحكومة، إلا أنه رد عليه بأن هذا سيتم بعد اجتماعه بمجلس الوزراء.. وكان غرضه من ذلك أن يعطى درسا للرئيس عارف في الديمقراطية ونظام الحكم وكذا في تطبيق مبدأ الفصل بين السلطات. وأكد أنه لا يصدق الإشاعات التي يطلقها المغرضون للتشكيك في موقف القاهرة، وأنه سينفيها في مؤتمره الصحفي، كما أكد عروبة عارف عبد الرزاق، وأنه أقدم على ما فعل بدافع شخصي. وذكر أن الرئيس عارف لا يثق في شخصي لأنه سمع أننى رفعت تقريرا للقاهرة لم يكن مشجعا بالنسبة له ولو أن الدكتور البزاز يوافقنى تماما على ما ذكرت من آراء لو صح أنها وردت في هذا التقرير، وأضاف أنه لا يعنى أن عدم ثقة الرئيس عارف بشخصى تمتد إلى ج.ع.م. وذكر أنه يمكن للقاهرة أن تفعل الكثير: فمثلا يمكن للصحافة والإذاعة أن تتحدث عن مساندتها للعراق، ويمكن للقاهرة أن تؤيد البزاز حتى تدعم موقفه، كما يمكن للقاهرة أن تشجب المؤامرة وتوضح موقفها من الناصريين. كما ذكر أن الاحتفاظ بعارف عبد الرزاق وجماعته في القاهرة سيولد حساسيات مؤقتة، وعلى القاهرة أن توازن بين النقد الذي سيوجه لها بتسليمهم والنقد الذي سيوجه لها بالاحتفاظ بهم.. ومن رأيه أن على القاهرة أن ترفض تسليمهم حتى لو طلب منها ذلك، وإن تصاعدت الأزمة يمكن للقاهرة أن تسمح لهم بالسفر إلى الخارج وتذيع بيانا بهذا الخصوص. وقد رددت على الدكتور البزاز بالآتي: 1-شكرته على موقفه المتزن من الاتهامات الظالمة التي توجه إلى القاهرة، وطلبت أن يكون نفيه للاشاعات صريحا قاطعا حتى نقطع خط الرجعة على من يصطاد في الماء العكر، وحتى لا تظلم الحقيقة هذا الظلم الفادح «وقد فعل البزاز ذلك في مؤتمره الصحفي». 2- أما عن عدم ثقة الرئيس عارف في شخصى فترجع إلى الظروف الصعبة والطريقة الغريبة التي يمارس بها الرئيس عارف مسئولياته، مما جعله لا يثق في أى شخص بمن فيهم شخصي وشخص الدكتور البزاز نفسه، وأننى سأعالج عدم الثقة تلك بالنسبة لشخصى بطريقتى الخاصة. 3- شرحت له الموقف من وجهة نظرى، وأرجعت تردى الأوضاع إلى الأطماع الشخصية لكل الأطراف، وإلى مناورات الرئيس عارف المستمرة لتوسيع شقة الخلاف ومحاولاته الدائبة لضرب كافة الأطراف بعضها ببعض. 4- إن القاهرة مازالت عند موقفها من تأييد الحكومة العراقية، ولعل الذين يصطادون في الماء العكر لا ينتهزون فرصة الغيوم الحالية ليأخذوا أى إجراءات تضر بالعلاقة بين البلدين، واتفقنا على قطع خط الرجعة على هؤلاء. وفي يوم 23 سبتمبر 1965 عقد الدكتور البزاز مؤتمره الصحفي، فبدأ بالرد على سؤال وجه إليه عن الاتهامات التي تحيط بالقاهرة، فنفاها نفيا باتا وأشاد بالعلاقات الوطيدة التي تربط بين البلدين. وبعد أيام كنت أطير إلى القاهرة. ولم أكن أعلم أننى لن أعود إلى بغداد مرة أخرى كسفير لبلادى. كانت الأفكار تتزاحم في رأسى وأسئلة كثيرة تلح على جواب. لم يكن مبعث هذه الأفكار علاقة البلدين. فلم يكن الموقف مترديا بين بغداد والقاهرة رغما عن كل شيء، بل كان الأمل كبيرا في السيطرة على المشاعر وتخطى الشكوك التي ثارت دون أن تستند إلى أساس من حقيقة أو واقع. وكان هذا شيئا يبعث على الاطمئنان. ولكن الشيء الذي كان يلح على تفكيرى هو أننى أصبحت واثقا بأن تغيير الوجوه أصبح ضرورة تحتمها الظروف والأحوال... إذ بت أعرف أكثر من اللازم عن خبايا العراق وسياسته، ولم يكن الكثيرون يرتاحون إلى ذلك في كل من بغداد أو القاهرة على حد سواء. وكانت اتصالاتي واسعة عريضة تشمل العراق من شماله إلى جنوبه مما أثار الحقد والضغينة هنا وهناك. وتسابق البعض لزرع شكوك لا تستند إلى أساس ولكنها وجدت أرضا خصبة تتعمق فيها بتوالى الأحداث. كل ذلك عزز قرارى بأن أترك مسرح العراق بعد مدة طويلة حافلة بالأحداث، وأصبح هذا واجبا وطنيا لابد من أن أسعى إلى تحقيقه وضرورة قومية لابد من أن أقنع بها المسئولين. إلا أن اتصالاتي الأولية في القاهرة لم تكن مشجعة، كان جميع من اتصلت بهم يؤكدون أهمية وجودى في المرحلة الحساسة القادمة وأن ما تم ما هو إلا سحابة صيف لا تلبث أن تنقشع كما انقشعت سحب كثيرة من قبل. ولكن هؤلاء لم يكونوا على علم بالرئيس عارف وما أوصلته إليه الأحداث من حال. ولم يكونوا أيضا على علم بأن الأعصاب قد أرهقت، وأن الصحة قد تأثرت نتيجة الظروف الصعبة التي مررت بها يوما بعد يوم وليلة بعد ليلة طوال ثلاث سنوات كاملة. واستقبلنى الرئيس عبد الناصر بعد وصولى بأيام. وبدأت أدير «أسطوانتي» المعتادة عن العراق، تلك الأسطوانة التي أدرتها من قبل ولمدة ثلاث سنوات دون كلل ولكن في صدق وأمانة. ولأول مرة يقاطعنى الرئيس قائلا وهو يضحك : «مش كفاية يا أمين الحديث عن العراق». ولم أفهم ما يقصد إلا أن المقاطعة ألجمت لسانى، إذ كانت هذه هي المرة الأولى التي أجد فيها الرئيس جمال عازفا عن الاستماع إلي. سألنى الرئيس عن موعد سفرى ثانية إلى بغداد فأخبرته أننى عائد في الغد بإذن الله، إلا أنه قال وهو يضحك : ماذا لو أجلت السفر؟ وماذا عليك لو مكثت مع عائلتك هنا فترة من الوقت؟ ولما أبديت دهشتى، ذكر لى أنه مزمع إجراء تعديل وزارى وسيكون السيد زكريا محيى الدين هو رئيس الوزراء الجديد الذي سيخلف السيد على صبرى، وأضاف أنه اختارنى وزيرا للإرشاد القومى في الوزارة الجديدة... هذا لا يعلمه أحد حتى على صبرى رئيس الوزراء. وشكر الرجل جهودى طوال الفترة السابقة بكلمات لن أنساها ما حييت، وبعد فترة أنعم على بوسام الاستحقاق. وتذكرت وأنا أغادر منزل الرئيس في منشية البكرى بعد انتهاء المقابلة وعده لى ليلة سفرى إلى بغداد لأول مرة منذ ثلاث سنوات كسفير لبلادى هناك. كان الرجل قد وعد أن أكون المسئول الأول والوحيد أمامه طوال فترة خدمتى بالعراق دون تدخل من جهة أو أحد. وأشهد بأن الرجل كان عند وعده. وبدأت عملى في وزارة الإرشاد لعدة أسابيع قررت بعدها أن أعود أنا والسيدة قرينتى إلى بغداد للقيام بواجب الوداع. ووسط حفلات التوديع التي لا تنتهي حاولت جهدى إزالة الغيوم التي كانت تتجمع في الأفق. وبعد أيام حان موعد الرحيل. ووسط الحشود الكثيفة من كافة الفئات والأوساط التي ملأت ردهات مطار بغداد وساحاته ركبت أنا وقرينتى الطائرة في طريقنا إلى القاهرة. ونظرت إلى سماء بغداد وخيل إلي أنها صافية. وكانت حرارة التوديع بمثابة وسام استحقاق آخر قلدنى إياه شعب العراق. ولكن كانت هناك كلمات لابد أن تقال... فبعد كل هذه السنين التي مرت على تلك الأحداث أجدنى وقد زاد شوقى إلى بغداد... إلى الكرخ العتيد... إلى الرصافة الشامخة... إلى الأعظمية الهادئة... إلى الكاظمية المهيبة... إلى كرادة مريم الوديعة... وأجدنى في الوقت نفسه وقد زاد شوقى إلى كل بقعة من أرض العراق... بغداد، الموصل، البصرة، السلمانية، كركوك، الرمادى، سامراء، سرسنك، جالى على بك، جلولاء... فلى في كل بقعة من أرضها ذكريات وذكريات... ويزداد شوقى إلى كل أهل العراق... من عرفتهم ومن لم يسعدنى الحظ بالتعرف إليهم، إذ أحببتهم في رضاهم. وأحببتهم في ثورتهم... ويكفيهم فخرا أنهم يقفون بعيدا على الجناح الأيمن للأمة العربية من قديم الأزل حيث شاء لهم القدر، كالحارس الأمين يصدون عنها غوائل الأعداء... وكم تحملوا في سبيل ذلك من ضحايا وشهداء. ولم أعد إلى بغداد إلا بعد ذلك بشهور كعضو في وفد رأسه المشير عبد الحكيم عامر للتعزية في وفاة الرئيس عبد السلام عارف في حادث طائرة قيل إنه من صنع البشر، وقيل إنه من صنع القدر. وفي خلال الزيارة حدثت قصة غريبة لابد أن تحكى... أخبار الطائرة التي استقلها الرئيس عارف هو ومرافقوه كانت منقطعة طوال الليل... ما أذيع هو أنه استقلها واتجه بها إلى الجنوب في إحدى رحلاته التفتيشية التي ـ كما أعرف ـ لم يكن يتوافر لها ترتيبات الأمن الكافية رغما عن كثرة الصيادين المتربصين... في الصباح الباكر اتصل الرئيس عبد الناصر بى في منزلى وسأل : ما أخبار طائرة عبد السلام؟ وأجبته، وكنت وقتئذ وزيرا للإرشاد القومى : «لا أخبار. فقال : «يا أمين، عبد السلام مات وشبع موت».. وانكسر صوته.. وبعد ثوان أكمل : «قررت إرسال وفد تعزية اليوم برئاسة المشير وأنت طبعا معه»، وأعطانى موعدا أمر عليه فيه بداره... أرسلت حقيبتى إلى المطار لتشحن في الطائرة الخاصة وذهبت في الموعد المحدد لمقابلة الرئيس... كان في الحديقة وحييت وجلست وكانت الأخبار قد أكدت في تلك الفترة وفاة «أبو أحمد» في حادث طائرة، وتردد بعد ذلك أنه حادث بفعل القدر في رأى البعض وبفعل البشر في رأى آخرين... والله أعلم. قال الرئيس: «سيحضر المشير لمقابلتى بعد نصف ساعة يتوجه بعدها إلى المطار وستكون في رفقته... أنت أعلم بالعراق من الجميع وهناك الآن فراغ في السلطة ويمكنك باتصالاتك السابقة أن تؤثر في اختيار الخلف... نحن لا نريد شيئا من العراق، مجرد حكم لا يعادينا... نحن لن نتكلم في وحدة أو اتحاد... هذا مرفوض... نريد مجرد تعاون ونحن على استعداد للمساندة... أمرت سامي شرف بأن يجهز لك شفرة خاصة للاتصال بى عن طريقها. كما كان الحال معك وأنت سفير هناك... إذا رأيت ما تريد إبلاغه لى لا تتردد في إرساله وسيصلنى فورا...». وأخذ الرئيس يتحدث في مواضيع شتى وهو ينظر في ساعته.. ولم يحضر المشير في موعده ومرت دقائق كثيرة ولم يحضر وكانت علامات الضيق الشديد تظهر على وجهه بمرور الوقت.. وأخيرا هب واقفا وهو يقول: «يا أخى لا أعرف ماذا أفعل مع المشير بتاعكم ده؟ حتى المواعيد لم يعد يحترمها... توجه إلى المطار وانتظره حتى يحضر... مع السلامة» لأول مرة أشعر بأن علاقة الرئيس مع المشير ليست في أحسن حالاتها. وأخذت مظروفا به الشفرة من سامي شرف وتوجهت إلى المطار... وأخيرا حضر المشير ومعه عبد المجيد فريد وشخص آخر لم أتوقع حضوره وهو عبد الحميد السراج الذي استقر في القاهرة كلاجيء سياسى بعد أن تم تهريبه بواسطة القاهرة من سجن المزة بعد أحداث الانفصال!!! لماذا حضر عبد الحميد؟ سؤال أثار فضولى ولم أقف له على جواب إلا بعد ساعات من إقامتى القصيرة في بغداد. وطارت الطائرة إلى وجهتها، وحرص السراج على أن ينفرد بالمشير طوال الرحلة وكان يتحدث إليه هامسا طوال الوقت، ولم يتمكن أحد منا من التحدث إلى المشير طوال الرحلة.. فلم يدع السراج فرصة لذلك ولم يطلب المشير ذلك. ووصلنا وكان الاستقبال حزينا.. على رأس المستقبلين الدكتور عبد الرحمن البزاز رئيس الوزراء، وبعض قادة الجيش من المجلس الوطنى الذي كان الرئيس عارف قد شكله بعد انفراده بالحكم وكلهم من قادة الجيش... واستقر بنا المقام في قصر بغداد، وهو قصر الضيافة الذي أقام فيه المشير في زيارته وقت أن كنت سفيرا في بغداد. وبدأت اتصالاتى وكان هناك تياران: تيار يريد أن ينتهز الفرصة لتحويل الحكم العسكرى إلى حكم مدنى فيشغل الدكتور البزاز رئاسة الجمهورية، وآخر يريد استمرار الحكم العسكري كما كان منذ ثورة 1958... كان التيار الأول ضعيفا ولم يكن في إمكانه فرض الاستقرار في الساحة العراقية المعقدة، وكان الثانى ينذر بصراعات على تولى السلطة. وكانت الوفود الزائرة إلى قصر الضيافة كثيرة تستكشف رأى القاهرة، وكان المشير يستقبلها ونحن معه. وأخيرا ركزت في اتصالاتي أنا وعبد المجيد فريد على أن نساعد في اختيار اللواء عبد الرحمن عارف رئيس أركان الحرب وشقيق الرئيس عبد السلام لملء الفراغ... كان عبد الرحمن عارف في موسكو وفي طريقه للوصول بعد ساعات... كان الرجل مقبولا بحذر بين أوساط القادة... كان ساذجا غير ضار وكان الحل سيئا بين حلول أسوأ. ونال الترشيح الاستحسان حتى قبل وصول اللواء عبد الرحمن من موسكو في اليوم التالي. في مساء يوم الوصول قابلنى الوزير المفوض سمير عباسى ليلا، وهو الذي تولى أمور السفارة بعد نقلى، ودعانى على عشاء في أحد المطاعم... كان قلقا ومنفعلا... وعلى طبق المشويات أخبرني بأن المشير كلفه بإرسال برقية إلى القاهرة أعطى فيها الضوء الأخضر لوصول عارف عبد الرزاق صاحب الانقلاب المبتور الذي تحدثنا عنه في أول ضوء اليوم التالى، فالفراغ كامل يسمح بتنفيذ خطة وصوله هو وجماعته للاستيلاء على الحكم..!! عارف لا يمكنه ذلك فإمكانياته محدودة، علاوة على أنه مكروه، وفشله في المحاولة محتم وسوف يكون رد الفعل على العلاقات مدمرا لن ينساه العراق. ولم نكمل عشاءنا اللذيذ واصطحبت سمير عباسى إلى السفارة واستدعينا الدبلوماسي المختص، وأرسلت برقية إلى الرئيس بإلغاء برقية المشير دون توضيح الأسباب.. كان قلقى كاملا من الظروف الطارئة التي قد تمنع وصول البرقية إلى سامي شرف ثم حل شفرتها ثم عرضها على الرئيس... أخبرنى سامي بعدها أنها وصلت في وقت حرج قبل أول ضوء بقليل، وعرضوها على الرئيس بعد أن أيقظوه من النوم فأمر بإلغاء السفر. سهرت طوال الليل وأنا أنظر إلى السماء متوقعا وصول طائرة عبد الرزاق ووقوع الكارثة، وطلع الصباح ولم تصل الطائرة وشكرت الله. استدعانى المشير لأتناول معه طعام الإفطار في حجرته.. وإفطار العراق غنى وشهي. واستقبلنى المشير وكان في الحمام يحلق ذقنه، وعلى المائدة حدق في وجهي وقال: «أنا كنت أدبر أمرا ولكنه لم يتم.. ابن».. «مين اللى ألغى ذلك؟» وكرر ذلك مرات وعينه في عينى، وأنا أتناول طعامى دون رد فعل... «أمر أيه يا سيادة المشير؟»! فيرد: «بكرة تعرف ولكن والله لو تأكدت من اسم الفاعل سأقطع رقبته» وأظن أنه خمن ولكنه لم يتأكد. ووصلتني الأنباء بأن الأمر قد استقر على اللواء عبد الرحمن عارف ليخلف شقيقه، وهذا أمر طبيعى في الجمهورية العراقية... أخ يخلف أخاه أو ابن يخلف أباه... وذهب عبد المجيد فريد وأنا إلى المطار واستقبلنا عبد الرحمن عارف، وكان يبكى بشدة ومنديله على عينيه واصطحبناه إلى العربة وعزيناه فاشتد بكاؤه.. وهنا قال له عبد المجيد فريد في خبث: «اتفضل اركب يا سيادة الرئيس».. فتمهل عبد الرحمن في مسيرته.. وكرر عبد المجيد في خبث: «اتفضل اركب يا سيادة الرئيس».. ودون أن يسأل عن تفاصيل خفت دموعه واختفي المنديل الأبيض وشد من قامته.. وسبحان الله تغيرت ملامح وجهه.. وركب العربة الفارهة وتبعناه في عربتنا السوداء المكتوب عليها «وفد الضيافة»... وأصبح اللواء عبد الرحمن عارف رئيسا!!! ودون انتظار باقى الرسميات أمرنى المشير بتجهيز طائرتنا للعودة، وحاولت إقناعه بالانتظار دون جدوى. وقال الدكتور البزاز لى وهو يودعنا: «مبروك عليكم الرئيس عارف فقد توطد الحكم العسكرى»... وفي الطائرة شكرنا المشير على جهودنا وكان إلى جواره السراج صامتا لا يتكلم.