السبت 10 شوال 1423 هـ الموافق 14 ديسمبر 2002 محظوظ للغاية هو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حيث أنه يتزعم بلداً ذا جمهور سلبي وصحافة ضعيفة ومستكينة ونخبة سياسية طيعة. كل هذا يفسر كيف استطاع بوتين وحكومته، بأقل قدر من الضرر الواضح لشعبيته أو مصداقيته، تجنب الاعتراف أمام شعبه بالذي حصل وبدقة خلال عملية اقتحام مسرح موسكو، قبل أسابيع. خمسة فقط من أصل 128 قتلوا خلال الاقتحام لم يكونوا ضحية الغاز، الذي استخدمته قوات الأمن الروسي لانقاذ الرهائن، ذلك الغاز الذي مازال العالم ينتظر إعلان التركيبة الكيماوية الدقيقة له وكل ما قيل عنه حتى الآن هو انه «يعتمد» على مادة الفنتانيل، وهي مخدر من مشتقات الأفيون، تستخدم أحيانا في المستشفيات، لكنها مكروهة جداً من قبل أطباء التخدير، نتيجة عدم استقرار مفعولها وأثارها الجانبية القاتلة. لقد قتل معظم أولئك المئة والثمانية والعشرين، كما يبدو ذلك واضحاً، نتيجة إهمال أولئك الذين شاركوا في تلك العملية، بمن فيهم تحديداً هيئة الأمن الاتحادي المعروفة اختصارا بالحروف الأولى (إن. إس. بي) وهي الوريث الداخلي لجهاز ال«كي. جي. بي» والهيئة الروسية الحكومية المسئولة رسمياً عن ادارة عملية تحرير الرهائن. ومن بين الأخطاء الكثيرة الأخرى، فإن العديد من المسئولين عن العملية والأطباء لم يكونوا يعرفون شيئاً عن الغاز الذي استخدم، وبالتالي لم يكونوا قادرين على استخدام العقار المضاد الملائم له، الذي تزعم الحكومة الروسية انها وفرته لهذا الغرض. ومشاهد المحتجزين المترنحين أو المحتضرين أو الغائبين عن الوعي وهم ينقلون إلى المستشفيات اصات المدارس من دون أي مراقبة طبية من أي نوع بجانبهم تثير الكثير من التساؤلات التي يفترض أن يكون بوتين وحكومته مضطرين للاجابة عنها. لكن أسابيع عديدة من اقتحام دار دوبروفكا للثقافة، لم نسمع بتفسير مقنع لامن ال«إف إس بي» ولا من بوتين نفسه، ويبدو أننا لن نسمع من أحد. أولا: إنني احمل المسلحين ومحرضيهم وانصارهم المسئولية الاخلاقية الرئيسية عن المحنة التي تعرض لها مئات المدنيين الأبرياء. لكن هذا لا يعني، طبعاً، أن حكومة بوتين يجب ألا تعتبر مسئولة عن اهمالها وعدم إكتراثها في عملها لوضع حد لهذه المحنة. فحتى الآن لايزال هناك حوالي 25 رهينة سابقة في المستشفيات، فيما المئات منهم فمن غادروا المستشفيات لابد وأنهم يعانون لسنوات مقبلة من أعراض نفسية وبدنية عديدة، نتيجة لاحتجازهم وطريقة تحريرهم المرعبة. (تسعة أفراد من فريق الاقتحام تعرضوا لحالات مرضية نتيجة الغاز) وفي غضون ذلك، تواصل موسكو ترديد الشائعات التي تتناقلها مواقع الانترنت الروسية بشكل رئيسي، عن الرهائن الآخرين الذين لم يتم احتسابهم البعض يضع تقديرات عالية لاعدادهم تصل حتى 77 رهينة. وبالتالي إذا ما وصلت الحسبة النهائية للوفيات نتيجة عملية الاقتحام الى 200 قتيل فربما سيتساءل الروس ـ مثلما تساءل بعض النقاد الشجعان آنفاً ـ إذا كانت الطريقة التي اختيرت للعملية كانت صائبة من عدمه. إذا ما توفرت لدى الاعلام الروسي الارادة والوسائل لمناقشة هذه الاضطرابات، فسيكون لديها الكثير منها لتعمل عليها. (يذكر أن المحاولات التي قام بها برلمانيون ليبراليون لتشكيل لجنة تحقيق قد أجهضت على يد البرلمانيين الموالين للحكومة) وحتى الآن تعمل كل الاجابات التي قدمتها على الاسئلة المتعلقة باقتحام المسرح على اثارة اسئلة اخرى. ففي مؤتمر صحافي بعد يوم الاقتحام بخمسة أيام، قدم خبير من ال«إف إس بي» عرضاً معقداً بوسائل بصرية مساعدة يشرح فيه الكمية الضخمة من المتفجرات التي تعادل 253 رطلا من مادة ال«تي إن تي» والتي وضعها المسلحون حول المسرح. لكن حينما سألة صحافي عن سبب عدم تفجير المسلحين لهذه المتفجرات على الرغم من أن الغاز يحتاج لدقائق قلائل قبل ان يحدث مفعوله، كان كل ما استطاع ذلك الخبير ان يقول جوابا: «يصعب علي الاجابة عن هذا السؤال». في يوم الاقتحام، زعمت مصادر رسمية روسية ان 50 ارهابيا قد قتلوا. لكن بعد بضعة ايام تراجع هذا العدد فجأة الى 41 فقط. ما الذي حدث للتسعة الآخرين؟ هل كان بعضهم رهائن لكن ظنهم الأمن من المهاجمين خطأ وتعامل معهم على هذا الأساس؟ في البداية، قالت المصادر الأمنية أن مهاجمين إثنين قد ألقي القبض عليهما أحياء. (أفراد من طواقم التلفزيون شهدوا أنهم رأوا أحدهم مقتادا بيد الأمن بعد الاقتحام مباشرة). أما الآن فإن السلطات تقول ان كل المهاجمين لقوا حتفهم. وباعتبار أن الأمن قد تخلص من جثثهم سراً، فلا نعرف الآن، وربما لن نعرف أبدا، كم كان عددهم وبأي طريقة ماتوا. إن التناقضات العديدة في التقارير الرسمية عما حدث لايمكن التحقيق فيها أو التثبت منها بشكل مقنع. والغريب والمثير للشكوك هو أن الأمن لم يبق على أي واحد من المختطفين حياً لأسباب استخبارية. هذا الشكل من التشويش من جانب حكومة بوتين شيء معتاد فطوال الازمة وبعدها، راوحت السياسة الاعلامية الرسمية بين الخطابة التآمرية والفحوص وحتى الكذب المباشر. فلاديمير فاسيلييف نائب وزير الداخلية أعلن في الساعة الأولى بعد الاقتحام أن 67 رهينة قد قتلوا خلال الهجوم على المسرح ـ وأن أيا من هؤلاء لم يكن ضحية «الوسائل الخاصة» التي استخدمت للسيطرة على المسرح ومن بداخله. بعد ذلك بأيام فقط، حينما اصبحت الحكومة مستعدة للاعتراف بأن «الوسائل الخاصة» التي استخدمت قد كانت غازا، كما انقضت أربعة أيام قبل أن تعترف وزارة الصحة أن الغاز كان يتكون أساساً من مادة الفنتانيل. وعلى الرغم من الاعتراف أن غازاً متقلباً وخطراً قد ضخ في مبنى المسرح، واصل المسئولون الآخرون إصرارهم على أن الوفيات كانت ناجمة عن الحالة الصحية السيئة للرهائن بعد قضائهم 58 ساعة محتجزون وليس عن الغاز نفسه. (من بين دوافع هذه الحملة التضليلية، إلى جانب تجنب الآثار السيئة في تحول الرأي العام، هو التخوف من المضامين الدولية لاستخدام الغاز الذي تحكمه معاهدة الأسلحة الكيماوية). كذلك كانت حال تغطية الأزمة من جانب الصحافة والتلفزيون الحكوميين الروسيين. التي عاملتنا بالطريقة الدعائية الضجة على النمط السوفييتي نفسه، والتي تركز على الاساءة للعدو. فبعد الاقتحام بوقت قصير بدأ التلفزيون الحكومي يبث صور فيديو لقائد المسلحين القتيل، موفسار باراييف، الملقى وسط بركة من الدماء وبجانب يده الممدوة زجاجة مشروب لاتزل ممتلئة تقريباً ويعلوها الغبار. لقد وصلت للمشاهدين الروس رسالة إعلامية مفادها أن الارهابيين «المسلمين» قد أمضوا عمليا الساعات التي سبقت اقتحام المسرح وهم يحتسون الخمور ويحقنون أنفسهم بالمخدرات وأن المسرح كان ممتلئاً بالحقن التي لم نراها. مع ذلك، وهو ما يصعب على من يعيش خارج روسيا أن يستوعبه، فإن الرئيس بوتين قد خرج من هذه الأحداث أقوى مما سبق. فقد أعطته أزمة الرهائن فرصة إعادة عرض واحدة من أكثر لحظات حياته السياسية إثارة. ففي خريف 1999، قتلت مجموعة من التفجيرات الارهابية أكثر من 300 شخص في موسكو ومدن روسية أخرى. والحكومة استفردت الشيشانيين بالاتهام. أما بوتين الذي كان حينها رئيساً للوزراء فقد رد بإعادة الجيش الروسي الى الشيشان، التي تمتعت بثلاث سنوات من الاستقلال بحكم الواقع بعد حرب الشيشان الأولى 1994 ـ 1996. خلال أزمة الرهائن، أعاد بوتين تذكير الروس بهجمات 1999 ليشرح لهم سبب رفضه للتفاوض مع المختطفين: «إن هؤلاء المجرمين يستفزوننا لنفتح بلادنا أمام النظام نفسه الذي فرضوه في الشيشان سابقاً. إننا لن نستسلم أمام هذا الاستفزاز. كان واضحا منذ البداية ان بوتين لن يوافق على المطلب الأساسي للمهاجمين وهو إعلان موسكو إنهاء حربها على الشيشان وسحب قواتها. ولو فعل ذلك لكان كمن يستسلم ويتخلى عن المبدأ الذي بنى عليه رئاسته. والآن يكافيء الروس بوتين بمرحلة تشهد أعلى شعبية له. ففي أحد استقصاءات الرأي بعد الاقتحام، وافق 85 في المئة على الطريقة التي تعامل بها بوتين مع الأزمة. وفي استقصاء آخر كانت النسبة 77 في المئة. غير ان 35 في المئة في استطلاع آخر للرأي وضعوا اللوم في حدوث الأزمة على أجهزة الامن الروسية التي سمحت لعشرات من المسلحين بدخول مبنى لا يبعد سوى ثلاثة اميال عن الكرملين. «45 في المئة القوا باللوم على المسلحين أنفسهم. هذه النتيجة تعكس جزئياً الافتراض الشائع القائل ان الغاز لو لم يستخدم لكان المهاجمون قد استخدموا ما لديهم من متفجرات لنسف المبنى بكل من فيه، مثلما هددوا منذ بداية الأزمة، لكن في حكمنا على مدى صواب قرار حكومة بوتين استخدام الغاز، علينا ان نؤكد بوضوح ان استخدام الغاز كان يعني بشكل قاطع اعطاء المهاجمين الفرصة لتفجير قنابلهم. نعم، ربما استطاع المسئولون الروس ابعاد اللوم عن بوتين بالقول انه قد فوض ضباط الأمن المسئولين عن العملية باتخاذ قرار استخدام الغاز. لكن في مثل ردود الافعال هذه نستطيع ان نلمس تماماً تقاليد السلطوية الروسية، حيث ينظر للزعيم كنوع من الالهة التي لايأتيها الخطأ ابداً، فيما تلتصق كل الاخطاء بمساعديه وهي فكرة تجد افضل تعبير لها في المثل الروسي الذي أصبحنا نسمعه اكثر مؤخراً: «قيصر طيب، والارستقراطيون اشرار». بالطبع، يمكن للزعيم ان يكون قيصراً طيباً حينما يكون النقد الموجه له فقط مقيداً بعدم الخروج للاوساط العامة، وهذا هو بالضبط ما يحدث في روسيا اليوم. لو ادت هذه الأزمة لشيء، فانها ادت لتوسيع مد السلطوية الروسية التي تعاظمت في عهد بوتين، كرد فعل على ما يرى بأنه تراخي عهد يلتسين. نعم، خلال الأزمة كان بالامكان الوقوف على انتقادات شجاعة للرئيس وبطانته في بضعة صحف مستقلة وعلى الانترنت وفيما تبثه محطة اذاعية مستقلة يمكن وصفها بالبطولية هي اذاعة «صدى موسكو» احد معلقي الاذاعة انتقد بوتين بقسوة لعدم قوله أو فعله شيئاً رغم مرور ساعات طويلة بعد أزمة المسرح. لكن مثل هذه الاصوات اصبحت تشعر بالاغتراب المتزايد ولم تعد تستطيع تجاوز موسكو إلا بشكل محدود. بعد بضعة ايام من اقتحام المسرح وافق المشرعون الروس على فرض قيود اضافية على التقارير الاعلامية عن حالات ذات العلاقة بالإرهاب، حالات تم تعريفها بشكل فضفاض جداً بحيث تستطيع الحكومة تطبيقها حيث شاءت. طبعاً، كانت الحكومة كلما تدخلت لتقييد التغطية الصحافية لأحداث المسرح تقول انها تفعل ذلك من اجل امن الرهائن. وقد برر وزير الاعلام الروسي ذلك بشكل شرعي كاف قائلاً: «ان ضمان سلامة الناس اكثر أهمية من حق المجتمع في معرفة المعلومات». لكن مثلما اصبح واضحاً بشكل فج في الايام التي تلت اقتحام المسرح، لم تكن محاولات الكرملين للسيطرة على الاعلام مدفوعة بالمخاوف على سلامة الرهائن. كما ان الرغبة في شل الإعلام لا تأتي من الكرملين فحسب، فحينما التقت مجموعة برلمانية بالرئيس بوتين في اليوم السابق للاقتحام، فاجأته بطلبها منه اعادة فرض الرقابة الإعلامية. من المحتمل ان تكون اكثر عواقب ازمة رهائن مسرح موسكو وخاتمتها الكئيبة بروز مناخ عاطفي جداً تصبح فيه الحرب ضد الانفصاليين الشيشان وانصارهم المسلمين ذات شعبية واسعة في روسيا. نعم، ربما لقي المهاجمون حتفهم من دون رؤية مطالبهم وهي تنفذ، لكن أيضاً من دون رؤية مدى نجاحهم وفق معيار محدد. فقبل 23 اكتوبر، يوم استيلائم على المسرح، كانت الحرب في الشيشان امراً سديمياً غريباً ـ حرباً لم يتم اعلانها رسمياً ثم اعلن انتهاؤها، لكنها ظلت دائرة. فمنذ سنوات وبوتين مع جنرالاته يعلنون ان «المرحلة العسكرية» من الصراع قد انتهت منذ زمن طويل، ومع ذلك فان الجنود الروس يلقون حتفهم في هذه الجمهورية بمعدل اثنين إلى ثلاثة جنود يومياً. غير ان الرقابة الحكومية الشديدة على تغطية اخبار الحرب قد ساهمت في استدامة اسطورة العمل الشرطي منخفض الايقاع على الهوامش البعيدة للوعي الوطني. غير ان المهاجمين قد حطموا هذا الوهم الآن. فقد اختاروا هدفاً لعمليتهم هو مسرح وسط موسكو كان يعرض عملاً موسيقياً شعبياً جداً انتجته المرحلة السوفييتية عن مستكشفي القطب الجنوبي لبث روح الوطنية في النفوس. وخلال الحصار حولوا هذا المسرح، بالمعنى الضمني والمادي، إلى الشكل نفسه لميدان حرب المدن الذي خبروه جيداً في ديارهم تكمله القنابل المفخخة والشعارات الانتحارية. وحينما توسل المفاوضون للمختطفين، وبينهم 10 نساء، اطلاق بعض الأطفال في المسرح، رد المقاتلون الشيشان بأنهم يعتبرون كل من تجاوز سن 12 عاماً بالغاً ـ على الأقل لأن الفتية الذكور الشيشانيين يكونون احياناً ضحايا لوحشية حملات التمشيط الامنية التي يقوم بها الجيش الروسي والتي تنتهي غالباً باختفاء او موت المعتقلين وهو ما سبب كراهية لاحدود لها للروس بين الشيشانيين. كان مشهد ذلك الحصار ذا اثر دائم. كنت هناك في موسكو اسمع الروس مراراً وتكراراً يرددون السؤال عن الفظائع التي لابد وان ارتكبتها قواتهم في الشيشان حتى تدفع بصبايا لمرافقة المقاتلين في تنفيذ عملية في مثل هذا المستوى من اليأس. ان مثل هذه الافكار، في جو اقل استقطاباً من المفترض بها ان تقود لعملية تقويم نقدية للسياسة المتبعة. لكن وللأسف، فإن عملية الاختطاف في المسرح قد زادت من حد الكراهية التقليدية بين الشيشانيين والروس ـ وهو ما يعبر عنه بأكثر شكل درامية اليأس الذي تعانيه آنا بوليتكوفسكايا الصحفية الروسية المتميزة التي حصلت على عدد كبير جداً من الجوائز الدولية لتغطيتها الشجاعة لهذه الحرب وخصوصاً لمجلة نوفايا غازيتا الروسية والتي شاركت في المفاوضات مع المقاتلين الشيشان في الساعات الاخيرة قبل اقتحام الامن الروسي للمسرح. وفي الايام التي تلت أزمة المسرح نشرت مقالة انتقدت فيها امتناع شيشانيي الشتات في موسكو وغيرها عن ادانة عملية الاختطاف. والمفارقة ان شعبية بوتين بعد الأزمة تمكنه من بدء مفاوضات من موقع قوة. غير ان عمق الكراهية الشعبية للشيشانيين قد الغت بالتأكيد أي احتمال لأن تأخذ الحكومة سبيل المفاوضات المباشرة او غير المباشرة ومع قادة المتمردين الشيشان، وهو موقف اعاد الرئيس بوتين تأكيده بقوة مؤخراً. وقد انتقد بوتين تكراراً حكومة جورجيا المحاذية للشيشان لأنها تؤوي المتمردين الشيشان. وبعد أزمة المسرح اكد بوتين ان حكومته تستعد للرد على كل ارهابي يهاجم روسيا «بغض النظر عن المكان الذي ينطلق منه». طبعاً لا احد ينكر ان هناك اتصالات تنظيمية ومالية بين المتمردين الشيشانيين و«المؤسسة الجهادية». غير ان هذه الصلات كانت في أدنى مستوياتها قبل التدخل العسكري الروسي، اواسط التسعينيات، كما ان المعاملة البربرية للمدنيين الشيشان على يد الروس منذ عام 1999 لم تسفر إلا عن دفع المعتدلين سابقاً بين الشيشانيين نحو التعاون مع المتشددين. ان جوهر المعضلة الشيشانية لايزال ثورة داخلية اصيلة ضد تركة الحكم الاستعماري الروسي، ويمكن حلها فقط بمعالجة المشكلات السياسية المحددة للهيمنة الروسية التي تسبب هذا الصراع. لكن للأسف، فإن جزءاً من معضلة بوتين الاكبر هي عدم وجود مفاوض واضح على الطرف الاخر لو انه قرر فجأة ان يفعل ذلك. فالطبيعة الاقطاعية الفئوية للمجتمع الشيشاني مصحوبة بتدمير الروسى لكل ما في البلاد من بنى تحتية ومؤسسات مدنية كانت موجودة سابقاً، تجعل من المستحيل الآن العثور على شركاء تفاوض يستطيعون تقديم أي التزامات. وحتى اصلان مسخادوف لو لم يفقد مصداقيته بين الروس بفعل علاقاته مع شبكات الإرهاب، فإن سيطرته على القوى المختلفة في البلاد ضعيفة وربما اضعف مما كانت عليه في أيام الفوضى بين 1996 ـ 1999. وبالتالي فان الحلول المتبقية اما غير عملية سياسية مثل ايجاد «محمية دولية» على النمط الكوسوفي مع الاحتفاظ بالسيادة الروسية الاسمية ـ أو انها كئيبة جداً لمجرد التفكير بها وهذا للأسف، يجعل من السهل تخيل كيف ان أزمة المسرح في اكتوبر الماضي لن تكون الأخيرة على هذا المستوى على التراب الروسي. وباستثناء ذلك، فإن المقاتلين الشيشان في المرة المقبلة ربما لن يبدأوا بأخذ الرهائن ثم اقتراح التفاوض. ترجمة: جلال الخليل عن «نيويورك ريفيو أوف بوكس»