الخميس 8 شوال 1423 هـ الموافق 12 ديسمبر 2002 التوازن ليس أمراً سهلاً كما يبدو فإذا حاولت الوقوف على قدم واحدة لمدة دقيقة لوجدت ذلك امراً مرهقا جدا، وتشعر انك بذلت جهدا كبيرا. التوازن احدى المهارات المعقدة مثل القراءة التي تصبح بعد ذلك عملاً اتوماتيكياً مع كثرة الممارسة، غير اننا ننسى فقط كيف كان صعبا ان نتعلمها كذلك السفر عبر الفضاء. لقد وجد الباحثون ان رواد الفضاء بعد عودتهم يستطيعون الحفاظ على التوازن، لكن بصعوبة اكبر من ذي قبل. ويقول بيل بالوسكي اخصائي العلوم العصبية بوكالة الفضاء الاميركية ناسا ان مخ رائد الفضاء بعد عودته لم يعد متأكداً من كيفية ترجمة الاشارات التي تأتي عن طريق الاحساس. ويقول بالوسكي عندما تقوم بعملية التوازن تستخدم بيانات تأتي من ثلاثة مصادر من المستقبلات العضلية التي تقول ان اجزاء الجسم متصلة ببعضها جيداً، ثم جهاز التوازن داخل الاذن، الذي يتابع وضع الرأس في الفراغ، ثم بيانات من العيون لتوضيح الوضع العام. يتعامل المخ مع هذه البيانات ويكون نموذجاً، يطلق عليه مبرمجو الحاسوب الآلي، نظاماً فرعياً، لكنه اكثر تعقيداً من اللوغاريتمات، هذه النماذج توفر سياقاً للتفسير ورد الفعل والاستجابة لهذه البيانات ويقوم المخ بوضع هذه النماذج طوال الوقت وهذه هي الطريقة التي نتعلم بها التكيف، نفعل ذلك على سطح الارض مثل كيفية تعلم لغة جديدة، أو حتى عندما نرتدي نظارة جديدة. رواد الفضاء يفعلون ذلك ايضا. وهم على الارض يرسم المخ لديهم نماذج تعلمهم كيفية التحكم في الجسم في ظل الجاذبية الطبيعية. وفي الفضاء لابد ان يرسم المخ لديهم نماذج اخرى في ظل انعدام الجاذبية ثم يعودون للأرض، ويتحتم عليهم في ذلك الوقت العودة للنماذج السابقة. لكن عملية التحول لا تكون دائما سهلة، فعندما تواجه بيئة مختلفة تماماً مثل الفضاء، لابد ان يقوم المخ بعمل جديد وصعب، لابد ان يقرر اذا كانت هذه بيئة دائمة أم لا، اذا كانت تستحق رسم نموذج جديد واذا كانت تستحق لابد ان يرسم هذا النموذج. ويستغرق المخ وقتاً حتى يستطيع تفسير البيانات الجديدة حتى يضع نموذجاً جديداً ليستطيع تحديد متى ينتقل من نموذج لآخر، وخلال العملية الانتقالية عندما يكون المخ حائراً بين النماذج، يبدأ تفسير البيانات بطريقة غريبة، مثلاً تتطور اوهام، او شعور وهمي بأن العالم يتحرك من حولك، فيما الذي يتحرك هو رأسك. شعور وهمي ومن أعراض هذا الشعور الوهمي الاصابة بالصداع والدوار ويقول بالوسكي ان هذا الشعور لدى رواد الفضاء مثير للاهتمام والدهشة. ويحاول بالوسكي ان يعرف بالتحديد ما الذي يجعل رواد الفضاء يغيرون نماذج التوازن، اي ما هي الاشارات التي يتلقاها المخ لديهم ليفعل ذلك، يجرب بالوسكي ذلك بارسال بيانات مشوشة الى مخ رواد الفضاء يعتقد انها تجبرهم على تغيير نموذج التوازن المخي بين حالة واخرى. ويتذكر بالوسكي انه من عشر سنوات، فقد احد رواد الفضاء القدرة على التوازن بعد اكتسابها خلال اختبار للاعصاب يجري عقب الرحلات الفضائية. وعندما تكرر الاختبار ظل رائد الفضاء على حاله، كما لو كان يوم عودته من الفضاء. ويقول بالوسكي ان شيئاً ما حدث في مخ هذا الرائد سبب تغييراً في نموذج التوازن، وهو يعتقد ان هذا الشيء هو الانتقال من انعدام الجاذبية الى الجاذبية. ويحتمل ان يكون المخ تشوش بسبب الاشارات الغريبة التي يتلقاها ورائد الفضاء يجلس على مقعد الاختبارات، واختار المخ ان يترجم هذه الاشارات على انه لابد ان يعود لحالة انعدام الجاذبية في الفضاء. ثم عاد المخ الى نموذج التوازن في ظل انعدام الجاذبية والآن يحاول بالوسكي اعادة القصة على الارض. ويقول انهم يعرفون ان رواد الفضاء يعودون للتكيف مع الوضع على الارض في غضون 2 ـ 4 أيام عقب العودة من الفضاء. فقرر الاختبار في اليوم الثالث، عندما يكون مخ رائد الفضاء على وشك التكيف ويرى اذا كان من الممكن ارسال اشارات للمخ لتغيير نماذجه. ووضع بالوسكي رائد الفضاء في جهاز طرد مركزي لقياس ذلك، فهم يرقدون على احد الجوانب على جهاز خاص دوار، ويدور الجهاز برائد الفضاء بسرعات مختلفة للامام وللخلف بعد عشر دقائق من الدوران يتم اختبار مخ رائد الفضاء، فيقف على منصة داخل صندوق طولي في حالة ثبات لاكبر فترة ممكنة لكن الصندوق «مثل كابينة الهاتف» والمنصة صمما بطريقة لعزل كل البيانات الاخرى التي يتلقاها المخ بالاحساس من اجل التوازن، سواء كانت بصرية أو من داخل الاذن او من المستقبلات العضلية. يذكر ان اهم اشارات المستقبلات العضلية للتوازن تأتي من مفاصل الاقدام، وتستطيع منصة التجربة منع وصول هذه البيانات للمخ، فإذا مال رائد الفضاء للامام يتم تعديل وضع المنصة وفقاً لزاوية الميل حتى لا يتغير وضع مفاصل الاقدام. ويأمل بالوسكي من خلال هذه التجارب ان يعرف كيف يسهل حالة الانتقال من نموذج توازن الى آخر في المخ. وقد تساعد ابحاث بالوسكي رواد الفضاء في سرعة استعادة التوازن بعد العودة للارض، لكن هناك اغراضاً اخرى للبحث، مثل دراسة الآثار الجانبية للتحول من نموذج توازن لآخر مثل الشعور بالدوار. فقد يساعد هذا البحث الاطباء على فهم هذا العرض، كما يمكن تدريب رواد الفضاء على وضع نماذج مخية قبل الحاجة اليها، الذين يذهبون الى كوكب المريخ مثلاً، قد يستطيعون عمل نموذج توازن لثلث جاذبية الارض قبل الوصول الى هذا الكوكب مستقبلاً. وقد تساعد ابحاث بالوسكي على الارض ايضا، من حيث زيادة سرعة التعلم، وهذا امر نحتاجه بالطبع.