الاربعاء 7 شوال 1423 هـ الموافق 11 ديسمبر 2002 إن كلمة «الارهاب» باستخدامها الاصطلاحي الحالي تشير الى أن بمقدورك أن تطلق فلسفة عن طريق تخويف وترويج الناس. معظم المقاربات التي تنظر لفلسفة معينة في مقاربة الحياة تكون مجردة لكن هذا النهج «الارهابي» هو منهج عيني ملموس، على نحو ينذر بالخطر ويبدو وكأن بوسعك أن تحول الغضب الشديد الى برنامج عمل وأن تشكل برنامجاً من الغيظ والاستياء المطلق. الارهاب نوع من السياسة لا يسعى إلى تحويل اليأس الى امل، بل يريد ان ينهل قوته من اليأس. وما يبقى لك في النهاية بعد كل السياسات والبرامج المهيبة هو غضبك واهتياجك. وإذا لم تساهم البرامج والسياسات في تهدئة حدة هذا الغضب فإنها بلاشك تغذية وتشعل نيرانه، حتى يصبح اليأس قوة اعتى وأكبر من أي استراتيجية نجاح. لقد حققت بعض أنواع الارهاب النجاح. فحركات التحرير التي اسماها اعداؤها بالارهابية، ابتداء في حركة ماوهاو الكينية حتى جبهة التحرير الوطنية الجزائرية، استطاعت ان تخلع الحكم الاستعماري. لكن هناك وريدا ارهابيا أقدم عهداً من تلك الحركات مقترنا بعنف الجماعات الفوضوية في أواخر القرن التاسع عشر، حيث كان ذلك العنف بمثابة نوع من معاداة السياسة. وفي حقيقة الأمر فإن هذا هو شكل السياسة الوحيد الذي يقر منذ البداية بأنه لا يستطيع الفوز وبما ان هذه الحركات لا تستطيع ان تحكم بتركيع النظام فهي تشرع في مضايقته وضرب قطع صغيرة منه وتمريغ انفه بوجودها المستعصي على نحو فظ. ولكن مع تقدم التقنية الحديثة، طرأ تغير مثير على هذه الانهزامية القتالية. فكلما كان عدوك اقوى، كان من الاسهل بالنسبة لك الايقاع به في شرك قوته وتمريغه بالتراب. وإذا كان الارهاب يجد القوة في ضعفه الذاتي، فإنه يفعل ذلك باشتمام رائحة الضعف الكافي في قوة عدوه. إن اكتساب الارهاب سمة الكونية وتسلحه بالتقنية العصرية يعني ان امامه الآن فرصة النصر حتى وفق المعايير والشروط الخاصة بخصومه. وربما الآن قادراً على تدمير مدن بدلا من السفارات. ومن وجهة نظر ارهابية تقليدية فان هذه الماركة العصرية من الارهاب المتطور تقنيا ربما تضيع تلك الفرصة. فالارهاب «الصرف» لا يتمثل فقط في الهجوم على فنادق عدوك وملاهيه ومبانيه،، بل هو هجوم على المدلول بحد ذاته. وبهذا المعنى، فالارهاب أقرب الى معاداة الفلسفة منه إلى الفلسفة. يقر المتطرفون بأنهم يشتركون في جملة من المعاني مع خصومهم المحافظين. وبدون هذا لن يكون هناك شجار بينهم. إذا كنت اعتقد ان النزعة الابوية (أو الباترياركية) ضارة وأنت تعتقد ان «الباترياركية» اسم لبلدة صغيرة في ولاية نيويورك، فنحن لسنا متصادمين. وبالنسبة للإرهابي التقليدي فإن الاعتراف بامكانية التوصل الى اي اجماع يعني الاذعان للنظام. والنظام يمكن ان يتقبل السلوك الهادف، لكن لا يمكنه احتمال العبثية الصرفة الخالية من اي معنى او مغزى. إذن فالهدف هو صياغة حوادث فظيعة جداً وعبثية بشكل صارخ وبلا أي مسوغ او مبرر منطقي، بحيث تبعثر الذهن وتهز المدلول في جذوره. او ربما حوادث، لا يفهم مدلولها إلا بعد مرور زمن والتأمل فيها من منظور الماضي في الجانب الآخر لتغير مالا يمكن تصوره الآن. وفي هذا يكون الارهابي «الخالص» التوأم المرعب لجناح رواد المتطرفين الأكثر صبيانية. ان الطليعة الصبيانة التي تبتكر أساليب جديدة في الفن مثلا، لاتقوم بابداع اعمال فنية، ولا حتى بابداع أعمال ثورية الآن الطبقات الوسطى تستطيع دوما ان تفهم وتستوعب تلك الاعمال مهما كانت ثورية. ولن تمضي فترة طويلة حتى تراهم يضعون نماذج تلك الاعمال التجديدية في ردهات شركاتهم. إذن، فبدلا من ذلك، عليك ان تصنع ايماءات، وأحداثاً عشوائية سريعة الزوال بحيث لايمكن حتى استهلاكا. وعليك ايضا ان تتذكر ان الابداع الأكثر عمقا يكمن في التدمير، وهذا ما يعرفه جيداً كل الاطفال دون سن الخامسة ولذلك فالعدمي هو الفنان الأكثر تميزاً. ويرى سيفموند فرويد، الذي عاش في العصر الذي بزغت فيه هذه الافكار، ان هذا هو التلذذ الفاحش بشهوة الموت، الى تغوينا لنبتهج في غمار عملية تدمير الذات وبإعادة الخلق الى العدم الذي نتحول الى عملاق شيطاني يحاول تقمص عظمة ليست له. بعض الارهاب يتسم بالبراغماتية، وبعضه الآخر لا يعبأ بالنتائج العملية، والبعض الثالث يخلط بين الاثنين. ان تنظيمات «القاعدة» و«ايتا» و«إيرا» لها اهداف محدودة في اذهان قادتها والذين يعتقدون ان هؤلاء الارهابيين يقومون باعمالهم فقط ليشبعوا رغباتهم السادية وليتلذذوا بنظر الموت، هم اليمينيون الذين لا يمكن ان يستوعبوا أي انتقاد متشدد للغرب، ولايرون فيه إلا عارضاً اعراض الجنون ولذلك تصور صحافة التابلويد افراد تنظيم «ايرا» الايرلندي على انهم قردة غوريللا، مع ان الحكومة البريطانية تعي تماما أن اعمالهم عقلانية.. والعقلانية هنا لاتعني التفكير الصائب العاقل بل تعني استخدام وسائل مناسبة وملائمة لاهدافك، حتى عندما تكون تلك الأهداف غير اخلاقية. الارهاب يمزج الحساب السياسي بتعبيرات رمزية عابثة للكراهية العميقة واليأس. وهنا ايضا يبرز تشابه بين الارهاب والعمل الفني الذي يعتبر بحسب تعبير امانيويل كانت «عزيمة وتمصميماً موجهين بدون هدف». فالفن يلائم بين وسائل لغايات محددة، لكن العمل الفني بحد ذاته حماقة تافهة لا جدوى منها على الرغم من تألقها. وما يجعل الارهابي محصنا ومنيعا هو إقدامه بسرور على تدمير نفسه وليس فقط تقطيع اوصال الآخرين. وبحسب هذه النظرية، التي توجد في الفاشستية ايضا، طالما انك لاتزال تخشى الموت، فستظل مستعبداً لمنطق العيش المدني التافه. وعندما تتقبل موتك بشكل فعلي، فإنك تحرر نفسك منه، مثلما يفعل المفجرون الانتحاريون، وبتحويل موتك الى سلاح فإنك تفرض نقطة اساسية تكون بمثابة غاية بحد ذاتها في دائرة العبث المحيطة. فموتك، علاوة على كونه طريقة لتقل اناس آخرين كثر، يصبح بيانا رمزياً يدلل على ان ظروف معيشتك وطريقة حياتك أكثر كآبة وإيلاما من حالة اللا جدوى المتلازمة مع الموت. كما انك تصرح بنقطة اساسية اخرى، وهي ان هناك شيئا اقوى في الموت، ألا وهو غضبك. وبهذا المعنى فإن المفجر الانتحاري هو محاكاة مروعة للبطل التراجيدي الذي يتغلب على موته بالاستسلام للموت بملء ارادته. والفارق ان الابطال التراجيديين لا يأخذون معهم إلى الابدية الكثير من الارواح البريئة وعندما تعيش وعيونك شاخصة ابداً الى صوتك. فإن حياتك تلبس حلة من الابدية وهكذا تصبح ايضا عملا فنيا. فذلك يعزلك عن التاريخ والحظ والتغير والتقدم لتغدو متحرراً من كل نكهات الدم واللحم المجردة. بالنسبة للارهابي والفنان التحبوبي على حد سواد، فان الجماهير الغافلة مكبلة بقيود البيولوجيا، بالولادة والنمو والانحلال والموت. أما أنت في المقابل فإنك توجد في ارض حيادية مبهمة بين الحياة والموت مزدريا كليهما. أنه وجود عقيم جذل يجسد آخر كلمة في الحرية واليأس النهائي في آن معاً. وهذا ما يعتقد بوش وبلير ان بامكانهما اقتلاعه من جذوره بالصواريخ. بقلم: تيري ايغلتون _ ترجمة: على محمد عن «جارديان ويكلي»