الاربعاء 7 شوال 1423 هـ الموافق 11 ديسمبر 2002 في السادس والعشرين من مارس الماضي، احتفل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالذكرى الثانية لانتخابه رئيسا للاتحاد الروسي. ولكن قبل ذلك بأسبوع، لم ينتبه إلاّ القلة، حتى في موسكو، الى مرور حدث آخر كبير تمثل في الذكرى الثالثة لتنصيب فولوشين رئيساً لطاقم موظفي الكرملين، حيث كانت تلك هي السنة الثانية له في المنصب في عهد بوتين، وكان قد قضى سنته الاولى من المنصب ذاته في عهد الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسين. كان الحدث مهماً بالفعل، ليس لأن ثلاث سنوات تعد فترة طويلة، ولكن لان هذه الفترة فاقت جميع التوقعات، حيث كان الجميع لا يتوقع ان يظل رجل مثل فولوشين، مُنح هذا المركز بسبب قربه من الرئيس يلتسين، لمثل تلك الفترة الطويلة في هذا المركز، حيث غدا الرجل واحداً من القلائل الذين احتفظوا بمراكز عليا في حكومة بوتين من زمرة المقربين من يلتسين. وربما يبدو بقاء فولوشين، الطويل بشكل غير طبيعي، في مركزه امراً بلا اهمية تذكر لغير الروس غير أن هذه الفترة الطويلة التي قضاها في مركزه مكنته من القيام بدور داخلي حيوي لصالح الرئيس. فلقد ساعد فهمه للطبيعة الحزبية الروسية، هذه الطبيعة التي لا يمكن فصلها عن الحياة السياسية الروسية، في حماية بوتين من نزاعات محلية محتملة كان من شأنها اشاعة جو من القلاقل في البلاد في حال حدوثها، وهو الأمر الذي ساعد بوتين على التركيز بشكل اكبر على السياسة الخارجية لبلاده. وقد جاء تعيين فولوشين في منصبه عام 1999 بفضل صلته ببوريس بيرزوفسكي، هذا السياسي الفاحش الثراء الذي يرأس حزباً سياسياً يعرف باسم «العائلة» حيث كان هذا الحزب عبارة عن مجموعة من الاقارب والمعارف الذين يحيطون بيلتسين العليل عندما كان لايزال على رأس الدولة الروسية. وفي ذلك الوقت كانت الاحتمالات والتوقعات تشير الى ان رئيس الوزراء آنذاك يفجيني بريماكوف هو الشخص الاقرب لتولي مقاليد الرئاسة. ولو كان قد نجح في ان يصبح رئيسا للبلاد ، لكان من المتوقع ان يقوم بالتخلص من جانب كبير من نفوذ حزب «العائلة» هذا، وعلى وجه الخصوص التخلص من هذه الممارسات التي كان يتقنها بيرزوفسكي وآخرون والمتمثلة في تكوين ثروات طائلة عن طريق ابعاد المشروعات الرئيسية للبلاد عن تحكم وسيطرة الحكومة. وفي محاولة أخيرة كللت بالنجاح، استطاع والموالون ليلتسين، ابعاد بريماكوف قبل ان يصل الى الرئاسة، وهي الخطوة التي نجمت عنها سلسلة من المناورات انتهت باستقالة يلتسين الفجائية وتعيين بوتين على رأس السلطة في نهاية عام 1999. ومن واقع مركزه غير المعروف بشكل كبير كضابط في جهاز الاستخبارات الروسي «كي.جي.بي» كان لدى بوتين من الوقت قبل الانتخابات الرئاسية عام 2000 ما يتيح له اعداد نفسه بقوة لمنصب الرئاسة، وقد ساعده في سعيه هذا قيادة فولوشين الذكية والبارعة للحملات الاعلامية، وهي القدرة الذي اضطر لانمائها والتفوق بها عام 1999 بعد فشله في حماية الحاشية الداخلية ليلتسين من آثار الادعاءات التي طالت المقربين من يلتسين واتهامهم بالتورط في صفقات غير قانونية مع شركة سويسرية. ولكن على الرغم من ذلك كله، كان من المفترض ان يبحث بوتين عن شخص آخر ليكون رئيسا لهيئة الموظفين، غير ان هذا لم يحدث وظل فولوشين في منصبه، ليس فقط بسبب صلته بحزب «العائلة» ولكن لان فولوشين نجح في اقناع بوتين انه كما كان مخلصاً ليلتسين، فإن هذا الولاء سيستمر لدعم بوتين. وبعد ذلك بسنتين، استطاع بوتين ان يقوي من اركان منصبه تماما وسيطر على جميع مقاليد السلطة، واصبح حزب «العائلة» شيئاً من الماضي. ففشل بيرزوفسكي في دعم واضافة مصداقية للادعاءات الأخيرة القائلة بان اجهزة الامن الداخلي كانت وراء انفجار عدد من المباني في موسكو عام 1999، وهو الادعاء الذي كان يهدف الى اثبات تورط المقاتلين الشيشان في الحادث، يوضح ضآلة الاهمية والمكانة التي يتمتع بها فولوشين الآن حتى انه يفتقد الآن أثناء وجوده في منفاه بلندن الاداة الصحافية اللازمة التي يمكن له من خلالها مهاجمة الرئيس. هذا الوضع يجعل من فولوشين، على الرغم من انه لا يزال في السادسة والاربعين من عمره، ابرز الباقين من عهد فائت كان مليئا بالمشكلات، والكثير يتعجبون لماذا لايزال فولوشين يمثل الذراع اليمنى للرئيس. يلمح بعض النقاد ان بوتين يبقي على فولوشين في الصورة خشية من ان يؤدي عزله الى كشف المناورات التي احاطت باستقالة يلتسين وتولي بوتين السلطة. غير ان هذا الامر يبدو غير محتمل بشكل كبير وذلك في ضوء ان بوتين الآن يتمتع بمستوى تأييد يمكنه بكل تأكيد من دحض أية ادعاءات ترجع الى فترة التسعينيات. فحقيقة الامر، ربما تبدو غير مثيرة ولكنها مهمة وواقعية. فأهمية فولوشين الاساسية بالنسبة لبوتين ربما تكمن في كون وجوده يمثل وزناً يقابل به بوتين نفوذ الاحزاب السياسية في سانت بطرسبرج، تلك الاحزاب التي زاد نفوذها في موسكو بشكل كبير في الاعوام الثلاثة الماضية. احد هذه الاحزاب هو مجموعة من الاصلاحيين الاقتصاديين احياناً يشار اليهم باسم «ليبرلي بيترسبرغ» هؤلاء يشغلون مراكز اقتصادية مهمة في الحكومة، بما في ذلك وزارة المالية. الحزب الثالث يشار اليه احيانا باسم «تشيكست» حيث ان اعضاءه ينحدرون من اجهز امنية كانت تعرف في عهد لينين بإسم «تشيكا» ويعتبر هؤلاء أقل تصميما وقوة في سعيهم نحو ابعاد الاقتصاد عن سيطرة الدولة. اما الامر الذي يشترك فيه الحزبان فهو ان فولوشين يعترض ويقوض من قدرتهم على التأثير على بوتين والسيطرة عليه. وقد بدأ الحزب الثاني بالفعل حملة ضد فولوشين مستخدماً سلاحاً ذائع الصيت في السياسة البيروقراطية الروسية لدرجة انه يملك اسما خاصا به وهو «كمبرومات» وهو ما يعني تسريب اشياء ومواد معينة، سواء حقيقية، أو ملفقة، للتشهير بشخص ما. وفي ربيع 2001، نشر هؤلاء في الصحف ما تم وصفه بانه نصوص لتسجيلات تمت عن طرق التنصت لاحاديث جرت في منطقة الاستقبال الموجودة امام مكتب فولوشين، وبينما لم تحتو هذه التسجيلات على أمر يمكن من خلاله تشويه سمعه فولوشين، فإن نشر تلك الاشياء اعتبر انه يهدف الى التلميح الى ان فولوشين ربما يحتاج الى ان يعيد التفكير في علاقته مع هذا الحزب. فضلاً عن ذلك، فان فولوشين، ربما يواجه مشكلات خطيرة مع القضاء الروسي. فقد أكد النائب العام فلاديمير اوستينوف في نهاية العام الماضي انه يحقق في طبيعة عمل فولوشين في اوائل التسعينيات، عندما كان متورطا بشدة مع امبراطورية برزوفسكي المالية. ويبدو ان هذا التحقيق يهدف الى النيل من مراكز القوة في عهد يلتسين الذين لا يزالون نشطاء في موسكو اكثر من كونه يهدف الى النيل من فولوشين بشكل خاص، غير ان التحقيق في حد ذاته، ربما يؤدي الى تقويض مركزه في الحكومة. وبشكل يثير المفارقة، يبدو أن هذه الجهود لم تؤد إلاّ الى زيادة عزم بوتين على الابقاء على فولوشين، الذي يبدو ان جهوده لحماية الرئيس من الداخل قد زادت من احساس بوتين بقيمته، ويعتمد بقاء فولوشين السياسي الان على مهارته في التعامل مع جماعات بيترسبرغ وقدرته على تأليب هذه الجماعات ضد بعضها البعض. وإذا نجح في ذلك، فان بوتين سيصبح هو الفائز في النهاية، وكذلك سيفوز هؤلاء الذين يؤيدون حملة الرئيس سواء من خارج روسيا او داخلها، لادماج روسيا في المجتمع الدولي. وطالما ان فولوشين يستطيع ان يمنع النزاعات الحزبية من التأثير على فكر بوتين الخارجي فإن بقية العالم سوف تدين بالكثير لفولوشين وتعترف له بهذا الجميل الكبير. خدمة «لوس انغلوس تايمز» _ خاص لـ «البيان»