الاربعاء 7 شوال 1423 هـ الموافق 11 ديسمبر 2002 في مفارقة واضحة لشخصية والده الذي كان دوما يتبنى الاتجاه الارستقراطي الذي يضرب جذوره في الساحل الشرقي لاميركا اتقن جورج بوش الابن فن التعامل مع الشعب. فعند حديثه، على سبيل المثال، عن قضية خفض الضرائب، فإنه يقول ان افضل سبل التنشيط الاقتصادي ترك الناس يحتفظون بقدر اكبر من اموالهم وعندما يقوم بشرح مدى الحاجة الى النهوض بالمستويات التعليمية ووضع هياكل جديدة لنظم الامتحانات فإنه يملك من الفطنة ما يمكنه من ان يقول ما يريد بأسلوب يروق للجميع حتى المعارضين لحديثه، فيقول: انني ارى هنا بعضا من الكبار الذين يحملقون فيّ ويقولون مرحى، لا نحن نكره الامتحانات حسناً فإنني اعرف ان الامر سييء جداً. ان اللغة التي يستخدمها بوش قريبة للغاية من الشعب وفي متناول فهم الجميع حتى عندما يتحدث عن اخطر القضايا الدولية واهمها فهو عند حديثه عن قضية الحرب على الارهاب يقول: «انظروا انها نوع مختلف من الحرب، ففي الماضي، كان بامكان المرء ان يدمر دبابات أو طائرات او قوارب ويتيقن انه بذلك يحقق تقدماً ملحوظاً ولكن هؤلاء نمط من البشر يختبئون في كهوف ويرسلون بالصغار والنشء الى حتفهم في هجمات انتحارية فهم لا يعبأون بالامر». ربما يقف الاوروبيون عند بساطة مثل تلك التصريحات، ولكنها مع بساطتها فإنها فعالة وقوية، فعن الحديث عن العراق وشرحه عملية دفع وحث الامم المتحدة لتبني القرار الاخير ضد بغداد، يقول: انني فعلت ذلك لانني اريد ان تصبح الامم المتحدة هيئة دولية قوية وليست عصبة امم اخرى. لقد اردت ان اذكرهم بأنه اذا لم يتم احترام كلمتهم، فإنهم لن يصبحوا شيئاً أكثر من مجرد ملتقى للنقاشات غير قادر على حفظ السلام في العالم. ان عبارات مثل «الاحتفاظ بالاموال» و«الكهوف» و«ملتقى للنقاش» كلها افكار لها صور مرئية واضحة للعيان تؤكد انه كلما تكلم بوش فإنه من المؤكد ان احداً لن يفشل في تتبع مجرى الحديث. تقول عنه سيدة تدعى ليزا تاغلامغ تصف نفسها بأنها ام عاملة من الطبقة المتوسطة: انني شخصياً احبه بالفعل، وأود ان تتاح لي الفرصة لان ادعوه الى منزلي لاحتساء فنجان من القهوة فعلى الرغم من الخلفية الارستقراطية لاسرته، فإنه يبدو رجلاً من الشعب.. وفي واقع الامر لا يوجد سياسي لا يحلم بأن ينال تقديراً وتوصيفاً كهذا. وهذه الطبيعة التي يتسم بها بوش تساعده على ان يحتفظ بهدوئه دائما. فلقد كان بوش هادئاً في انتخابات 2000، ولكنه الآن غدا اكثر راحة من ذي قبل، حيث يبدو انه يعيش مرحلة سلام وراحة بال مع النفس، فعندما زار توني بلير رئيس الوزراء البريطاني البيت الابيض بعد وقت قصير من وقوع هجمات سبتمبر تملكته الدهشة عندما وجد الرئيس الاميركي يسترخي بهدوء قبل حوالي ساعة من موعد ادلائه لخطاب امام مجلس الكونغرس. وبإجماع الآراء كان هذا الخطاب هو الاهم في حياة بوش وطبقاً لاحدى الروايات سأل بلير بوش كيف يبدو مسترخياً بهذه الصورة قبل القاء مثل ذلك الخطاب الخطير، فرد بوش قائلاً: لقد اخبرت مرات كثيرة بأن هذا هو خطاب حياتي وبالتالي فإن الموضوع فقد تأثيره قليلاً ولقد قمت بمراجعته والآن انا مستعد له!! ان ما يظهر هنا هو عبارة عن صورة لرئيس يتمتع بقدر كبير من الثقة الداخلية بالنفس.. انه ليس بمفكر حيث يتفق الجميع على هذا. اعرب احد المسئولين في الحزب الديمقراطي عن اسفه لان رئاسة اميركا في يد شخص يفتقر الى القدرة على الاستمتاع بهذه الرئاسة. ولكن كما يقول احد المراقبين الذين يتابعونه عن قرب فإنه عندما يتناول موضوعاً من منظور ذاتي، فإنه يتكلم عنه بكل حماسة وبجميع مشاعره.. لقد كان التعليم هو الموضوع الرئيسي الذي سيطر على حملة انتخابات الرئاسة عام 2000 وكانت الحرب على الارهاب هي الشغل الشاغل لمسار الاحداث بعد الحادي عشر من سبتمبر. وبشكل مفاجيء كان هناك موضوع لم يكن احد لديه علم بشأنه اكثر منه، لقد كان حدثاً جديداً لم يشاهد ولم يحدث من قبل ولا يوجد احد يمكن ان يدعي بأنه لديه خبرة به ولم يكن هناك اي من اعضاء الصفوة المفكرة بوسعه ان يضارع الرئيس الاميركي في تناول هذا الموضوع، وشعر بوش بأنه مؤهل كأي شخص آخر للتعامل مع هذا الموضوع. ولقد اعطت الهجمات الارهابية بوش شيئاً يحتاجه كل قائد، هذا الشيء هو لحظة من الارتباط العاطفي مع شعبه، لقد نال كلينتون هذه اللحظة بعد تفجير اوكلاهوما عام 1995. وعاش بلير اللحظة نفسها مع موت الاميرة ديانا، ولقد قضى بوش اول 36 ساعة بعد انفجار برجي مركز التجارة في رعب، حيث بدا انه يجري وراء غطاء للاحداث بدلاً من البحث عن قيادة الامة، غير ان الظروف تغيرت عندما قام اخيراً بزيارة موقع الانفجار. فبينما هو واقف بين الاطلال بدأ في مخاطبة عمال المطافي والاغاثة المجتمعين، ولكنه من دون ميكروفونات لم يكن صوته مسموعاً، وصاح احد عمال الاغاثة قائلا: لا نستطيع سماعك، فرد الرئيس بعد ان تناول ميكروفوناً في يده: «حسنا انا الآن استطيع سماعك وقريباً جداً هؤلاء الذين فعلوا هذا الشيء سيسمعون ردنا كلنا» ومنذ هذه اللحظة زادت شعبية بوش لتصل الى عنان السماء. وياله من امر مؤلم ان يعترف الديمقراطيون بأنهم يواجهون رئيساً يملك الكثير من الصفات التي تتطلبها وظيفة رئيس الدولة. فهو شخص يبث روح الولاء والاخلاص، فالقائمون على سلك الصحافة في واشنطن يشتكون من ان البيت الابيض في عهد بوش هو الاقل تسريباً للأخبار مقارنة بجميع الفترات السابقة ويتمتع بوش بقدر كبير من الاصرار والعزم يجعل غياب صفة الفضول عنده ميزة، فهو لا يغيب ويتعب نفسه برؤية ومعرفة كل جوانب المناقشة. فإظهاره الكبير والوضح لمشاعر الود والمصافحة مع الآخر لا يوحي بوجود هذه الصفة عنده، ولكنه ايضا يملك بعض الاصرار والتصميم فحقيقة انه كان منفذ قرارات ابيه لم تأت من فراغ، ففي احدى المناسبات حمل لرئيس الاركان في عهد والده خبر انهاء خدمته، حيث كان الرجل يواجه قدراً كبيراً من الفضائح. بعض من صفة الاصرار والحزم تلك ظهرت في خطابه امام مجلس الكونغرس، فلقد قال ذات مرة احد السياسيين المحنكين من نيويورك انني لا يجب علي ابداً ان اقلل من شأن الحاجة الى العنف الذكوري في صلب السياسة الاميركية: «فالناخبون في حاجة الى ان يصدقوا ان رئيسهم رجل قوي وصلب يستطيع استخدام قبضة يده، اذا اضطر لذلك.. ولهذا السبب لم يكن يستطيع مايكل دوكاكيس ان يصبح رئيساً لاميركا وللسبب نفسه تولى كلينتون مقاليد السلطة عندما اعترف بأنه قام ذات مرة بضرب زوج أمه المتعنت. ويقوم بوش باشباع تلك الرغبة لدى شعبه بمهارة شديدة، فيقول مهدداً من وصفهم بالسفاكين القتلة من تنظيم القاعدة سوف نقوم بمطاردتهم على مهل ولكن بشكل يؤدي بالتأكيد الى القبض عليهم ولن تكون هناك اي محاولات ضعيفة لفهم الاسباب الرئيسية للارهاب ويضيف وهو يضحك قائلا: تأكدوا ان العلاج لن يجدي.. وفي عبارة تماثل ما يقوله زعماء المافيا، ذكر بوش ان احد متهمي القاعدة تم القاء القبض عليه من قبل اميركا، قائلا: هذا الرجل لم يعد يمثل مشكلة لاميركا، لقد قال هذه العبارة وهو يغمز بعينيه بطريقة توحي للمرء بأنه يشاهد لقطة من مسلسل «السوبرانو». حتى عندما يمضي قدماً نحو الحاجة الى وجود شخص قوي وصلب تحتاجه اميركا فإن بوش يفهم ايضا حاجة ورغبة الامة الاميركية لان ترى مواطنيها جنوداً يسيرون نحو تحقيق اغراض اسمى حتى على المستوى الديني، وكما فعل عام 2000، جاء بوش بعد احداث سبتمبر ليواصل وعظه قائلاً: ان الارهابيين اعتقدوا ان الدين الذي تعتنقه اميركا هو المادية ولكنهم كانوا على خطأ في اعتقادهم. واضاف ومن ثم فإن نداءه الى الاميركيين هو انه اذا كنتم تريدون الانضمام للحرب ضد الشر فعليكم ان تفعلوا الخير، وتحبوا جيرانكم كما تودون بالضبط ان يحبكم الآخرون، علينا ان نتذكر ان الحكومة يمكنها ان تقدم يد المساعدة ويمكنها ان تقدم الاموال ولكنها لا تستطيع ان تزرع الحب في قلوب الناس، وليس هناك مثال افضل من ذلك الذي ضربه في هذا الصدد عندما ذكر قصة راكبي الرحلة رقم 93 الذين تقاتلوا مع خاطفي الطائرة واجبروهم على الارتطام بالارض في ولاية بنسلفانيا بدلاً من استخدام الطائرة كصاروخ مثلما كانت الحال مع طائرتي برجي مركز التجارة العالمي، وقال في هذا الصدد: لقد جسد هؤلاء عظمة الروح الاميركية. ولدى القائه لخاتمة خطابه متوقعاً ان يأتي خير لا يصدق من الشر الذي حدث في الحادي عشر من سبتمبر، داعياً الله ان يبارك اميركا فإن المرء يجد ذهنه متجهاً الى رونالد ريجان وذلك الرئيس الذي كان كثير من البريطانيين والاوروبيين بوجه عام ينظرون اليه على انه مجرد مهرج لا يقدر حتى على قيادة كلب ناهيك عن قيادة العالم الحر، وعلى الرغم من ذلك اعيد انتخابه بأغلبية كاسحة ولايزال يتمتع بحب وتقدير شعبه. بقلم: جوناثان فريدلاند _ ترجمة: حاتم حسين عن «جارديان»